Accessibility links

في أميركا.. الحب ينتصر على الأعاصير


صورة الصحفي رابح فيلالي في نيوجيرسي

صورة الصحفي رابح فيلالي في نيوجيرسي

في ذلك الصباح الشتوي الشديد البرودة، كنت وفريق التصوير نغادر واشنطن في اتجاه نيوجرسي.

البرد يلف المدينة والصمت كبير في كل أرجائها وسيارتنا تخلف من ورائها مدينة تحاول التعافي سريعا من مخلفات واحد من أسوأ الأعاصير التي ضربت مدن الساحل الشرقي الأميركي.

عبر المسافة الطويلة، يبدو واضحا للنظر أنه كلما اقتربنا من المناطق المتضررة من قوة الإعصار كلما ازداد حجم الخراب الذي خلفته "ساندي" في المدن الساحلية.

البحر الذي هو علامة الحياة والفرح والمتعة في هذا الجزء من الساحل تحول إلى علامة خر اب كامل عبر المدن في الساعات التي سبقت.
لم يكن في المدينة سوى ذلك الغبار الذي ترمي به العواصف الرملية
عند مدخل "أتلانتيك سيتي"، لم يكن في المدينة سوى ذلك الغبار الذي ترمي به العواصف الرملية في كل اتجاه وعلامات الحياة تتراجع إلى حد الاختفاء في شوارع المدينة. لم تكن هناك سيارات تملأ الطرقات، الأمر الذي حرك بداخلنا خوف السؤال عن اختيارنا للمكان الصحيح في مثل هذه الظروف.

كان من حسن التدبير الذي نصحنا به عند محلات المدن المجاورة ونحن نتوقف لأخذ احتياطاتنا بتعبئة خزان السيارات بما يلزم ويكفي من بنزين، أن نأخد ما يكفينا من غداء وماء احتياطا للظروف التي قد نواجهها في المدينة التي يبدو وكأنها عزلت عن بقية البلاد وبقية العالم من وراء ذلك.

البيوت خاوية تماما. قطعنا أشواطا هائلة داخل المدينة والمشهد يزداد فراغا ووحشة كلما اقتربنا أكثر من الشاطيء البحري الذي يشكل زهوة المدينة ومقصد آلاف السياح لأرجائها في كل موسم صيف من كل عام تماما كما هو الإقبال الكبير على كازينوهات المدينة في كل مواسم العام للباحثين عن المتعة.

يصمت كل شيء من حولنا بالكاد بعد ساعة وأخرى ونحن نجتهد في الوصول إلى بعض العابرين للمكان. بدأت ملامح حركة خجولة تلوح في أطراف المدينة. إنهم بعض السكان يعودون لتفقد بيوتهم أو بعض أصحاب المحلات التجار ية الذين أصابتهم صدمة العمر وهم يرون مصدر أرزاقهم تتحول إلى برك عائمة من الماء في كل زاويا محلاتهم .
لم تترك تلك العاصفة التي اختير لها من الأسماء "ساندي" أثرا للحياة


لم تخل كلمات بعض السكان العائدين من مداعبتنا بكلمات لطيفة وهم يقولون لنا أنتم من أعطانا شجاعة العودة إلى البيوت بقدومكم المبكر إلى المدينة في ساعات التعافي الأولى من صدمة الإعصار .

لم تترك تلك العاصفة التي اختير لها من الأسماء "ساندي" أثرا للحياة. حيثما ما عبرت تحولت البيوت إلى أطلال مهجورة ومحلات الخدمات على طرف الشاطئ الطويل حولتها الأمواج المتدفقة إلى قطع من الخشب تنتشر في كل مكان ومعالم الحياة اختفت في كل ما جاور البحر بالكامل أو تكاد.

يقول لي سكان هنا وهم يرقبون بحزن كبير الذي أصاب بيوتا كانت عامرة بالمحبة والفرح في قلوبهم وهي تسكن ذاكرتهم القريبة إن هذه الأماكن شكلت دوما مصدرا لفرحهم الخرافي بالحياة في كل موسم ربيع وصيف.

أسئلة الحياة لم تكن لتتوقف على لسان كل شخص أصادفه في الطريق.

في أثناء ذلك، عادت بعض المعالم للحياة في المدينة وبدأت محاولات للتعافي من صدمة الإعصار وظهرت صور رائعة لقيمة التكافل ولقيمة أخرى بين السكان، إنه التعاون لاستعادة الوجه الجميل للمدينة بأسرع وقت ممكن وتلك غاية يتشارك فيها الجميع .

كثيرون كانوا هنا وكثيرون جا ؤوا من مسافات بعيدة لتقديم المساعدة اللازمة للأقارب والأصدقاء في هذه المحنة العابرة، وآخرون جاؤوا من مدن قريبة لمد يد العون للسكان المجاورين للبحر الذين انقلب على صداقتهم وغير من طبيعة العلاقة الحميمة التي تجمعه بهؤلاء السكان عندما حوّل حياتهم إلى مسلسل رعب طويل في تلك الليالي الطويلة ساعة عبور الإعصار.

ثمانيني لا تفارقه الابتسامة ولا يغيب عن عينيه ذلك الشغف الخرافي بالحياة وبهمة عالية لا تخطئها العين، يعمل أندريه على إزالة كل الشوائب التي علقت ببيته.

لم يعد هناك ما يليق بالاستعمال في بيته الأرضي الذي يقع مباشرة على جادة الطريق الموازي للبحر في "أتلانتيك سيتي".

قال لي الرجل إنه سيقضي المساء هنا في تنظيف البيت بالكامل وسيستعين ببعض الأقارب الذين سيصلون لاحقا لمساعدته على إخراج الزورق الذي دفعت به أمواج البحر الغاضبة التي غطت المدينة بالكامل إلى صدر غرفة نومه.

المشهد من حول الرجل كان يمثل قمة الدراما في أكبر تجلياتها، لكن الرجل لم يكن ليتوقف عن إبداع النكتة رغم جلالة الموقف ورغم صعوبة تعامله مع الواقع القائم بين يديه.

لم يعد له أكل في البيت و حتى الكهرباء لا يبدو أنها ستنير عتمة المكان قريبا ولا مكان له للنوم في البيت وسيضطر في ساعة لاحقة للالتحاق بيبت بعض الأقارب في المدينة المجاورة والتي هي ولحسن حظه وحظهم لاتزال فيها بقية معالم حياة.

في هدوء، أسأل أندريه إن كان هذا الوضع ممكن التجاوز قريبا.

لم تختلف إجابته عن إجابات كثيرين سمعتها في أطراف المدينة المختلفة على أنهم يطلبون مني بعض الوقت ويترجوني العودة إلى هنا بعد حين لأرى كيف تستعيد المدينة كامل عافيتها و كيف يستطيع سكانها جعلها أكثر جمالا مما كانت عليه في كل الأيام الخوالي.

في بريق عينيه يحضر التحدي. استمر حديثنا والبرد يعود ويلف المكان حتى وإن تراجعت مشاعر الخوف على المدينة وسكانها في هذه الساعات لأن الإعصار عبر ولم تبق منه سوى شواهد العبور التي تشكل المدينة في صورة جديدة ومختلفة عن كل العادة فيها.
طالما أن هذه المرأة الجميلة لا تزال بجانبي فأنا لا أعرف كيف أحزن لما خسرت من حولي


أسأل أندريه وسط عاصفة البرد إن كان يحزن لفقدان بيته وأثاثه وكل شيء كان يتواجد دا خل البيت وهو البيت الذي شهد مراحل حياته المختلفة وأكثر من ذلك، إنه البيت الذي يختزن ذاكرة أبنائه وأحفاده.

يبتسم الرجل في هدوء ونعومة و يقول وهو يمد يده إلى زوجته التي كانت تحمل ما طالت يداها في المكان من أخشاب وقطع أثاث متلف وينظر في عينيها عميقا، ليقول "طالما أن هذه المرأة الجميلة لا تزال بجانبي فأنا لا أعرف كيف أحزن لما خسرت من حولي.. يكفي الإعصار كرما أنه أبقاني لها وأبقاها لي ونحن لانزال هنا معا"!

تبتسم المرأة وتشد على يديه وأدرك في تلك اللحظة أن الأعاصير التي تعرف كيف تفرغ المدن من سكانها لايمكن لها أن تجد الطريق إلى إفراغ الأرواح من قوة ويقين أصحابها، خاصة تلك الأرواح التي اختارت لنفسها أن تكون عامرة بالحب للآخر والمحبة للإنسان والشغف بالحياة في أجمل تجلياتها.

عندما كان أندريه يقول هذه الكلمات، كان التحدي في المدينة هو إفراغ البيوت من عشرات الزوارق التي تمردت على مرابطها واندفعت إلى البيوت واختارت منها ما يناسبها من المواقع.

مضى عام وآخر على ذلك الإعصار الذي عبر "أتلانتيك سيتي" ولازلت لا أجد فرصة لرؤية المدينة كما هي دوما ساحرة وبراقة وجميلة، كما لم أجد الفرصة لتفقد أندريه في بيته وسؤاله عماذا بقي في ذاكرته من ليالي الإعصار وكم من الحب ما يزال يسكن قلبه لامرأة يؤمن دوما أن حبه لها أكبر من كل الأعاصير.. لأنه في عينيه هو الحياة والحياة دائما أكبر من كل أعاصير الكون وإن اجتمعت.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG