Accessibility links

الوطن.. حقيبة سفر


الفيلالي مع اللاجئ السوري عبد القادر الخطيب

الفيلالي مع اللاجئ السوري عبد القادر الخطيب

تمطر السماء كثيرا، وتشرق الشمس في ذلك اليوم الذي أتواعد فيه للقاء اللاجئ السوري إلى أميركا عبد القادر الخطيب بعد تأجيل وآخر بحكم ارتباطات كلينا في زحمة انشغالات واشنطن التي لا تنتهي.

يقول لي الرجل سريعا وهو يرد على اتصالي الهاتفي متسائلا إن كانت هناك فائدة مرجوة من حديثه إلى الاعلام في قضيته الشخصية وقضايا آلاف آخرين من أبناء بلده العالقين هنا في أميركا في إنتظار قرار من مصالح الهجرة الأميركية بتسوية وضعياتهم وإقاماتهم على الأراضي الأميركية بعد أن اضطروا مكرهين إلى مغادرة بلدهم في عجلة من أمرهم.. سؤالا للنجاة لهم ولأطفالهم.

على مائدة قهوة جلسنا سوية.. تعصف الريح بالمكان وتشهد درجة الحرارة المزيد من الانخفاض في تلك الساعات المسائية الثقيلة من يوم واشنطن.

يستعيد معي الرجل المأساة بكل تفاصيلها وهو يحدثني عن تشتت أصاب عائلته الآمنة في لحظة لم يكن من الممكن السيطرة على تفاصيلها.

كان الرجل الشاب يحقق الكثير من ذاته في أرجاء بلده والكثير من فرح أمه بنجاحه والكثير من السعادة لزوجته وهو يشق الطريق هادئا مطمئنا في أعماله وتجاربه وينجح بين اليوم والآخر ليكبر في عيني كل الذين حوله.

إلى تلك الضاحية من دمشق اتجه واختار بيتا جديدا لواقعه الاجتماعي الجديد ولراحة عائلته.. دفع في سبيل ذلك ما يستطيع وبعض المبلغ أجل دفعه إلى وقت لاحق ولا غاية أخرى في تفكيره سوى تحمل مسؤوليته العائلية كاملة ومباشرة الحياة الجديدة بأجمل حالاتها.

دمشق مدينة تقيم في تفاصيلها ذاكرته وتعود إلى حاراتها مراتع طفولته وكثير من شركاء محطات عمره يقيمون في قلبه حتى اللحظة حتى وإن كان فارق الزمن يتسع والكثير من هؤلاء أخذتهم الحياة في مناح شتى.

يسترجع الرجل هذه الذاكرة وهو ينظر في الأفق البعيد متوقفا عند نفس عميق وهو يحدثني عن تلك اللحظة التي اضطر فيها مكرها للتفكير في ممكن الحياة خارج دمشق لأنه لا حياة في تفكيره وفي أحلامه قبل تلك اللحظة الفارقة خارج دمشق.

هناك التاريخ وهناك أيضا ذلك الممكن تحقيقه من الأحلام الواقعة للشاب المنطلق سريعا في عالم الأعمال.. فجأة تحيلك الحياة إلى منتهى بعيد وبعيد جدا عن التصور في الحلم وفي الحقيقة من حياتك.

واشنطن ..كيف كان ذلك؟

مصادفات العمر كثيرة وكثيرة جدا وأحيانا لا منطق لها و هي تحدث. يسعى عبد القادر إلى تأمين مشاركة له في أكبر معارض الكومبيوتر في لاس فيغاس كرجل أعمال قادم من بلاد الشام إلى الأراضي الأميركية.

توافق مصالح السفارة الأميركية في بيروت على منحه تأشيرة عمل إلى الولايات المتحدة لكن التأشيرة لا تصل صاحبها إلا بعد انقضاء أيام المعرض السنوي في المدينة المشمسة ويضطر معها عبد القادر إلى إعادة النظر في جدول أعماله بل وإلى التفكير في إلغاء رحلته إلى الولايات المتحدة بصفة نهائية لكن للقدر ترتيبات أخرى غير التي نفكر فيها ونعتقد بصدقيتها..

اشتدت المعارك من حول دمشق وضاقت الحياة على أهلها يوما بعد آخر وبات البيت المجاور المطل على مشارف العاصمة في قلب النيران، وباتت الحياة مستحيلة يوما بعد آخر، وسط تلك التفاصيل النارية في المشهد والمخاطر التي تهدد السكان ومنهم عبد القادر وعائلته في كل مساء ولحظة.

هناك فقط اضطر عبد القادر إلى تجربة النزوح الداخلي كما عاشه ويعيشه ملايين السوريين. يقول عن ذلك إنهم الآن في حدود السبعة ملايين ينتشرون في أرجاء البلد الواحد ونزوح عبد القادر وعائلته كان إلى قلب مدينة دمشق أملا في النجاة مرة أخرى من معارك بات من الصعوبة بمكان -حسب توصيفه لها- معرفة من هم الأصدقاء فيها ومن الخصوم.

كبرت المعركة في كل البلاد وفي كل المدينة، وما كان يحدث في ضواحي دمشق بات هو حدث قلب العاصمة السورية، وبات الخطر يحيط بالجميع وفي كل الوقت في تلك اللحظة البشعة، يقول عبد القادر، ولم تعد هناك إمكانية للحياة وسط هذه الأجواء فبدأت رحلة الشتات العائلي في كل الاتجاهات.

الأم تم تسفيرها إلى السعودية لأن هناك شقيقة تقيم هناك وبعض الوقت لا يزال يسمح بإمكانية الحصول على تأشيرة لها، وهناك إمكانية الحصول على رحلة طيران إلى الرياض عبورا ببيروت بعد قطع المسافة برا من دمشق إلى العاصمة اللبنانية.

ازداد الوضع تعقيدا، وبدأت المرحلة الثانية من مسلسل الشتات العائلي عندما استحالت الحياة في حضور زوجته وصغيره البالغ الآن الخامسة من العمر.. فكان القرار الآخر بترحيلهم إلى الكويت طالما أن والدي الزوجة يقيمان في الكويت، فهناك إمكانية للحصول على فرصة للنجاة هناك خاصة بالنسبة للطفل الصغير الذي كان في قلب قلق العائلة بكاملها.

في لحظة ما شعر عبد القادر أن الحياة ممكنة بشيء من المغامرة والتجلد طالما أن هناك ممكنا للتعايش معها بحالته الفريدة والجديدة فهو قادر على التصرف في شؤونه الخاصة وتحمل مسؤولية التعامل مع الاضطرابات الأمنية في المكان.

تنهمر المدافع بأصواتها في سماء دمشق وأصوات الطائرات في عبورها المتكرر لا تتوقف عن الحدوث، فيما كان عبد القادر يسارع الزمن لتفقد بيته المطل على ربوة تسمح له برؤية جزء هائل من المدينة التي تسكن قلبه، دمشق، وهي تغمر ليلها بكثير من الأضواء الناعمة والخافتة.. لكن السكينة غادرت الشام وتراجع الياسمين عن تعطير أجوائها.

حاول الرجل أن يتفقد بقية بيته وذاكرته في المكان عندما صادفته الحقيقة الجديدة في الحي السكني، وهي أن قوات الجيش الحكومي أفرغت البيوت جميعها من محتوياتها وساكنيها وحولتها إلى منطقة عسكرية، وطلبت من جميع المدنيين مغادرتها والتعامل مع المنطقة على أنها منطقة عسكرية لا تعترف بأية حقائق مدنية.

لم يكن الموقف يسمح بمناقشه التفاصيل في أوامر عسكرية علنية وواضحة في وضع مفتوح على كافة المخاطر..

عاد الرجل سريعا إلى بيته الجديد المستأجر في قلب دمشق لكن حتى هذا القلب من المدينة لم يعد مؤتمنا على حياته.

"لم نعد نعرف في أية لحظة ستأتي.. سيتم اختطافنا أو قتلنا أو اعتقالنا.. لم نعد نعرف من هو الفاعل في المدينة ومن هو صاحب القرار.. يحدث أن تكون الزوايا التي نعتقد فيها أماننا هي مراكز للمخاطر المحتملة جميعها".

جلس عبد القادر في نافذة بيته الدمشقي يطل على المدينة ويخزن ما استطاع من صور للأيام التي ستأتي.. سريعا انسل إلى المطبح ليحضر كأسا من الشاي وفتح حقيبة أوراقه... لايزال فيها بعض المال الذي يكفي لتأمين سفر إلى مكان آمن في هذا العالم الكبير.

أدرك بعض الفجر تفكيره الطويل في قرار سفر عاجل وطارئ من دمشق إلى بيروت.. في لحظات التفكير العميقة والسريعة تلك فتح جواز سفره ليجد تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة لاتزال صالحة للاستعمال، وهي التأشيرة الوحيدة المتاحة له في تلك اللحظة والممكنة الاستعمال والقادرة على أن توفر له فرصة النوم تحت سماء آمنة في جهة ما من العالم.

من دمشق إلى بيروت قطع الطريق دون أن ينسى في محطته الأولى البيروتية أن يخبر والدته في الرياض وزوجته وولده في الكويت عن وجهته القادمة.. إنها واشنطن.

في ذلك المساء وطائرة "يونايتد آرلاينز" تنزل بعجلاتها في مطار "دلاس" كان عبد القادر الأربعيني يعيد تشكيل العالم في تفكيره.. هذا واقع جديد يفرض عليه فرضا في حياته ولم يكن مخططا له من قبل.

في حقيبة الرجل جهاز كومبيوتر يحوي بعض الأحلام المؤجلة في رحلة العمر وصورا أخرى لفرحه وسط عائلته وذاكرة أخرى أرادها مصورة للوجوه والأمكنة التي لا يحب أن تحيا بعيدا عن ذاكرته المتحركة.. إضافة إلى ذلك كانت هناك آلة تصوير صاحبته في الرحلة.

دخل الرجل الجديد في تاريخ متجدد مطالب من خلاله بإعادة تشكيل ذاته من جديد ليؤسس بذلك لتاريخه الجديد في مدينة يواجهها للمرة الأولى في كل العمر.

سريع هو الزمن هنا بإيقاعه وبتفكيره في الأشياء.. الوقت ضيق على البكاء.. في صباح موال تتهيأ المدينة لموعد حياة جديد فيما عبد القادر يتهيأ لمقابلة المحامي المختص في قضايا اللجوء السياسي في قلب واشنطن.

السيد جايسون يقول إن حالة موكله اللاجئ السوري ممكن التعامل معها قانونيا ومعقدة إنسانيا... فشلت المحاولة الأولى في الحصول على تسوية لجوء عبد القادر إلى أميركا وانخرط الرجل ومحاميه في تجربة ثانية على أساس سؤال مصالح الهجرة إن كانت هناك إمكانية لتوفير الحماية لمواطن بات مهددا في أرضه وفي سلامته في وطنه؟

تمضي في واشنطن فصول وفصول ويضطر معها عبد القادر بعد استنفاد المبالغ البسيطة التي أحضرها معه من دمشق إلى البحث عن مصدر عمل، وتوافق مصالح الهجرة قبل الحسم في قرارها النهائي بإعطائه تصريحا بالعمل في أميركا إلى حين اتخاذ قرار نهائي في إمكانية إبقائه هنا في أميركا أو ترحيله إلى خارج الولايات المتحدة.

تمضي الفصول والشهور ويبلغ الطفل الصغير في الكويت سنته الخامسة وتنتهي تأشيرته هو أيضا ولم تعد صالحة للاستعمال وتأشيرة الزوجة هناك، ويواجه عبد القادر فيما وراء الأطلسي واقعا مؤلما جديدا في حياته بملامح أزمة عائلية في صحراء الخليج.

لا يستطيع ابنه الحصول على الخدمات الطبية اللازمة لعلاجه لأن إقامته في الكويت غير قانونية ولا يستطيع إلحاقه بالمدارس لأن لا أوراق له، وزوجته لا تستطع الالتحاق به هنا في واشنطن لأن وضعه غير نهائي، إضافة إلى عدم توقيع الكويت للمعاهدة الدولية للاجئين، لذلك فحتى الذين يحاولون إيحاد وسيلة لمساعدته هنا في واشنطن لا يجدون الطريق سهلا إلى ذلك..

في جلسة الشاي التي جمعتني بمحامي عبد القادر في مكتبه بقلب واشنطن لا يخفي جايسون حزنه وهو يتحدث عن الطفل المريض الذي لا يستطيع الحصول على الحق في متابعة طبية لحالته ولا يستطيع الالتحاق بالمدارس إضافة إلى أنه لا يستطيع الالتحاق بعائلته.

يقول لي جايسون "إني أدرك المخاوف التي يطرحها الأميركيون من استقدام المزيد من اللاجئين إلى بلادهم، وهي مخاوف مشروعة من ضياع مزيد من الوظائف على الأميركيين العاطلين عن العمل، وزيادة أعباء تكفل الحكومة بهؤلاء الناس"، لكنه يشدد في المقابل على أن الولايات المتحدة وبإعتبارها القوة الأولى عالميا مطالبة بأن تقدم المزيد من الدعم لهكذا حالات إنسانية معقدة وتحتاج إلى معالجات إنسانية في المقام الأول.

عند هذه النقطة يقف عبد القادر.. هو في كل مكان لكنه بلا مكان.. في مكان ما من العالم ترك من ورائه وطنا وذاكرة وحمل معه قلبا ينبض أملا في غد أفضل وفي تلك الصحراء البعيدة يقيم فلذة كبده الوحيد ويحتاج إلى رعاية وتعليم ودواء... وحتى الحلول التي يجد الطريق إليها باستعجال حاليا كإشراف زوجته على تعليم ابنه في بيت أهلها لا يحقق الغرض الكافي في تطوير مهارات الطفل واللجوء إلى استخدام البطاقات الصحية لأطفال آخرين في عمر ابنه لايحقق الأمان الصحي الدائم لصغيره.

في انتظار أن يأتي فرج ما، في يوم ما، في واشنطن، اختار عبد القادر طريقا أخرى، لكنها أكثر أمانا.. اختار أن يبحث عن وظيفة، وقد وجد الطريق إليها، واختار أن يلتزم بالمطلوب للتعامل مع وضعه القانوني الحالي، واختار أن يعيش على قيمة الأمل في أن يتحقق مسعاه بجمع أفراد عائلته الصغيرة من حوله في واشنطن والسماح لابنه بالالتحاق في أول فرصة ممكنة بالمدارس الحكومية في المدينة وحصوله على العلاج اللازم لحالته الصحية.

أمل معلق على يوم ما ولحظة ستكون فارقة. وفي انتظار ذلك اليوم المؤجل بين موعد وآخر لا يخفي عبد القادر إيمانه بأن الغد سيكون أجمل في حياته لاحقا وأن هناك خيطا من الشمس سيملأ صباحا جديدا من عمره في يوم سيأتي.

عند حديثنا عن الوطن الغارق هناك في التصفيات والتصفيات المضادة يستعيد معي الرجل ذلك المعنى الذي أخد من وقته كثيرا وهو يحاول تصوير الوطن على أنه حقيبة سفر طارئ وعلى عجل لم سمح له حتى بأخد تذكار يمكن للذاكرة أن تحاول الحياة على بقيه عطر المكان ورائحة الإنسان فيه.

ليس الوطن فقط هو الذي يتشكل الآن في حقيبة سفر.. إنها الحياة ذاتها التي تحدث في عبد القادر في صورة حقيبة سفر.

ما أتعس الأوطان وهي تضيق بأحلام أبنائها وتتحول الحياة فيها إلى حقائب سفر.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG