Accessibility links

ذلك الصبي اليافع الذي ولد بين فوهات البنادق ونام على أسرة العراء ولم يأكل لأيام وحملته أمه في شاحنة عارية هاربة من ألسنة الحرب وأصوات المدافع وأزير الطائرات، من جوبا عاصمة جنوب السودان حاليا إلى أقرب ملجأ لجنوبي السودان في الدولة المجاورة أثيوبيا.

أقام الطفل نائما على حضن أمه ردحا من الزمن وهو ينظر إلى الأفق البعيد لكن الأفق في هذا الفضاء لايتسع لأكثر من البقاء على قيد الحياة حيث لا أمل في العودة إلى جوبا ولا أمل في رؤية ذلك الجزء من العالم يعيش في سلام كما هو الحال في بقية العالم.

الحرب هنا جزء من قصة الوجود الإنساني في حد ذاته، والأطراف المتصارعة عقدت العزم على ألا تعيش في سلام ومحبة، وعمر الصراع يمتد لأكثر من 30 عاما حينذاك، ولا أمل في حدوث معجزة السلام غدا.

اختارت أحلام الطفل أن تحلق بعيدا جدا وأن تكبر على المكان وضيقه، فالملجأ في إثيوبيا لا يمكن أن يصنع مستقبلا، ولا يمكن أن يتسع لأحلام طفل رأى في الحياة مسرحا جميلا ليحقق فيها أجمل الأمنيات.

يقيم الطفل صامتا بين ذلك الحلم الوردي الساحر في تفاصيله، وصورة تلك الأم المقهورة التي تجهز العشاء على موقد من حطب ونار، وقليل من الطعام بالكاد يتسع لحاجة الطفل الحالم وإخوته الأيتام والأم المنهكة بذاكرة الزوج القتيل والأهالي الغرباء في بقاع شتى.

هكذا كان المشهد الذي كبرت عليه ذاكرة الطفل في ذلك الحين من الدهر، إلى أن كان يوم لا يشبه الأيام التي سبقت، إنه اليوم الذي قررت فيه عائلة أميركية في ولاية "ميشيغن" استقبال الصبي اليافع بين أفرادها والإشراف على تعليمه والوصاية على أموره جميعها بصغيرها وكبيرها.

لم تكن هناك حقيبة يمكن للطفل أن يحملها إلى غربته الجديدة، لكن كان هناك مجموع تذكارات من ذلك الجنوب المقيم في القلب جهزتها الأم على عجل لصغيرها.

وهي تودعه تدفقت مشاعر الأمومة في اتجاهات عدة. صوت العقل يقول إن المستقبل هناك سيكون أفضل وإن البلاد البعيدة ستكون أرحم بصغيرها، وصوت القلب لا يهدأ وهو يحدث الأم أن صغيرها سيكبر في غربة مركبة. غربة الوطن البعيد وغربة الحياة بعيدا عن أعين ورعاية أم لاتملك من بعد زوجها وفقدانه الكبير سوى هذا الصبي اليافع الذي حملته أمانة تحقيق الأفضل لها ولبقية صغارها.

يستعيد هذا المشهد الدرامي في كل تفصيل معي أستاذ علم اللاهوت بجامعة "جورج تاون" تون شول الأب في كنيسة وسط مدينة ألكسندريا، بالقرب من العاصمة واشنطن، وأنا أسأله عن قصة مجيئه إلى أميركا.

تملأ عينيه دموع الذاكرة العنيفة التي لا ترحم الغرباء عند استيقاظها ويقول لي متحدثا عن تلك البدايات الأولى لخطوه في أميركا:

كنت أدرك منذ تلك اللحظة الأولى أنه لا وطن لي غير هذا الوطن وأنه لاحق لي في الفشل أو الخطأ في هذه الديار
كنت أدرك منذ اللحظة الأولى أنه لا وطن لي غير هذا الوطن وأنه لاحق لي في الفشل أو الخطأ في هذه الديار.

هي ديار اختارت أن تكون كريمة معي وهي تفتح لي ذراعيها واسعة بمحبة عالية وإخلاص كبير، فأخترت أنا من جانبي أن اكون صبي التحديات جميعها، وأن أتحمل مسؤولية تحقيق حلم أمي وإخوتي في أن أكون رجل المسار الطويل والشاق لعائلة جنوبية رحبت بها أميركا عندما حاصرها الموت وألسنة الحرب في جنوب السودان لربع قرن وزيادة من الزمن.

اليتم كما يعرفه الأب تون ليس أن تكون بلا أب أو أم في هذا العالم. اليتم هو ألا يكون لك وطن يحتويك وتفكر يوما في أن تكبر في تفاصيله كما يكبر العمر والأحلام فيك ومعك ومع كل الناس في كل العالم.

في أميركا فقط تعامل تون مع واقعه الجديد. لديه غرفة نوم مستقلة ولديه الأمان الكافي بالحصول على الغذاء الكافي والرعاية الصحية الكاملة والأمان من الأمراض وأكثر من كل ذلك الحق في الحصول على فرصة التعليم الكافي، وفي كل مراحل الحياة.

اطمأن الصبي عميقا إلى هذا الواقع الجديد، ونام هانئا وهو يتعامل في لياليه مع أحلامه في المستقبل الكبير الذي ينتظره في ربوع هذه البلاد الكبيرة... كبرت أحلامه في مستقبل أفضل وأجمل من كل الآلام التي حاصرت طفولته وطفولة الملايين الآخرين من أطفال جنوب السودان.

كان هذا بعض من البوح الطويل الذي أسمعني إياه تون وهو يحدثني عن قصة الرحلة من أقصى الجنوب في السودان إلى أقصى الشمال في غرب أميركا.

في المدينة حولنا في ذلك المساء، كان الثلج ينهمر بلا توقف تماما مثلما كانت تفعل الذاكرة بقلب الرجل الكامل الأناقة في مظهره وكامل الثقة في نفسه، وهو الذي يستند إلى منجزات علمية وشهادات أكاديمية جعلت منه مرجعا روحيا لكثير من الأميركيين من مختلف الأعراق ولأبناء جاليته من جنوبيي السودان المقيمين في منطقة واشنطن الكبرى.

ونحن نقف معا على عتبات هذه الذاكرة لم يتردد الرجل في أن يعلن افتخاره بكل الذي تحقق له هنا في أميركا ولأطفال آخرين يشاركونه تجربة الحياة في ملاجئ دول الجوار في جنوب السودان قبل أن يلتحق جميعهم بأميركا للدراسة والحياة بين عائلات أميركية قررت أن تكون كريمة باستقبالهم وأن تأخد بأيديهم إلى أن يصيبوا كل النجاح في رحلة حياتهم ودراساتهم الأكاديمية قبل أن تتوفر فيهم شروط المواطنة الكاملة في أميركا ويتحولوا لاحقا إلى مواطنين أميركيين من أصل جنوب سوداني.

في زحمة تفاصيل الرحلة الطويلة بين الحلم الجنوبي والحقيقة الأميركية كانت صديقة تون الجنوبية الأميركية الأخرى كتاريا تدق باب الكنيسة للحاق بنا فالموعد هذا المساء هنا للصلاة، للحديث إلى صحفي عن رحلة اللجوء من جنوب السودان إلى أميركا عبورا بأثيوبيا وكينيا.

"كتاريا مرحبا بك إلى هذا الحوار"، قلت وأنا أتأمل هذا الوجه الباسم المتدفق حرارة ومحبة وإيمانا بالمستقبل الأفضل وأكثر شعورا بالأمان بالانتماء إلى هذه الأرض.

قالت وهي تلقي التحية: بالمناسبة قصتي لا تختلف عن قصة تون كثيرا، ربما لذلك بيننا هذا التلاقي وهذا التواصل الإنساني. أنا أيضا طفلة ولدت في الملاجئ وبلغت الثلاثين من العمر ولم أرى جنوب السودان يوما، وكان لا يزال الحلم عندي. كل الحلم أن تكرمني الحياة يوما بمشاهدة ذلك الجنوب الذي لطالما حدثني عنه والدي، ذلك المحارب المستكين الذي يقف في زاوية في جوبا مراقبا تطورات وأحداث الحرب القائمة حاليا بين الشركاء السابقين والغرماء الحالين.



ولدت الطفلة في أثيوبيا وعاشت ما عاشه اللاجئون الجنوبيون هناك من معاناة وحرمان إلى أن قادتها أقدراها هي الأخرى إلى هنا إلى أميركا.

في ذلك الملجأ، كانت كتاريا تمارس رياضة العدو وهي الموهبة التي آمن جميع الذين كانوا حولها بقدرتها على صناعة خط مسارها الطويل لكن لا أحد في أديس أبابا كان يؤمن بأنها تستحق أن تعطى الفرصة بين عدائي البلاد فقط لأنها طفلة الملاجئ.

كان على الطفلة أن تسكن أحلامها بمهدئات ألم قوية جدا، وأن تمارس الركض في المساحات المحيطة بالملجأ كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، وعليها أن تقبل بأن تركض في صمت كبير ويركض العداؤون الآخرون في مساحات البلاد الواسعة ويحملون الراية الأثيوبية وتحملهم الناس على الأكتاف في كل مناسبة انتصار يحققونه. وعاشت الطفلة على رصيف الانتظار في كل الذي عبر عمرها في تلك الفترة من الزمن.

في أميركا شعرت كتاريا باتساع الأفق لها ولأحلامها
جاءت كتاريا إلى أميركا وبدأت رحلتها في التعليم والحياة بين أفراد عائلة أميركية وعندما شعرت هنا باتساع الأفق لها ولأحلامها.

أسلمت قدميها للريح وراحت تجري في ميادين المدارس الحكومية ولفتت موهبتها كثيرا من أعين المختصين ويوما بعد آخر. ورحلة بعد أخرى، أصبحت كتاريا عداءة أميركية في المنتخب القومي وتحمل على كتفيها الألوان الزرقاء والحمراء.

تركض الطفلة اليافعة حينذاك وفي بالها تلك الصورة لوطن اللجوء البعيد في قارة إفريقيا وهو يضعها جانبا، ولا يسمح لصراخ الأحلام فيها بالظهور عاليا فقط لأنها طفلة من جنوب السودان لجأت إلى أثيوبيا.

كتاريا الآن أمامها أبواب عريضة ومتعددة من المستقبل. موهبتها الرياضية ومستقبلها الدراسي وعروض دور الأزياء تماشيا مع قدها الرشيق وقصة حب كبيرة تعيشها مع جنوبي آخر لاجئ إلى أميركا.

هنا في أميركا اتسع المكان لأحلامها و لقدرة ساقيها على الركض بعيدا تماما كما يفعل الغزال في غابات جنوب السودان.

في أميركا، سيكون لكتاريا أطفال لا أحد يوقف الزمن في حياتهم لأنهم أطفال الملاجئ، وفي أميركا تحقق الثلاثينية اليوم كل أحلامها في الاحساس بالانتماء إلى المكان وإلى الإنسان وإلى الأرض.

وبات جنوب السودان بالنسبة إليها أرض طيبة أعطتها الحياة والوالدين الكريمين وتتمنى زيارتها يوما لترى ماذا يمكن أن تقدم لطفلات تلك الأرض المحروقة بصدمات الحرب فيها.

بالقرب من كتاريا، جلست ناتاليا الجنوبية الأميركية الأخرى التي جاءت زاحفة بأحلامها في الحياة الأفضل والسلام الدائم هنا في اميركا.

هنا أكملت تعليمها وأنجبت أطفالها، فيما طفلها البكر يرتقي عاليا في سماء كرة السلة الرياضة الأكثر شعبية بين الأميركيين.

تقول إن طفلها يقطع طريق أحلامه سريعا على مرأى أم تضيف وأنا أسالها عن الحرب الجديدة في جنوب السودان بين الرئيس سيلفا كير ونائبه إريك مشار "إن الذي يحزن قلبي ويوغل في جرحه هو هذا الاستخدام الشرس للأطفال في نز اع الجنوبيين".

إنه استخدام رخيص لأرواح أبرياء. كيف يمكن لقادة أن يسمحوا لأنفسهم بأن يدفعوا بأطفال أبرياء إلى فوهات البنادق ويحملونهم الرشاشات. كانت المدارس وستظل دوما أولى بهؤلاء الأطفال.

في غمرة دمعة هربت من عينيها قالت لي المرأة "في كل مساء أشاهد الأخبار القادمة من الجنوب، التفت إلى طفلي النائم في غرفته وأقول: لو بقيت هناك في جنوب السودان لكان طفلي بالتأكيد واحدا من الأطفال المدفوعين إلى أتون حرب تأكل أعمار الكبار والصغار حتى وهي الحرب التي تفتقد إلى كل مبرر أخلاقي أو عقلي".

ناتالينا لم تنس أن تقول لي في فورة غضبها إن ضحايا الحرب في جنوب السودان كانوا دوما الأطفال والنساء، وفي كل مرحلة من التاريخ يحتاج الزعماء إلى النساء للغناء لهم بعد الفراغ من اقتسام غنائم الحرب لكنهم في كل مرة يعبرون إلى الانتصارات من فوق جثت النساء وأطفالهن.

كيف كانت ستكون الحياة معي ومع أطفالي لولا قراري باللجوء إلى أميركا؟
​أتساءل كيف كانت ستكون الحياة معي ومع أطفالي لولا قراري باللجوء إلى أميركا.

في عيني تون الرجل الذي يقف أمام المئات في صلاة كل أحد في كنيسة المدينة في ألكسندريا وفي عيني العداءة الخارقة في المسافات الطويلة وفي صبر الأم ناتاليا قصص لجوء إنساني.. بدأ صغيرا إلى أميركا، وانتهى إلى واقع كبير في حياة هؤلاء الجنوبيين الذين ضاق بهم الوطن الأم ودول الجوار من بعده وكل العالم من وراء ذلك واختارت أميركا طواعية أن تتسع لإنسانيتهم وأن تكون أرضا لتحقيق كل أحلامهم.

عندما سمعت منهم هذه الكلمات.. كانت كتاريا تسارع الزمن لتدرك موعد تدريبها في واحدة من صالات التدريب المغطاة بالعاصمة واشنطن لأن درجة الحرارة من حولنا تجاوزت العشرة تحت الصفر في ذلك المساء.

"ليس مهما أن تبرد الأمكنة، المهم أن تظل القلوب دافئة بنبضها"، قال لي تون وهو يودعني ويشكرني على فرصة اللقاء وهو أدب يطبع أخلاق الجنوبي الأميركي وعلى مدار الساعة.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG