Accessibility links

يافعون هم.. جمعوا ما تيسر لهم من أموال الأهالي.. تبرعت الأم بما تملك من مجوهرات وتنازلت الشقيقة عن مهر عرسها وجهازها ليوم الفرح الكبير وانخرط الأب في الزاوية البعيدة من البيت، في صمت كبير، فيما كانت عينا الشاب اليافع وهو يقف على شرفة البيت تلقي نظرات الوداع في كل المكان.

ثقيلة هي اللحظة تلك في كل شيء وفي كل الإتجاهات، لكن الحلم الذي أقام في القلب عميقا ولردح طويل من الزمن، لا يفارق خياله ويستوعب عليه اللحظة بالكامل.

يحلم باليوم الذي تنتهي فيه ظلمات الانتظار الطويلة من وراء ساعات الليل والنهار والانتظار، في صورة أخرى لما تتكرم به عليه الوالدة الكريمة في كل صباح من بقايا مصروف البيت الذي يتركه الوالد من ورائه وهو ينصرف إلى عمله الذي حمل أعباءه كل العمر على كتفيه وكان كل أمله أن يكبر هذا الصغير ويكون كل السند له في الحياة، وينقل العائلة إلى واقع آخر ويحمل عنه هذه المتاعب التي أثقلت كاهله.

أحلام الوالد فضلت هي أيضا أن تقيم في خانة المستحيل، لأن الولد الذي أنهى دراسته الجامعية لم يفتح طريق الوظيفة أمامه، بل أن البلاد تشهد حالة إنغلاق كامل، لكل الآفاق في وجه الشاب اليافع خاصة وأن عائلتة واحدة من عائلات الهامش، فهي لا تملك الوزن الثقيل الذي يفتح الأبواب أمام ابنها ولا تملك طريقا يوصلها إلى أصحاب القرار.

نام الجميع في تلك الرقعة الضيقة المطلة على شاطيء العاصمة الجزائرية على فجيعة الخيبة، وراحوا ينتظرون معجزة يمكن أن تحدث في يوم ما، لكن زمن المعجزات اختار أن ينحصر في زاوية بعيدة من التاريخ ومرت السنة والأخرى وواقع الإبن لا يتغير، وواقع العائلة من حوله يزداد سوءا والأفق في البلد بكامله يزداد ضيقا.

عندما كان الشاب اليافع يقف على شرفة البيت متأملا خطو موج البحر في غدوه ورواحه .. تملأ أسماع أذنيه في اللحظة تلك القصص التي يسمعها من كل جهة عن شباب آخرين يافعين اختاروا ركوب المجهول والمغامرة في الضفة الأخرى ..

عندما كان الشاب اليافع يقف على شرفة البيت متأملا خطو موج البحر في غدوه ورواحه.. تملأ أسماع أذنيه في اللحظة تلك القصص التي يسمعها من كل جهة عن شباب آخرين يافعين اختاروا ركوب المجهول والمغامرة في الضفة الأخرى.

أخذتهم الأموج طويلا وبعيدا قبل أن تلفظهم في ساعة صباح باكرة على شاطيء إسباني، ومن هناك بدأت رحلتهم في الإتجاه المجهول الآخر .
لكن هذا المجهول على الأقل يملك بعض الأمل في إستشراف زمن أجمل سيأتي ولو من بعد معاناة.

هنا.. لا أمل حتى في التوقع. كسر الانتظار ظهر الشاب اليافع وباتت الكوابيس تملأ عليه ليله وشهقات الإنتظار الطويلة تملأ وقته بين شرفة البيت ورصيف الشارع، وانتظار زوارق الصيادين في عودتها المسائية محملة ببعض السمك.

انخرط اليافع في مسلسل تفكير وأفكار لكن جميع ذلك يقدف به إلى مزيد من الإستغراق في تفكيره من غير أمل في الإهتداء إلى مخرج قريب لأزمته، حتى وقلبه يحدثه عن الحب والتفكير في مشروع فرح لقلبه ولقلبي والديه، لا يجرؤ القلب أن يفكر في مغامرة من هذا الحجم وكأن الزمن يتوقف بالكامل والصورة، هي هذه من حوله.

كان المساء يزحف بخطوه، وكانت عيناه لا تفارق خطو أمه المتنقل بين زاوية وأخرى في البيت يعرف هو قراره ولا تعرف هي نياته، وفي قلبه هاجس من خوف لا يعرف له مصدرا.

كل الذي يشعر به الآن أنه يريد أن ينخرط في صدرها ويأخذ نفسا عميقا يكفيه لمواجهة المجهول الذي اختار ركوبه في ساعة لاحقة من الليل.

في عينيه الحيرة، وفي عينيها سكينة الأم المؤمنة الراضية بقدرها في نفسها وفي كل فرد من عائلتها.

عندما انسدلت خيوط الليل، تسلل اليافع في خطوه الخجول وطبع قبلة على جبين أمه واستأذن والده في الخروج، وهي العادة التي تحدث في كل مساء من حياته منذ أن انقطع عن انشغالاته الدراسية وتفرغ لإسناد ظهره على الجدار كما هي العادة مع كافة الشباب الآخرين من جيله في هذا الحي من العاصمة.

في أسفل العمارة، كانت سيارة في انتظاره وعلى متنها شباب آخرون يتقاسمون معه نفس الأوجاع ومرارة الخيبات في الوطن والإنسان، ويشاركونه مغامرة ركوب البحر في ساعة ليل مظلمة والتي ستقودهم إلى طريق المجهول.

تقطع السيارة بعضا من أطراف العاصمة وتنتهي إلى زاوية قصية من الشاطئ..

يركضون في خطو لاهث إلى زورق تحكم حباله عصابة وظيفتها أن تقبض مالا من هؤلاء الشباب الجائع إلى الحياة وإلى تحقيق الذات وتبيعهم الوهم بالحياة الأفضل في ما وراء البحر. وعندما تبدأ رحلة الزورق في البحر تنتهي مسؤولية العصابة وتبدأ حقيقة مواجهة القدر المجهول في عرض البحر.

إلى هنا عينا أمه تسكنا تفكيره وصلاة والده ودعاءه بالستر لولديه لا يتوقف عن التردد على مسمعه .. لكنه الحلم بالواقع الأفضل يناديه إلى أعماق البحر حتى وهو لا يملك خبرة في العوم وفي التعامل مع الموج الأزرق.

إلى هنا عينا أمه تسكنا تفكيره وصلاة والده ودعاءه بالستر لولديه لا يتوقف عن التردد على مسمعه، لكنه الحلم بالواقع الأفضل يناديه إلى أعماق البحر حتى وهو لا يملك خبرة في العوم وفي التعامل مع الموج الأزرق.

طال المسار والشباب السبعة منكمشون متزاحمون في زورق متروك لقدر الموج الهائج. وبمرور المساء واختفاء ضوء المدينة في الأفق البعيد يغرق المهاجرون غير الشرعيون في خوف يملأ كل كياناتهم لكنهم هنا لايملكون غير حيرة الصمت بل الصمت العميق.

يرتفع الموج عاليا ويرتفع الزورق بارتفاع الموج، وقائد الزورق يقو ل إن الجو المتقلب في هذا الضفة من البحر والموج العاتي يهدد سلامة الجميع، ويهدد حتى عمر الرحلة ويمكن للزورق أن يرمي بهم في مكان مجهول لا يعرفون له مخرجا.

ارتفعت أصواتهم وظهرت في عيونهم معالم الحيرة والخوف من النهاية الموجعة، بارتفاع منسوب المياه في الزورق وبداية توقف محركه عن دفع الطاقة إلى الأمام. وبدا واضحا لإدراكهم أن الرحلة سوف تنتهي هنا.

انقطعوا في تلك اللحظة القلقة لشيء من الصلاة وسؤال الله الرعاية والستر.

ازداد الصمت في المكان.. انخرط بعضهم في بكاء يسمع بالصوت وتعطلت ماكينة الأحلام وبات الحلم في اللحظة تلك في عبور سفينة بالجوار القريب تنقذهم من موت محقق، بات يتربص بهم هنا في عرض البحر.

طالت الساعات وبدأت معالم السكينة تأخد منحى آخر والموج يقذف بالزورق من اتجاه إلى آخر.. قبل هذه اللحظة التي أدرك يقينا أنها ستقوده إلى نهاية حزينة.

في جيبة ورقة وقلم كان يحتاط بها لطارئ. خطر لفكره أن يكتب رسالة اعتذار لأمه ويرميها في قارورة المياه في عرض البحر.

وكذلك فعل.. رمى بالقارورة وبالرسالة في قلبها وقبل أن يفعل كتب على الورقة رقم هاتف بيت العائلة وانصرف إلى مواجهة قدره المحتوم هو صحبة الآخرين، لكنه كان يشعر بقليل من الراحة أنه على الأقل كتب اعتذارا لأمه يراه مخففا لها لفجيعة فقدانه إن تكرم الموج بايصاله يوما إلى بر الأمان واستلمها فاعل خير في مكان ما فعل البحر الهائج بالزورق ما يفعله عادة بأرواح كثير من الشباب اليافعين الذين يركبون مخاطره.

مضت أيام من بعد ذلك والعائلة لا تعرف خبرا عن مصير ابنها. وكثرت المخاوف إلى أن رن الهاتف في مساء شتوي بارد وفي رنته غرابة الإيقاع ترفع الأم السماعة يقول صياد من على طرف البحر الحكاية الكاملة لقارورة المياه ولرسالة الاعتذار.

"سامحيني يا أمي الغالية. لم يكن القصد عندي أن أحزن قلبك الطيب ولا لأفجعك بالفقدان. كنت يا أمي أريد المستقبل الأفضل لي ولك ولكل العائلة .. سامحيني يا أمي أريدك فقط أن تعرفي إني أحبك حبا عظيما .. سامحيني.

سامحيني يا أمي الغالية. لم يكن القصد عندي أن أحزن قلبك الطيب ولا لأفجعك بالفقدان.

كنت يا أمي أريد المستقبل الأفضل لي ولك ولكل العائلة.. سامحيني يا أمي أريدك فقط أن تعرفي إني أحبك حبا عظيما.. سامحيني.

غابت الأم عن وعيها فيما غرقت العاصمة في حزن عميق جدا حدادا على أرواح اليافيعين السبعة، وتساءلت الجزائر من أقصاها إلى أقصاها في مساء دامع، لماذا يحدث هذا في بلد يملك كل مقاومات الحاضر الجميل لأبنائه والمستقبل الأفضل لهم جميعا. ولماذا يضيق على البعض إلى حد الموت غرقا؟

تحزن الأم جدا لأنها لن تقيم وداعا لفقيدها ويحزن الوالد في كبرياء الرجال لكنه يفقد في اللحظة عينها آخر أمل في الحياة، وتنام الشقيقة على خيبة العمر ليتها كانت تعرف أن عائد بيع جهازها سيفقدها شقيقها الأوحد وإلى الأبد لكانت منعته حتى لو اضطرت إلى تقييد أطرافه بالسلاسل. لكنه اختار وقرر وغادر في غير علم ولا معرفة لكل إنسان من حوله.

مات وحيدا على خشبة زورق ومات في عرض بحر.

كم أكل هذا البحر من أرواح الشباب اليافعين من أبناء هذه الأرض الحالمين بالمستقبل الأفضل لهم ولذويهم.

كانت الجزائر حينذاك تجدد في ولاية انتخابية جديدة لرئيسها وكنت أنا من جانبي أحمل هذه القصة وأرويها على مسامع حكامها متمنيا أن أسمع إجابة شافية لحيرتي في فهم معادلة كيف يمكن لشباب أغنى وأكبر دولة في قارة إفريقيا أن يموتوا في عرض البحر؟

سمعت كثيرا من خطاب السياسة، ولم أسمع الإجابات الشافية لأسئلتي القلقة.

حملت حيرتي معي وقصدت الشاطئ الذي يعبر منه الشباب إلى المجهول، وتحدثت إلى بعضهم وهم يراقبون أحلامهم في الفضاء البعيد.

قالوا لي كثيرا جدا من الحكايا ومن البوح ومن الوجع ومن الضيق بكل الذي يحيط بهم، لكنهم أقنعوني، وأنا أسألهم لماذا تصرون على مواجهة الموت في عرض البحار العاتية الأمواج.

قالوا في نبرة حزينة مصحوبة بنفس عميق، إنه اليأس والخوف من الموت دون أن يحققوا شيئا في الحياة وعندما يتراكم اليأس بهذه الصورة الأسطورية في النفس، يتساوى التقدير فيها بين الموت والحياة، حينها سيكون الإيمان بين الشباب أنهم على الأقل حاولوا أن يفعلوا شيئا وإن لم ينجحوا.

تأملت العاصمة من حولي كانت الأنوار فيها ساطعة والفنادق زاهية والأغاني تصدح في كل الأفاق، وأنصار الرئيس الفرحين بإعادة انتخابه تجوب سياراتهم الشوارع مطلقة الأغاني والأفراح ويعيشون الليالي الملاح.

قالت لي خواطري في تلك اللحظة.. متى يشعر هؤلاء بجلال الموت في نفوس غيرهم؟

غادرني النوم وفي أذني يتكرر صدى رسالة اعتذار الشاب اليافع المغدور بأحلامه في عرض البحر على مسامعي.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG