Accessibility links

ومات المشرد العجوز على الرصيف


الدكتور ويدرس طبيب فقراء بيتسبورغ

الدكتور ويدرس طبيب فقراء بيتسبورغ

كلما اقترب موعد الطائرة، تكرر سؤال العجوز عن مدة غياب الدكتور ويدرس عن مدينة بيتسبورغ.. فبالنسبة للعجوز مارتن، لاشيء أهم من رفقة طبيبه وصديقه و شريك تجربته القاسية.

على الطبيب أن يغادر إلى نيودلهي سريعا ليلتحق بالتزامه المهني هناك، وهو التزام مرتبط أيضا بتجربته الفريدة مع مشردي المدينة، وهي تجربة تلقى بين اليوم والآخر المزيد من النجاحات والذكر الطيب من جهات علمية واجتماعية مختلفة في نواحي عدة من العالم.

يقول الطبيب لصديقه "لن يتأخر غيابي عنك وعن المدينة وعن بقية الأصدقاء هنا سوى شهرين لا أكثر" ويضيف أنه لا يمكن أن يتأخر عن هذا الالتزام الذي فيه خدمة لمشردين آخرين في بلد في حجم السعة الجغرافية والتنوع والتعدد الديموغرافي الهائل جدا كالهند.

يصمت الرجل عميقا و هو يعرف أن هذه المدة ستكون أكبر بكثير من قوة الاحتمال لديه، وهو الرجل الذي غادر العالم طوعيا وانسحب إلى صمت كبير واختار أن يقيم بين المهملات في طرف ما من المدينة على ضفة النهر.

هناك اختار الرجل الثمانيني أن يقيم لفترة من الزمن تجاوزت السنوات العشر قبل أن تحدث تلك المصادفة الغريبة... ليلتها، وعندما كان الطبيب يهم بمغادرة المكان، قطع أنين صمت الليل العميق من حوله وقاده إلى ما وراء ركام الفضلات ليجد العجوز هناك يقاوم آلاما في قدميه المنتفختين.

تملأ الكبرياء عيني الرجل الثمانيني وهو يقاوم الاعتراف بحقيقة أوجاعه، لكن إشارة صريحة من الطبيب إلى مكان الألم جعلت عيني العجوز تعجزان عن الإمساك بالقيد فهربت الدمعتان من مخبأ أقامتا فيه طويلا.

في لحظة الكشف عن مصدر ألم ومعاناة العجوز كان الانتفاخ قد بلغ مداه في قدمي العجوز.. مد الطبيب يده وسحب القدمين إلى الأمام قليلا حتى يتمكن من رؤيتهما أمام نور الإضاءة التي يحملها مرافقوه .

الحكم على الآخرين لايجب أن يكون من موقع فوقي، ينبغي أن نسمع إلى الآخر من منزلة متساوية
صدمته كبيرة من الوضع الذي آلت إليه قدما العجوز. على وجه السرعة طلب من المرافقين تحضير إناء من الماء الساخن ومد يديه لبدء مشهد هز مشاعر العجوز ومساعدي الطبيب.

الطبيب ويدرس يغسل قدمي الرجل الثمانيني الذي رمت به الأقدار إلى هذه الزاوية الغارقة في الظلام والصمت بعد حياة كاملة في أميركا ومحطات عدة من العالم .

وهو يستعيد معي هذا المشهد في إجابة عن سؤالي حول اللحظة الأكثر هزا لمشاعره في رحلة مساعداته الطويلة للمشردين قال لي إنها لحظة فارقة لأنها تشكل التجسيد الحقيقي للمعنى الذي يسعى لإعلانه للناس وهو أن الحكم على الآخرين لايجب أن يكون من موقع فوقي.

"ينبغي أن نسمع إلى الآخر من منزلة متساوية وأن نعرف الناس انطلاقا من ظروفهم وواقعهم لأن أي حكم على الآخرين من خلال ذواتنا ستكون نتيجته مزيدا من الانغلاق على الذات ومزيدا من الغربة عن حقيقة أنفسنا وعن الآخر من حولنا.

يواصل سرد الحكاية مع بعض التوقف بين اللحظة والأخرى لارتشاف شيء من الشاي الذي بات جاهزا الآن.

يرفض العجوز الثمانيني أن يغادر مكانه ويتمسك بالبقاء في ملجأه البعيد عن الضوء... يعتقد أن المكان هو الأنسب لحالته النفسية والحسية، فهو لم يعد يرى في وجوده في هذا العالم أي جدوى، وأن مكانه الطبيعي هو أن يعيش هنا بين الفضلات والمهملات لأنه أصبح بلا قيمة معنوية أو قدرة على تقديم أية إضافة إلى مسار الحياة.

كانت حيلة الطبيب في إقناع صديقه العجوز بمغادرة الظلام والعودة إلى مساحات الضوء هي إقناعه بقبول أن ينظف الطبيب ومساعدوه قسما من المكان ليسمح لهم أولا بتقديم العلاج المناسب لحالته وليسمح للعجوز بإيجاد مساحة نظيفة من حوله تساعد جسمه على استعادة بعض القوة والتماثل للشفاء.

وهذا فيديو عن الطبيب:


في هذا المقترح منتصف الطريق بين الرأيين... العجوز يرفض مغادرة المكان إلى العيادة، والطبيب يصر على إ كمال العلاج، وبين الخيارين كانت هذه الفكرة هي ما يرضى به الطرفان.

في ذلك المساء انخرط الطبيب بمعية مساعديه في تنظيف المكان بعد استحضار عشرات الأكياس لحمل القمامة من حول العجوز ونقلها بعيدا عن المكان.

يرفع الطبيب ومساعدوه الأكياس بعيدا ويطهرون المكان بما توفر لهم من مواد تنظيف قبل أن يضعوا فراشا جديدا للعجوز الثمانيني الذي وقف غير بعيد يتأمل مدهوشا ما يحدث من حوله.

يقول هو عن نفسه لاحقا إنها المرة الأولى بعد عمر طويل التي يشعر فيها أن هناك في هذا العالم من يمكن أن يقبله بكل أخطائه وبكل مآسيه وأن هناك من هو على استعداد لإعطائه شيئا من الحب دون انتظار لفكرة المقابل أو حتى توقع حدوثها.

عندما تهيأ المكان بصورته الجديدة اختلس العجوز لحظة من الذاكرة البعيدة ومد يده في خجل باد للعيان إلى كيس أثوابه المتهالكة.. وأخرج من هناك مجموعة صور لأفراد يقيمون بعيدا عن عينيه لكنهم يحجزون دوما مساحات في تفكيره و في نبضه.

في لحظة متدفقة بالمشاعر أدرك الطبيب أن مريضه فتح النوافذ واسعة وبات جاهزا الآن لفكرة تقبل العلاج وتضاعفت في اللحظة تلك آمال إعادته إلى الحياة بعد إيمانه بأن قبوله بوضعه الطبيعي أمر لا يزال ممكنا في هذا العالم.

قال العجوز عن نفسه إنه جندي سابق في البحرية الأميركية... كان وسيما قوي البنية عازفا ماهرا على آلة الغيتار وذا صوت غنائي تطرب له الأذن.. عميق.

استعاد تلك المحطات من العمر عندما كانت له زوجة جميلة وبيت وعائلة وصولة في المدينة قبل أن تخونه الحياة وترميه بعيدا ويستغرقه هذا العالم الصامت ويأخذ كل معالم الفرح من روحه.

نقل العجوز إلى عيادة الدكتور ويدرس في سيارة إسعاف تبرع بها أحد الأثرياء في المدينة.. التقى العجوز للمرة الأولى، وبعد فاصل هائل من الزمن، بالضوء.. سمع التحيات والسؤال عن حاله واكتشف الحياة في المكان وأدرك أن النوم ممكن في مكان مغلق ودافئ، واعتاد مجددا صحبة الناس وألا يخاف مما يحدث حوله من حركة وأحاديث.

بدأت فكرة إنه يشكل مصدرا للشر في نظر الآخرين تغادر تفكيره شيئا فشيئا، وآمن بأنه من الممكن أن يستعيد طبيعته الإنسانية المرحة والمحبة للحياة وان يجد قبولا واسعا من الآخرين في المدينة، وأكثر من ذلك صار أكثر إيمانا بأن في العمر لا يزال متسع لأن تحدث لحظات جميلة ومناسبات للسعادة، بل بات يفكر لأول مرة ومن جديد باستعادة التواصل ببقية عائلته في أطراف المدينة واستعادة لحظة من ذلك الشعور الجميل بالانتماء إلى الآخرين وأنه لم يعد يشكل قطعة منفصلة عن عالم شكله وتشكل معه لكل العمر.

طالت فترة علاج العجوز وترتبت الأشياء من حوله بصورة أفضل إلى أن اقتنع أخيرا بضرورة العودة إلى بيت ونور و مأوى وإلى قضاء مساء على شرفة بيت مستمعا إلى صوت المياه وهي تعزف لحنها الأبدي في نهر المدينة.

في ذلك المساء كانت المدينة وكل أميركا تحتفل بأعياد الميلاد، ولأن الأمر كذلك انصرف الدكتور ويدرس إلى ترتيب الملجأ العام للمشردين في قلب المدينة بالصورة التي تشعر القادمين إليه من المشردين أن هناك من يفكر فيهم ويريد لهم أن يحتفلوا بالمناسبة كما يفعل كل سكان المدينة.

يتأخر العجوز عن الحضور إلى الملجأ ويتأخر صديقه الطبيب عن الحضور لتفقده في الموعد
اليومي إلى يوم تال.

في جيب العجوز هدية للطبيب.. وبدلا من أن يناديه العجوز في ذلك المساء باسمه "جيم"، اختار أن يناديه بـ"جيمي" تحببا وتلطفا وقرر أن يرفع الكلفة بينهما ويخاطبه بدءا من اللحظة بـ"ابني العزيز".

كشف العجوز عن هديته ليقول وهو يقدمها للطبيب إنها ورقة نقدية من فئة الـ50 دولارا لا يزال يحتفظ بها منذ ذلك الزمن البعيد في جيب سري من سترته ويهديها للطبيب ويقول له:

"إنها هديتي لك في عيد الميلاد. خذذها وأذهب إلى المدينة وأشتر بها شيئا محببا إلى قلبك فإنك بذلك سوف تسعد قلبي".

بمحبة خالصة أخذ الطبيب الهدية واستأذن صاحبها في أن يعلقها على جدار مكتبه كلوحة تكريم إنساني خالص يحمل لديه كل معاني السمو والصفاء والنقاء.

غادر العجوز إلى بيت فيه إضاءة ومدفأة ومصباح ونام على فراش دافئ في ذلك اليوم وفي نهاية المساء يسأله الطبيب عن صور عائلته فيقول إنها لا تزال هناك.

يأخذ الطبيب العجوز مارتن في رحلة من البيت الجديد إلى مخبئه السابق.. الصور لاتزال في مكانها.. وهما يغادران المكان يتوقف العجوز متأملا فراشه بين القمامة وبقية أغراضه في المكان ليسأل الطبيب: كيف يمكن لإنسان الحياة بين أكياس القمامة؟

يعلق الدكتور ويدرس: عندئذ أدركت أن معالم الشفاء أعلنت عن نفسها في حالة العجوز مارتن.. في روح العجوز الآن متسع لعزف قيثارة ولحن أغنية وإسماع صوت غاب كثيرا في غابات أحزانه، لكن حزنا ما يسكن قلب الرجل في هذا المساء وهو يعرف أن صديقه الطبيب سيغيب لشهرين عن المدينة.

غادر الطبيب إلى نيودلهي، ونامت بيتسبورغ تلك الليلة من غير أن يتفقد الطبيب مرضاه من المشردين تحت أنفاقها وجسورها لكن شوق العجوز والإحساس بالضياع كبر في كل يوم وليلة يتأكد فيها أن الصديق الطبيب لن يطرق بابه في وقت لاحق من المساء.
يقرر الطبيب أن يقيم جدارية لتكريم كل المشردين الذين ينامون في صمت المدينة

كبر الصمت في قلب الرجل وتعاظم الفقد في روحه إلى أن قرر في مساء ما أن يعود إلى مخبئه بين القمامة والفضلات.


في ذلك الزمن كان الوهن قد أخذ منه مأخدا بعيدا، ولم يعمر هناك أكثر من أيام وليال باردة في أجوائها وفي حرارة الشوق إلى زائر تعود أن يراه يوميا وأخرجه من ظلمات الجسور إلى نور الحياة إلى أن مات العجوز مستسلما على الرصيف لصمت العمر الذي سكنه لزمن غير قصير.

في الطرف الآخر من العالم يتلقى الطبيب خبر وفاة صديقه العجوز. يعود سريعا إلى بيتسبورغ ويقرر في رحلة العودة أن يقيم جدارية لتكريم روح هذا الفقيد العزيز على قلبه هو وكل المشردين الذين ينامون في صمت المدينة وبرد المساءات الشتوية الطويلة.

يرفض عمدة المدينة الفكرة والمشروع، ويختار الطبيب الذهاب إلى القضاء ويكسب القضية، ومنذ ذلك الحين وللمشردين في بيتسبورغ جدارية تخلد أسماءهم وتواريخ وفاتهم والسبب الطبي لموتهم لأن هناك طبيبا اختار في حياته أن يكون نصيرا لهم كما اختار أن يحكم عليهم من خلال ظروفهم وليس من برج الذات العالي دائما في أحكامه.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG