Accessibility links

تحديد سن زواج القاصرات في المغرب.. حل أم مشكلة جديدة؟


صغيرات في طريقهن إلى المدرسة في إحدى مناطق مدينة طنجة

صغيرات في طريقهن إلى المدرسة في إحدى مناطق مدينة طنجة

يشهد المغرب في الآونة الأخيرة جدلا جديدا حول زواج القاصرات، بعدما تحدثت أنباء عن سعي الحكومة التي يقودها إسلاميون، إلى تخفيض السن القانوني للزواج من 18 إلى 16 عاما.

وفيما نفى الحزب الحاكم بشكل قاطع لموقع "الحرة" أن يكون فريقه البرلماني قد تقدم بمشروع قانون يرمي إلى تخفيض السن القانوني للزواج في المملكة، يرى مدافعون عن حقوق المرأة أن في التعديل المقترح انتكاسة لمكتسبات المرأة المغربية.

المقترح وفق "العدالة والتنمية"

تقول البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية الحاكم رقية الرميد إن اتهام حزبها بالسعي إلى تخفيض سن الزواج في المغرب "اتهام باطل"، بل تؤكد أن التعديل القانوني المقترح يمنع القضاة من السماح استثنائيا بزواج القاصرات تحت 16 سنة، وهو ما تتيحه أصلا مدونة الأسرة (قانون الأسرة الساري).
المقترح ينص على منع الزيجات الاستثنائية للقاصرات دون 16 عاما
تضيف الرميد في مقابلة هاتفية مع موقع قناة "الحرة" أن مجلس المستشارين، الغرفة الثانية في البرلمان الغربي، قد صادق على مقترح ينص على حصر سن القاصرات اللواتي يتزوجن بموافقة القاضي بـ16 عاما، ويمنع الموافقة القانونية على هذا النوع من الزيجات الاستثنائية للقاصرات بعمر 12 إلى 16 عاما، وهو ما هو موجود حاليا.

وتؤكد الرميد أن مقترح القانون جاء من مجلس المستشارين إلى مجلس النواب بتلك الصيغة وبموافقة كافة الفرق (الكتل) البرلمانية.

"قرار خطير"

لكن رئيسة فيدرالية الرابطة الديموقراطية لحقوق المرأة فوزية عسولي تقول في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إن وزارة العدل تقدمت بمقترح لتخفيض سن الزواج معتمدة في تبريرها "تقاليد وعادات المجتمع".

وتوضح عسولي أن المقترح طرح في ظروف شهدت ارتباكا في مجلس المستشارين، إذ غاب أغلب أعضاء اللجنة المعنية، وتم تمرير المقترح بأصوات قليلة، حسب قولها.

ووصفت المقترح بأنه "يخرق الدستور المغربي
التعديل خطير ويمس بمكتسبات النساء فضلا عن أنه يخرق الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية
والاتفاقيات الدولية ويشكل تراجعا عن سياسات الحكومات السابقة وخرقا لمدونة الأسرة".

وتنص المادة 20 من مدونة الأسرة على أن "لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن للفتاة أو الفتى بالزواج دون سن الأهلية وهو 18 سنة، وذلك بإصداره لمقرر يعلل فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك".

أما المادة 21 من القانون ذاته فتقول إن "زواج القاصر متوقف على موافقة نائبه الشرعي، الذي يوقع مع القاصر على طلب الإذن بالزواج ويحضر معه إبرام العقد، وفي حال امتناعه أو عدم موافقته على الزواج يبت القاضي في الموضوع".

"لماذا التعديل؟"

تتساءل عسولي عن سبب اقتراح تعديل يحصر اجتهاد القاضي، في حين أن الممارسة القضائية محصورة، مشيرة إلى أن 97 في المئة من الملفات الخاصة بزيجات القاصرات تخص فتيات من 16 عاما وما فوق.

وقالت إن التعديل "عندما يتعلق بوضع سن حد فإن ذلك يعني أن هناك تراجعا عن سن الحد"، وأضافت أن الفصل 19 من المدونة كان واضحا في تحديد سن الزواج الذي يشترط أن يستكمل الفتى أو الفتاة سن 18 عاما.
التعديل عندما يتعلق بوضع سن حد فإن ذلك يعني أن هناك تراجعا عن سن الحد
وتنص المادة 19 من مدونة الأسرة (قانون الأسرة) على أن "أهلية الزواج تكتمل بإتمام الفتى والفتاة بقواهما العقلية 18 سنة شمسية".

وقالت عسولي إن الفصل 19 يتبين من خلال صياغته أن المشرّع حرص على استخدام كلمة "إتمام" التي تدل على أن هذا العمر هو الحد الأدنى وعلى إدراج عبارة "التمتع بالقوى العقلية"، أي أنه يقرر على أن الأصل في سن الزواج هو استكمال الـ18 من العمر وأنه يربط الزواج بالنضج الجسماني والعقلي وبالأهلية الكاملة لاتخاذ القرار بعيدا عن كل إكراه أو ضغط.

زواج القاصرات الاستثنائي.. أصبح قاعدة

وإذا كان زواج القاصرات استثناء يخضع لشروط، فإن الممارسة، وفق عسولي، لا تحترم تلك الشروط. وأردفت قائلة إن فيدرالية الرابطة الديموقراطية لحقوق المرأة تابعت التطبيق ورصدت تزايدا في عدد زواج القاصرات وتقدمت بالعديد من المذكرات من أجل منع الاسثناء لأنه أصبح "قاعدة".
زواج القاصرات ارتفع من 18 ألفا في عام 2004 إلى 39 ألفا في 2011
وبحسب فيدرالية الرابطة الديموقراطية لحقوق المرأة فإن نسبة زواج القاصرات ارتفعت من 18 ألفا في عام 2004 إلى 39 ألفا في 2011. وقالت عسولي إن نسبة هذا النوع من زواج القاصرات في تصاعد منذ سنوات، في حين كانت الحركة النسائية في المغرب تطالب بالحذف النهائي للاستثناء.

وشددت على أن الفتيات المعنيات بزواج القصرات ينحدرن من أسر فقيرة يتم تزويجهن، لكن غالبا ما لا تدوم تلك العلاقة ولا يستمر الزواج أكثر من سنة أو سنتين، ثم يطلقن ويرجعن بأطفال هم أيضا ضحايا، مشيرة إلى أن كثيرا من هؤلاء ينتمون إلى أطفال الشوارع الذين يشكلون ظاهرة أصبحت واقعا في البلاد.

مشكلة عقليات

لكن الناشطة الاجتماعية عائشة الشنا، قالت في اتصال مع موقع "الحرة" إن الجدل التي يتكرر حول زواج القاصرات "إنما هو مشكلة عقليات وليس مشكلة قانون فقط". وأضافت أن "من الخطأ الهروب من مشكلة العقليات وسن قوانين لتغييرها في وقت آخر".

وأوضحت الشنا أنها عندما تتحدث عن مشكلة العقليات، فإنها تقصد المناطق البعيدة عن العالم الحضري، والمناطق النائية في الجبال حيث الفقر منتشر وتنظيم الأسرة غير وارد فتكون نسبة الولادات مرتفعة جدا. وقالت "إن الأب الفقير الذي ينظر إلى ابنته وهي تذهب في رحلة طويلة من أجل جلب الماء أو الحطب إلى المنزل، تدفعه خشيته من أن تتعرض للاغتصاب في طريق الذهاب أو الإياب إلى التفكير في تزويجها وهي ما زالت بكرا"، حسب قولها.

وأردفت قائلة "هنا نقع في مشكلة العقليات، وما دام التفكير يدور حول عذرية البنت هكذا فإننا لم نخرج من دائرة المشاكل الاجتماعية".

"زواج القاصرات قد يكون الحل الأنفع أحيانا"

وأضافت الشنا، وهي مؤسسة ورئيسة جمعية التضامن النسائي التي تقدم الدعم المادي
لا أتفق مع تغيير سن الزواج لكن يجب السماح في حالات استثنائية بزواج القاصرات عبر السماح للقاضي باتخاذ قرارات تتعلق بما هو أفضل للفتاة
والاقتصادي والمعنوي للنساء والقاصرات من ضحايا الاغتصاب، أنها لا توافق على تغيير سن الزواج لكنها تؤيد السماح في حالات استثنائية بزواج القاصرات مثل وجود أم عازبة تتصالح مع أب ابنها ويقرران الزواج. وأعربت عن تأييدها للسماح للقاضي باتخاذ قرارات تتعلق بما هو أفضل للفتاة.

وكشفت الشنا أن جمعيتها تحتضن أمهات عازبات لم يبلغن السن القانونية للزواج، وأنها ترى أحيانا أن مستقبل الطفل سيضيع فتذهب للقاء أسرة الشابة وأسرة والد الطفل، لمحاولة إصلاح الود وربما إقناعهما بالزواج. وتساءلت "ما الأفضل أن يعطيني القاضي إذنا بالزواج وأن يعترف الأب بطفله أم أن نترك الأم" لمصير مجهول.

"تراجع لمكتسبات المرأة"

تصر الناشطة النسوية فوزية عسولي على أن "الجهود لتخفيض سن الزواج منعرج خطير". وتحذر من نتائج التعديل القانوني المقترح على زيجات الفتيات المنحدرات من أسر فقيرة.

تتساءل عسولي "هل الفقر مبرر للانقطاع عن الدراسة وتزويج فتيات يصبحن أمهات ثم مطلقات مع أطفال؟ لتستمر دائرة الفقر والتهميش والعنف". تقول إن "الفتيات ضحايا والأطفال الذين ينتجون عن تلك الزيجات ضحايا أيضا، والاقتصاد المغربي ضحية كذلك".
  • 16x9 Image

    بديعة منصوري

    التحقت بموقع راديو سوا منذ أيامه الأولى في مارس/آذار 2003، حيث عملت على الترجمة وتحرير الأخبار وإجراء المقابلات، وساهمت في تغطية عدد من الأحداث المهمة في الولايات المتحدة، وتكتب في قضايا المرأة.
    تتابع دراسة الإعلام في جامعة جورج ميسون الأميركية.

    يمكن الاتصال بها على البريد الإلكتروني التالي: bmansouri@radiosawa.com

XS
SM
MD
LG