Accessibility links

في واشنطن.. سكتت الحرب وتحدث الورد


أزهار شجر الكرز في واشنطن

أزهار شجر الكرز في واشنطن

قطعت أعمالها وحجزت تذكرتها وسارعت لإدراك رحلتها العابرة للأطلسي من باريس إلى واشنطن، بنديكت سيكال هذه المرأة الباريسية تقف الآن في عز العمر تتلهف كل عام للسفر من عاصمة النور في هذا التوقيت الربيعي المميز جدا في العاصمة الأميركية واشنطن.

بنيدكت ليست الوحيدة التي تصل واشنطن في هذا التوقيت، إنها واحدة من أربعة ملايين، هم أولئك الذين يعبرون واشنطن خلال فترة لا تتعدى الأسبوعين تحتفل خلالها المدينة بمهرجانها السنوي لتفتح أزهار الكرز.

عندما تعبر واشنطن ترى آلاف الأشجار وقد توزعت بإتقان وإحكام في زراعتها من حول بحيرة اصطناعية في المدينة تتوسط النهر وتقيم بين تمثالين لرجلين عظيمين في التاريخ الأميركي.

الرئيس توماس جيفرسون في الجهة الشرقية من البحيرة الإصطناعية وتمثال الداعية الحقوقي والناشط الإنساني مار تن لوثر كينغ الذي بني له هذا التمثال قبل ثلاث سنوات، وهو الآن واحد من أكبر المزارات السياحية في العاصمة واشنطن.

في هذا المكان تلتقي العناصر جميعها المريحة للقلب وللنظر في الإنسان. إنها الماء والخضرة والوجه الحسن. فالماء هو ما يتكرم بها نهر البوتوماك الذي يعبر الولايات الثلاث المجاورة
1700 شجيرة هو ذلك العدد من شجيرات الكرز التي أهداها اليابانيون قبل قرن وعام من اليوم إلى الأميركيين في رسالة محبة وسلام بين الشعبين
للعاصمة ميريلاد ووست فرجينيا وفرجينا، إضافة إلى مقاطعة العاصمة واشنطن. أما الخضرة فهي السمة الغالبة على المشهد. فمصالح الحضيرة تقوم على رعاية الخضرة في المكان على مدار العام تحضيرا للمدينة لهذا المشهد الإستثنائي في أيامها وهو في كل حالاتها الأجمل في كل أوقاتها.

يزيد المشهد بريقا ولمعانا مع مطلع موسم الربيع عندما تزهر شجيرات الكرز في مطلع الموسم وتهدي المدينة منظرا يهز الأبصار ويحرك القلوب. أما الوجه الحسن فهو تلك الصفة التي لا تعيب عن واشنطن دائما حتى في مواسم شتائها التي توصف في العادة بالطويلة جدا.

1700 شجيرة هو ذلك العدد من شجيرات الكرز التي أهداها اليابانيون قبل قرن وعام من اليوم إلى الأميركيين في رسالة محبة وسلام بين الشعبين حتى وإن عرفت علاقاتهما في التاريخ أول تصادم نووي في التاريخ الانساني، لكن ذكريات الحرب توارت الى الوراء ودخلت محطات التجاوز وبقيت شجيرات الكرز هذه في واشنطن تسجل واحدة من ملاحم التعايش الإنساني وإنتصار قيمة المحبة على غيرها من كل القيم باختلافها التي تطبع المزاج الإنساني المتقلب بطبعه.

كبرت الشجيرات وملأت المكان زهوا وجمالا في المدينة وتختار واشنطن منذ خمسين سنة وعامين أن تجعل من موعد تفتح هذه الشجيرات مناسبة لإنطلاق مهرجانها الربيعي في كل عام من خلال مهرجان الفن والرقص واستعراض معالم الجمال في المدينة.

مهرجان يحضره في المعدلات العادية أربعة ملايين زائر من كل جهات أميركا وكثيرون آخرون من جهات مختلفة من العالم ومما يثير الدهشة هو أن أكثر من يحضرون هذا المهرجان هم آلاف السياح القادمين من اليابان، وهو شعب يحرص على مشاركة الأميركيين هذه المناسبة المزدحمة الجمال تعبيرا منه على الإعتزاز بهدية التاريخ بين الشعبين والبلدين.
أربعة ملايين زائر من كل جهات أميركا وكثيرون آخرون من جهات مختلفة من العالم يحضرون المهرجان
وإكراما منها للسائحين القادمين من شرق آسيا، تعمل إدارة المهرجان على توزيع المترجمين في كل زوايا العاصمة لمساعدة الأصدقاء القادمين من طوكيو على فهم مدى تقدير الأميركيين للهدية اليابانية واعتزازهم بها وتأكيد قيمة الورد في حياتهم.

في هذه الأيام المختلفة عن بقية كل أيام السنة في واشنطن، التي تتوسط ولايتي فرجينيا وميريلاند، تتوقف الحياة تقريبا بالكامل في كل جهات المدينة ويقتطع العاملون من إجازاتهم السنوية والاسبوعية وقتا للتجول مع عائلاتهم في المكان وتبرمج المدارس لمختلف المراحل التعليمية جولات حول النهر وأخذ صور تذكارية لأطفالها بين الشجيرات المتفتحة، ويحرص الطلبة الجامعيون الأجانب على الحضور إلى المناسبة ومعايشة لحظة جمالية تاريخية في أكبر عواصم القرار السياسي في العالم.

بيندكت، هذه الفرنسية الخمسينية، جاءت طفلة صغيرة إلى هنا قبل نصف قرن برفقة والديها في رحلة سياحية لواشنطن ومنذ ذلك الزمن البعيد في مسافته والمقيم عميقا في قلبها اختارت أن تحضر إلى المدينة في كل موسم ربيع احتفالا بهذا المهرجان وعشق المكان لم يسكن قلبها وحدها بل إن والدتها أيضا تشاركها هذه المشاعر.

زيارة بعد أخرى لتقرر بعدها الفتاة الباريسية أن تكون واشنطن هي مدينة العمر والتجربة المهنية في حياتها.

تقطع المسافة من فرجينيا الى واشنطن في نهاية كل أسبوع حتى تشهد على بدء الإزهار في هذه الشجيرات وكيفية تعاملها مع الحياة.
الشجيرات التي غيبت ذاكرة الحرب في علاقة أميركا باليابان
ذلك التفاعل العميق والعظيم هو الذي يسكن تفكير اليابانيين وهم ينظرون بإجلال إلى شجرة الكرز حيث يقولون إنها تشبه تماما رحلة العمر في الإنسان.

فالبداية في براعم صغيرة تنتظر طويلا في موسم الشتاء الطويل قبل أن تزهر في مطلع موسم الربيع وتتحول إلى لوحة مدهشة الجمال وتزيدها قطرات المطر النازلة في هذا التوقيت عنفوانا ورطوبة ونعومة في الملمس والمشهد قبل أن تطلق في الفضاء زهوا مختالا يدهش الناظرين إليه في بياضه الذي يشبه صفاء الملائكة ويمد العين بالكثير من السحر.

ذلك الإدهاش والسحر لا يملك من القدرة على البقاء على قيد الحياة أكثر من أسبوعين في أقصى التقديرات وهو الموعد الذي يحتم على كل الراغبين في معايشة هذا المعنى في الحياة ألا يفوتوهم.

هذه الطقوس والمراحل التي تطبع حركة الحياة في الشجيرات من التبرعم إلى التورد إلى الإزهار إلى التفتح الى التلاشي والموت في مدة أسبوعين يجد فيه اليابانيون أكبر الشبه في مراحل عمر الإنسان، بل إن الثقافة الشعبية عندهم تقول إن مراحل عمر التفتح في شجيرات الكرز هي أجمل التعبير عن حياة الإنسان بكل تحولاتها وبكل إدهاشها.

لذلك ليس غريبا أن تجد على طرف النهر في أيام المهرجان، ذلك الشاب الوسيم العازف على آلة الكمان للزائرين للمهرجان. إنه" آنيو " الذي ولد من أبوين يابانيين جاءا إلى واشنطن قبل خمسين عاما وعاشا تجربة الحياة الأميركية واختارا أن تكون هذه المدينة على الساحل الشرقي مدينة العمر بالنسبة إليهما ووليدهما فيما بعد.

"آنيو" يعزف الموسيقي لشجرات أهداها أجداده، تزهر في كل موسم ربيع ولإسماع أنغامه الزائرين القادمين إلى مهرجانها.

يقول وهو يمارس عشق عبقرية العزف المقيمة في جزئيات أصابعه مظهرا في مقاطع يعزفها لأنغام من كل جهات العالم. من أميركا عبورا بأروبا وصولا إلى الوطن الأم الذي صنعت ثقافة العناية بالورد عنده أجمل أيام السنة في واشنطن.

يعزف "آنيو" بلا توقف وفي حالة تماه مطلقة مع اللحظة والنغمة الموسيقية التي يختارها للمتوقفين عنده ويترك لهم خيار أن يتكرموا ببعض الدولارات في محفظة كمانه الذي لا يفارقه.

على بعد خطوة واحدة من "آنيو" يجلس "جاستان باور" وهو فنان تشكيلي من مواليد واشنطن له هو أيضا حكايته اللافتة مع المهرجان.

كان طفلا وكانت أمه حينها تحرص على اصطحابه في مطلع كل موسم ربيع إلى هنا.. كبر
حياة الشجيرات من التبرعم إلى التورد إلى الإزهار إلى التفتح إلى التلاشي والموت في مدة أسبوعين يجد فيها اليابانيون أكبر الشبه في مراحل عمر الإنسان
وفي ذاكرة العائلة صور له في كل مراحل العمر بصحبة والدته على طرف النهر..
كبر ذلك الطفل وكبر ذلك العشق في داخلة واختار الرسم مهنة في الحياة واختار لمهنته أن يقتطع لها زمنا خاصا في كل مطلع ربيع ليأتي إلى هنا في ساعات الصباح الأولى ويرسم اللحظة والمكان كما هو في لوحات يجسدها بريشته في اللحظة ويبيعها ممهورة بتوقيعه للسياح الراغبين في أخد هذه الذاكرة الحية من العاصمة الأميركية.

ولأن المهرجان بات يشكل هذه الحيز من ذاكرة المدينة ومن معاني الجمال في حياتها، اختار في موسم الربيع الحالي "مايك" الأميركي الأبيض أن يتقدم لطلب يد صديقته "ليز " على طرف النهر وبين أغصان أشجار الكرز وفضل أصدقاءهما المختلطي الأعراق أن يصوروا اللحظة بكل تفاصيلها على كاميرات هواتفهم النقالة التي سجلت لحظة إنسانية تؤشر لبدء حياة عائلة أميركية جديدة بين عرقين، تناقضا كثيرا في مراحل التاريخ وتصالحا بشكل نهائي في لحظة تاريخ أعادت رسم وجه أميركا الجميل في كل التاريخ..

تماما كما فعلت هذه الشجيرات التي غيبت ذاكرة الحرب في علاقة أميركا باليابان ولم تبق من تلك الذاكرة سوى هذه المساحات الهائلة في جغرافية المدينة والعظيمة الحضور في ذاكرة الساكنين فيها أو العابرين لها.. إنها المعني الحقيقي لنهاية كل صوت للحرب وانتصار ديبلوماسية الورد في علاقات شعبين وذاكرة بلدين.

وهذا تقرير فيديو عن مهرجان الكرز في واشنطن:
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG