Accessibility links

logo-print

المعارضة السورية الإلكترونية: اختفت.. تراجعت.. أم تتغير؟


مقاتل سوري معارض يعزف على القيثارة

مقاتل سوري معارض يعزف على القيثارة

لم يدر في خلد غسان ياسين أن تـُحوّله الأزمة السورية من مواطن ينتمي للطبقة الميسورة في مدينة حلب إلى لاجئ بتركيا بعد أن قصف بيته، ومقر شركته، وقتل أربعة من إخوته.

ولم يدر بخلده أن تحوله أحداث بلده من مقاول يشغله إنجاح عمله إلى ناشط رقمي ينقل على صفحته الفيسبوكية مواقفه السياسية، مناضلا ومناصرا الداعين لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

وبعد ثلاث سنوات على اندلاع الاحتجاجات، لا يزال غسان مؤمنا بأهمية المعارضة الإلكترونية في حين يكفر آخرون بـ"معجزة" التواصل الإلكتروني، ويؤمنون بضعفه في ظل دموية الحراك في سورية.
غسان ياسين

غسان ياسين

فهل أضعفت ضبابية الصراع في سورية المعارضة إلكترونيا؟ أم أن الاحتجاجات تغير جلدها بتغير الأحداث على أرض الواقع؟

حرب وإعلام وتنسيق

يتحكم النظام في سورية بوسائل الإعلام التقليدية، وهي نفس الممارسة التي اعتمدها مع ظهور الإنترنت وازدهار شبكات التواصل الاجتماعي بشكل خاص، ما جعل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تصنف سورية في تقريرها "الإنترنت خصم عنيد" كواحدة من أكثر الدول العربية حجبا للمواقع الإلكترونية، وقمعا واعتقالا للنشطاء الرقميين.

لكن مع بداية الحراك، تحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة واسعة تستوعب النشطاء السوريين وعموم المعارضين باختلاف أفكارهم وانتماءاتهم، للتعبير عن آرائهم بحرية وللتواصل والتنسيق فيما بينهم مشكلين بذلك جبهة معارضة إلكترونيا.

إضافة إلى الإعلام والتنسيق، يتحدث بهاء نصر من "معهد صحافة الحرب والسلام" عن نشاط إلكتروني آخر هو "الحرب الإلكترونية" التي يخوضها المعارضون السوريون دفاعا وهجوما.

بهاء نصر

بهاء نصر

ويقول نصر في حديث لموقع "راديو سوا"، إن الشق الهجومي يتخذ تشكيلات شبيهة بتلك التي يوظفها "الجيش الإلكتروني السوري" الموالي للنظام والمعروف بهجماته على مواقع إلكترونية وحسابات تواصل اجتماعي لوسائل إعلام دولية.




يضيف نصر أن اختصاصيين في الأمن الرقمي يكرسون جهودهم لصد هجمات الجيش السوري الإلكتروني ضد النشطاء الرقميين، أو لضمان الحماية لهؤلاء النشطاء خلال "نضالهم" أو بعد اعتقالهم.


تراجع على جبهة الإعلام الرقمي

على جبهة الإعلام الرقمي، تدور حرب كر وفر، تضطر معها مجموعات فيسبوك وهاشتاغات تويتر والمدونات التي تصنف معارضة للنظام السوري إلى الاختفاء تارة، والعودة بالشكل ذاته أو بشكل آخر تارة أخرى.

ومع ذلك، يعتقد المدون الكردي السوري دلير يوسف، والناشط الرقمي غسان ياسين أن المعارضة السورية الإلكترونية لم تختف ولم تتراجع وإنما لا تزال موجودة بشكل أو بآخر.

يوسف دلير

يوسف دلير

يعدد يوسف في حديث لموقع "راديو سوا" العوامل التي أثرت على عمل النشطاء الرقميين السوريين. يتحدث عن تسارع الأحداث وتدويل الأزمة السورية، وانطلاق شرارة الأزمة الأوكرانية التي أثرت على الاهتمام الدولي بالأزمة السورية. ويقول إنها تغيرات مست بشكل مباشر عمل النشطاء الرقميين القائم على ربط الداخل بالخارج، وإيصال صوت المواطن السوري.


يقول غسان ياسين، من جانبه،
إن استعمال الإعلام الرقمي لم يتراجع، ولا يزال وسيلة مهمة في نقل ما يجري داخل سورية للعالم لكنه لا يزال عاجزا عن تطوير ذاته.
إن استعمال الإعلام الرقمي لم يتراجع، ولا يزال وسيلة مهمة في نقل ما يجري داخل سورية للعالم لكنه لا يزال عاجزا عن تطوير ذاته.

ويرجع ياسين هذا العجز إلى ما اعتبره ضعفا للإمكانات، وقلة للموارد إضافة لاستمرار العنف في سورية، وهو ما يعرقل تحويل المعارضة الإلكترونية إلى معارضة مؤثرة في حل الأزمة السورية، حسب قوله.

الإنترنت ساحة المهمشين

لكن مروان معلوف مؤسس منظمة مينابوليس، ومحامي متخصص في حقوق الإنسان، يرى أن المعارضة الإلكترونية السورية لا تزال متواجدة، لكن تواجدها هذا عرف تراجعا بالمقارنة مع بداياتها الأولى. مروان معلوف

مروان معلوف



يقول معلوف في حديث لموقع "راديو سوا" إن بعض الناشطين السوريين يعتمدون على التواصل الإلكتروني لأنه تم تهميشهم من قبل النظام أو حتى من قبل المعارضة السياسية نفسها لذلك لا يزال الانترنت وشبكاته وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن مواقفهم.

ويضيف "لكن الحقيقة أنه لا يوجد تنظيم إلكتروني منظم وممنهج بشكل جيد".

ويربط معلوف هذا التراجع بتطور الأحداث على الأرض، إذ يقول "الوضع وصل لمرحلة بات فيها التأثير الإلكتروني ضئيلا جدا، فماذا يفعل الإنترنت في ظل تزايد أعداد اللاجئين، وتواتر انقطاع الكهرباء، وضعف خدمة الإنترنت ذاته؟".

أزمة خطاب
يقسم الباحث "ديريك أوكالاهان" في دراسة عن"الإعلام الاجتماعي في الصراع السوري" نشطاء المعارضة السورية على موقعي يوتيوب وتويتر إلى أربع مجموعات: جهادية، كردية، علمانية، وموالية للنظام.


هذا التقسيم اعتمد على تحليل لـ600 حساب إلكتروني، كما يقول هذا الباحث في تقرير نشره في عدد شباط/فبراير 2014 من مجلة "ميت تكنولوجي ريفيو".

يلفت أوكالاهان النظر إلى خدمة مبتكرة يقدمها أحد الحسابات التي تدعم الجيش السوري الحر. ينشر هذا الحساب الذي يتابعه 73 ألفا صورا لجثث مجهولة الهوية ليتمكن الناس من المساعدة على التعرف عليها.

على العكس من ذلك، تحمل واحدة من المجموعات الجهادية محتوى مختلفا تماما، يشمل التغريد بصور الأسلحة والهجمات ولقطات مقربة لمقاتلين وانتحاريين ومسلحين يحملون رؤوسا بشرية مقطوعة، كما جاء في تقرير أوكالاهان.

وبالنسبة للمجموعات العلمانية، فتكتب نسبة كبيرة من تغريداتها باللغة الإنكليزية، ما يعكس حقيقة أن كثيرا من هذه الحسابات يتم تشغيلها من قبل السوريين المقيمين في الدول الأخرى، كما أن المستخدمين من الإناث أكثر وضوحا في هذه التجمعات.

ويخلص أوكالاهان إلى أن التواجد السوري إلكترونيا معقد بتعقد الوضع على الأراضي السورية، وهو الموقف الذي يتفق معه مروان معلوف إذ يرى أن سورية تعيش أزمة خطاب وليست أزمة وسيلة.

يقول معلوف" الأزمة في سورية أزمة خطاب... غياب خطاب سلمي على الأرض، وغياب رسالة واضحة، وجدية في العالم الافتراضي... في سورية لا وجود لقوة حقيقية تقوم بدور الريادة ضد النظام، وباقي القوى المتكاثفة بشكل أو بآخر ضد أي خطاب سلمي".


لا تأثير في ظل البندقية

ويؤكد معلوف أن التواصل الإلكتروني ساهم في إيصال الخبر والصورة بطريقة سريعة، وأن النشطاء أطلقوا العديد من الحملات الإلكترونية ذات الطابع السلمي، لكنه يرى أن المعارضة الإلكترونية في ظل العمل العسكري لن يكون لها أي تأثير يذكر.

ويختم معلوف حديثه لموقع "راديو سوا" بالقول "لا يهم أية وسيلة نستخدم، لا يهم إن كانت الوسيلة التلغراف أو فيسبوك، المهم هو أي رسالة تحملها هذه الوسيلة".

مروان معلوف في حديثه ل"راديو سوا":

إلى ذاك الحين، يستمر غسان ياسين في البحث عن أقرب مقهى إنترنت في منطقة تقسيم بالعاصمة التركية إسطنبول. يلج مباشرة صفحته على فيسبوك، ينشر واحدا من مواقفه التي لا تنتهي ما دام الصراع السوري قائما، يتابعه ما يفوق 10 آلاف متابع، يتفاعلون مع ما يدوّن، قد يعترضون، يوافقون، يختلفون أو يتوافقون، يتجاوب معهم غسان مهما اختلف موقفه عن المتفاعلين، فهو يؤمن أن الإنترنت لا يزال ذاك المتنفس الوحيد الذي يتنشق السوريون على شبكاته الحرية في انتظار ملامستها على أرض الواقع.
XS
SM
MD
LG