Accessibility links

logo-print
1 عاجل
  • القوات الليبية تستعيد سرت من قبضة داعش

كتاب وقهوة على الرصيف.. حلم ملأ واشنطن بأقفاص الكتب


الطبيب فيليب صاحب فكرة إنشاء مكتبة عامة

الطبيب فيليب صاحب فكرة إنشاء مكتبة عامة

تعصف الريح في كل زوايا المدينة ويتوارى سكانها عن الظهور في الأماكن العامة وينشغل آخرون بإيقاد المدافئ وتزيين بيوتهم انتظارا لعيد الميلاد القادم بعد أيام.

هذا هو المشهد في المكان وطبيب الأسنان فيليب يلف جسده بالكامل عند مدخل بيته ويغطي رأسه بقبعته الصوفية ويغادر في اتجاه تحقيق المزيد من الانتشار لحلمه الشخصي الذي تحول إلى مشروع في المدينة.

فيليب الطبيب لم ينس يوما أن عليه واجبات أخلاقية وإنسانية وأخرى اجتماعية عليه أداؤها تجاه مجتمعه وتجاه البلد الذي أعطاه أفصل فرص التعليم في حياته ومن ثمة قاده إلى تحقيق أفضل فرص الحياة ووجد في فكرة إقامة مكتبة عمومية على الرصيف وفي حدائق المدينة مشروعا يستهويه بالكامل ويحقق رغبته في وضع لمسة من لمسات الجمال في حياة سكان واشنطن.

يؤمن هذا الطبيب أن فكرة الاسترخاء بعد يوم عمل طويل ومن زحمة المدينة ومطالب الحياة المتتالية تحتاج دوما إلى ركن هادئ يحقق الراحة للراغبين فيها ويعتقد أيضا أن الجلوس إلى كتاب ومشاركة الجيران في شرب فنجان قهوة فكرة لها إيجابياتها الكبيرة والكثيرة على العلاقات الإنسانية بين سكان المدينة.

هذا الرجل يؤمن كذلك أن نقاشا عابرا على قارعة رصيف الحي السكني أو في الحديقة العمومية من حول كتاب يتشارك الجيران في قراءته سلوك حضاري يقوي الروابط بين الجميع ويجعل من الروابط الإنسانية أكثر عمقا وقوة بين سكان الحي الواحد عوضا عن جعل الروابط العابرة في حياة الناس حالة عبور دائم بلا محطات توقف.

هذا هو التصور الذي أمن به فيليب الذي اطلق فكرة بسيطة قرب بيته تحولت بمرور الأيام إلى ظاهرة تملأ أطراف واشنطن.

ولأن الفكرة لقيت الترحيب الواسع بين السكان وجد فيليب نفسه محاطا بعدد هائل من المتطوعات والمتطوعين لمساندة فكرته، ووجد كثيرا من المتبرعين بالكتب من بيوتهم لوضعها في مكتبة الرصيف، ووجد أن حلمه يعني للكثيرين حوله، وكان له هو شرف المبادرة إليه والدعوة إلى تحقيقه.
الأفكار العظيمة تبدأ دائما غريبة ومعزولة وصغيرة لكن ما أن تخرج إلى الناس حتى تتحول إلى قضايا تعني لكثير من الناس بل إن هناك من يتبناها ويبدي حماسة أكبر لتحقيقها أكثر من أصحابها الأصليين، وهذا الذي حدث مع فيليب.
الأفكار العظيمة تبدأ دائما غريبة ومعزولة وصغيرة لكن ما أن تخرج إلى الناس حتى تتحول إلى قضايا تعني لكثير من الناس بل إن هناك من يتبناها ويبدي حماسة أكبر لتحقيقها أكثر من أصحابها الأصليين، وهذا الذي حدث مع فيليب.

بادرت متطوعات الى اقتراح فكرة زادت المشروع بريقا وجمالا في أعين الناظرين اليه من السكان من نوافذهم وبعيون أطفالهم.

يقول الاقتراح النسائي الجميل إن المكتبة المفتوحة للجميع يجب أن تتخذ شكل أقفاص عصافير تعلق على شجيرات الأرصفة أو على أوتاد تخصص لهذا الغرض، ليتبع ذلك نقاش مفتوح بين السكان لأجل وضع القانون الداخلي لاستعمال المكتبات الصغيرة.

وحصل الإجماع على أن يعوض كل كتاب يؤخذ من المكتبة بكتاب من بيت المستعير، ويقول سكان واشنطن عن هذا النظام الذي استحدثوه إنه يضمن تبادل الكتب بين الجيران ويحقق الفائدة بينهم ويغنيهم عن شراء كثير من الكتب لأن المنفعة تكون متبادلة بين الجميع، كما أن العمل بهذه الطريقة في المكتبة يخلق أجواء من النقاش بين الجيران من خلال جلسات نهاية الأسبوع التي تحدث عادة كل يوم سبت مساء عندما يخرج الجيران إلى حديقتهم وكل يصطحب معه فنجان قهوته ويفتح الحوار بين الجميع عن محتويات ومضامين الكتب التي قرأوها فيما مضى من الأسبوع.

أكثر من هذا التلاقي يسعى المبادرون لمشروع "الكتاب على الرصيف" إلى خلق علاقات إنسانية اكثر عمقا بين السكان عوض أن يقضي بعضهم أو أغلبهم بعضا من أوقات فراغهم منعزلين من وراء أجهزة كومبيوتر في بيوتهم أو في مقاهي المدينة.

هناك دفء هائل يمكن استحداثه في علاقاتنا الإنسانية من خلال لقاء من حول كتاب نبحث فيه أفكارنا ونكتشف فيه كثيرا للمعرفة والإطلاع عليه من خلال أفكار الآخرين.
هناك دفء هائل يمكن استحداثه في علاقاتنا الإنسانية من خلال لقاء من حول كتاب نبحث فيه أفكارنا ونكتشف فيه كثيرا للمعرفة والاطلاع عليه من خلال أفكار الآخرين
هكذا تقول اليزابيت السيدة الخمسينية التي وضعت إلى جانب فيليب والآخرين المشروع على سكة التحقق وتحولت المكتبة الوحيدة في أحد أحياء الضاحية الشمالية الغربية من المدينة إلى 40 مكتبة تنتشر في كافة أرجاء العاصمة الأميركية على أمل أن ينتقل المشروع إلى الولايات المجاورة للعاصمة على الساحل الشرقي الأميركي.

غيرت فكرة "الكتاب على الرصيف" من وجه المدينة وغيرت الكثير في علاقات الجيران في الحي السكني الوحيد وصنعت الكثير من الأحداث والنشاطات وقادرت إلى الكثير من الأفكار والمناسبات الاجتماعية إضافة إلى ذلك أضافت الكثير من الجمال إلى حياة سكان العاصمة.

يقول لي بعضهم إنهم ومن خلال المشروع استعادوا تلك العلاقة الحميمة بالكتاب.

ذلك الكتاب الذي غيبته التكنولوجيا عن الحياة العامة كثيرا في ظل انتشار وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة وإعلام المواقع الإلكترونية والانتشار الهائل للكتاب الإلكتروني في حياة الأميركيين والمجتمعات الحديثة بصفة عامة.

اكتشف فيليب ومشاركوه في المشروع أنهم بصدد مواجهة مفتوحة على حقائق عديدة في توقيت واحد بالدعوة إلى فكرة توفير مكان لشرب فنجان قهوة وقراءة كتاب على الرصيف بشراكة مع أحد الجيران.

في المدن الكبيرة عادة ما تطبع الحياة الصبغة الفردية وتغيب الكثير من معالم التواصل المفتوح بين الناس حتى وهم يتشاركون الحياة في مساحات واحدة. وزادت التكنولوجيا المتوفرة على نطاق واسع في إشاعة مزيد من الفردية في حياة الناس ومزيد من نظام الحياة داخل مربعات التواصل الافتراضي في حياتهم، لذلك جاءت هذه الفكرة لتعيد ترميم العلاقة التي غيرت معالمها الإنترنت وصنعت للحياة وجها مختلفا للمدينة.

يحدثني سكان من المدينة عن جمال ذلك المشهد الذي يحدث في نهاية الأسبوع عندما تحضر الأمهات إلى المكان مصحوبات بصغارهن في عربات الرضع وبأطفال آخرين ويحدث ذلك الاجتماع في الحديقة من حول كتب بعضها للبالغين وبعضها الآخر للصغار.

يشعر فيليب أمام المشهد هذا وهو يتكرر في نهاية كل أسبوع وفي نهاية كل يوم في مساءات موسمي الربيع والصيف بالكثير من الفخر وفكرته تحقق هذا القبول بين جيرانه القريبين والبعيدين في العاصمة واشنطن ويشعر أيضا كم ضاع منه من الزمن هو يفكر في إطلاق المبادرة ومدى إمكانية نجاحها بين السكان أو فشلها.

في ربوع واشنطن يحدث حاليا ذلك المشهد.. في 40 زاوية من المدينة حتى الآن أقفاص عصافير تزين الأرصفة لكنها مكتبات مفتوحة لجميع الناس ومجانا وبشروط استخدام ميسرة وهي متاحة للجميع وفي كل الأوقات.

هذا المشهد ما كان ليكون لولا تلك الفكرة التي سكنت تفكير رجل واحد لكنها وبإلقائها إلى الناس تحولت إلى مشروع يعمل على تحقيقه كثيرون من سكان المدينة ليصبح في مرحلة لاحقة معلما من معالم الحياة في العاصمة الفيدرالية.

معلم مشكل من عناصر ثلاثة: كتاب وقهوة وكتاب، على أحد أرصفة العاصمة واشنطن.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG