Accessibility links

logo-print

بعد انتخاب بوتفليقة.. انفراج أم مواجهة شاملة في #الجزائر؟


عبد العزيز بوتفليقة

عبد العزيز بوتفليقة



تختلف الرؤى حول التركيبة القادمة للمشهد السياسي في الجزائر على خلفية نتائج انتخابات الرئاسة التي فاز فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وسط مقاطعة بلغت نصف عدد الناخبين، وهي النتائج التي يرفض قسم كبير من المعارضة التعاطي معها لأسباب مختلفة.

وقد بدأت تلوح في الأفق مبادرات يصفها أصحابها بالجادة من أجل تغيير النظام من خلال الضغط المتواصل لكشف تناقضاته وعدم قدرته على تسيير البلاد، في حين يرى أنصار الرئيس المنتخب أن الولاية الرابعة ستكون فترة إصلاحات سياسية حقيقية ستشرف عليها السلطة بالتوافق مع جميع أطياف المعارضة.

وتتمثل أولى بوادر الصدام المحتمل بين الطرفين في كون عدد من الأحزاب السياسية الفاعلة رفضت عرض السلطة المتمثل في إشراكها في الحكومة من خلال منحها حقائب وزارية.

وتوالت ردود الأفعال الرافضة للمشاركة في الحكومة من حركة مجتمع السلم (إسلامية) وجبهة القوى الاشتراكية، أقدم حزب معارض في الجزائر، إضافة إلى حزب العمال الذي ترأسه لويزة حنون، التي ترشحت للرئاسة.

تحديات الولاية الرابعة

ويواجه بوتفليقة في بداية ولايته الرابعة تحديات أخرى، بعد أن تراجعت شعبيته من خلال الأرقام المعلن عنها حول عدد الذين اقترعوا لصالحه، حيث خسر خمسة ملايين صوت مقارنة بانتخابات 2009.

وتراجعت أيضا نسبة المشاركة في الانتخابات بحوالي 25 في المئة لتسجل 50.7 في المئة مقارنة بأكثر من 74 في المئة في 2009، وهو ما يعد حسب المتابعين رسالة أخرى من الجزائريين الذين قاطعوا بنسبة كبيرة ولم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، وهو ما فسرته المعارضة على أنه "نكسة أخرى للسلطة الحالية بقيادة بوتفليقة".
السلطة الحالية لا تؤمن بدولة القانون وسلطة الشعب وهذا الوضع لن يؤدي إلى التغيير على المدى القريب

ويرى موسى تواتي، رئيس حزب جبهة المستقبل أن الانتخابات لا تعبر بصدق عن طموحات الجزائريين، لأن العزوف كان سائدا، الأمر الذي يؤدي حسبه إلى خلق أزمة في المستقبل.

وقال تواتي، أحد المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية في حوار مع موقع قناة "الحرة" إن السلطة لا تؤمن بدولة القانون وسلطة الشعب، معتبرا أن هذا الوضع لن يؤدي إلى التغيير على المدى القريب.

نوايا السلطة في الإصلاح

وفي سياق بحثه عن ما يسميه المعارضون "عذرية جديدة"، بدأ نظام الحكم في الجزائر يسابق الزمن من أجل ربح المعركة القادمة، إذ أعلن بوتفليقة مباشرة بعد انتخابه عزمه مباشرة جملة من الإصلاحات السياسية، يتقدمها تعديل الدستور.

غير أن المناوئين للرئيس شككوا في نوايا السلطة، على اعتبار أن الإصلاحات السياسية ذاتها أعلن عنها بوتفليقة في خطاب 2011 الذي تزامن مع الحراك السياسي الذي عرفته عدد من الدول العربية.

وفي هذا السياق، قال الإعلامي والمحلل السياسي المعارض فضيل بومالة إن النظام السياسي الجزائري يريد فقط ربح الوقت من أجل تحضير المرحلة القادمة الخاصة به.

وأضاف بومالة في حوار مع موقع قناة "الحرة" أن الولاية الرابعة "فرصة للنظام لكي يحاول أن يجدد نفسه من الداخل مع أطراف في الحياة السياسية"، مشيرا إلى أن النظام يعمل على تفتيت المعارضة من الداخل منذ 15 سنة واستمالة عناصر في داخلها.

وأوضح المتحدث أن وجود النظام السياسي الحالي بأدواته وأشخاصه ومناهجه ورؤيته الفوقية للمجتمع، هو الذي يعطل المجتمع، مشيرا إلى أنه "كلما يستفيد النظام من فترة قصيرة من الزمن كلما تخسر الجزائر فترات أطول من عمرها".
كلما يستفيد النظام من فترة قصيرة من الزمن كلما تخسر الجزائر فترات أطول من عمرها

واعتبر موسى تواتي بدوره أن السلطة غير مستعدة للذهاب إلى الحوار الحقيقي مع المعارضة لأنها مرتبطة بأجندة معينة لا يمكن أن تحيد عنها. وقال "لا أعتقد أن السلطة ستخضع لرغبة الشعب بسهولة. لست مقتنعا أن هناك أملا في التغيير لأن صوت الشعب غير مسموع".

غير أن البرلماني السابق والعضو القيادي في حملة بوتفليقة محمد بوعزارة، أكد أنه "لا يجب أن نشكك في نوايا السلطة في الإصلاح"، مشيرا إلى أن الرئيس حدد جملة من الأهداف التي "يمكن أن تذهب بعيدا بالجزائر في ظل الإصلاحات المنشودة".

وأضاف في حوار مع موقع قناة "الحرة" أن الجزائر مجبرة على التغيير السياسي في ظل الحراك الذي تعرفه المنطقة، والذي يتطلب مزيدا من الاستقرار في الجزائر. وقال إن "الذي لا يتحرك ولا يريد التغيير يمكن أن يتم تغييره من خارج بلده، ونحن لا نريد أن يغيرنا الآخرون، بل إن التغيير يجب أن يكون بإرادة الجزائريين أنفسهم".

أي دور للمعارضة؟

وأمام حالة التشنج بين السلطة ومعارضيها، قررت الأحزاب والشخصيات المقاطعة للرئاسيات تشكيل "التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي" بهدف الاستمرار في النضال السياسي لتغيير النظام.

ويفسر المراقبون هذا التحرك للمعارضة بمختلف أطيافها في تنسيقية واحدة، بالعزم أكثر من أي وقت مضى على وقف ما يصفه المعارضون بالمهزلة الانتخابية، والتأسيس لجمهورية جديدة تقوم على مبدأ التداول على السلطة.

وفي هذا السياق، قال محمد بوعزارة إن الإصلاحات السياسية لا تتم إلا وفق منهج توافقي من جميع الأطراف، سواء من المعارضة أو الموالاة.
المعارضة يجب أن تكون فاعلة وإيجابية تقدم أنجع الحلول ولا تريد فقط التموقع من أجل التموقع. المعارضة يجب أن تكون براغماتية تقدم أفكارا وطروحات وبرامج، ولا تنتظر فقط أن يسقط النظام لتحل مكانه

وتابع المتحدث قائلا "نريد من المعارضة أن تكون فاعلة وإيجابية تقدم أنجع الحلول ولا تريد فقط التموقع من أجل التموقع. المعارضة يجب أن تكون براغماتية تقدم أفكارا وطروحات وبرامج، ولا تنتظر فقط أن يسقط النظام لتحل مكانه".
أما موسى تواتي فقد أكد أن المعارضة بوضعها الحالي فاقدة لشرعية الشعب ولا يمكنها قيادة التغيير الحقيقي الذي يأمله المواطن.

وقال تواتي إن الشارع الجزائري ينظر إلى المعارضة كما ينظر إلى الطبقة الحاكمة، مضيفا أن الأحزاب المعارضة الحالية ستجد صعوبة كبيرة في تجنيد الشعب الذي "لا يقتنع إلا بالملموس في الجانب الاجتماعي والاقتصادي".

ويذهب بومالة إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن المعارضة كانت لديها فرصة ما قبل الانتخابات وخلالها، والتي تميزت حسبه بمحاولة فرض بوتفليقة كرئيس رغم مرضه، وذلك من أجل بناء "راديكالية جديدة".

وهذا الفيديو لآداء بوتفليقة اليمين الدستورية:

ويعتقد بومالة أن هذه "الراديكالية الجديدة" كان بإمكانها المساهمة في إعادة بعث العمل السياسي والنقابي من جديد، بهدف بناء ميزان قوة حقيقي يفرض على السلطة عملية التغيير المرتبطة بالمرحلة القادمة والدستور، وإفشال مخططات السلطة التي تبحث عن استحداث منصب نائب الرئيس.

وأوضح المتحدث أن السلطة الحالية لا تعترف بالمعارضة إلا في الخطاب الموجه إلى الخارج وليس إلى المجتمع الجزائري، مضيفا أن النظام هو الذي يقرر الفضاء والدور الذي يجب أن تلعبه المعارضة، بإشراك من يريد عن طريق "شراء الذمم والتخويف وغلق الآفاق في الحياة السياسية".

ما العمل؟

في وقت يصر فيه النظام الجزائري على المضي في الإصلاحات بإشراك الطبقة السياسية بمختلف توجهاتها كحل وحيد للخروج من الأزمة، تعمل المعارضة على تقديم مقترحات تراها أفضل مما تقدمه السلطة، التي تصف وعودها بالـ"مناورات لربح الوقت".

وتقود التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي المشكـّلة من أحزاب علمانية وإسلامية وشخصيات سياسية حملة للتغيير، في حين ما زالت مساعيها في بدايتها.

غير أن ردها جاء سريعا على الاقتراحات التي قدمتها السلطة للإصلاح السياسي، ومنها خصوصا الدستور الذي تريده السلطة توافقيا.

ورفضت التنسيقية في آخر اجتماعاتها المشاركة في "مسعى ما سمي بوضع دستور توافقي، وترى بأن هذا أسلوب معتاد تعتمده السلطة في تبني مطالب المعارضة بغرض سحبها منها ثم إفراغها من محتواها".
مشهد من أحد التجمعات الانتخابية

مشهد من أحد التجمعات الانتخابية

ويعيب المناوئون للسلطة عليها تأخرها في تجسيد الإصلاح المتعلق بالدستور، خصوصا في ظل رغبتها في العودة إلى تعديل العديد من مواده التي كانت محل جدل، ومنها ما يتعلق بتحديد عدد الولايات الرئاسية إلى ولايتين.

وكان بوتفليقة قد أجرى تعديلا على الدستور في 2008 غيّر بموجبه هذه المادة التي كانت تسمح بالترشح لولايتين فقط وجعلها مفتوحة، وهو ما أثار غضب الطبقة السياسية التي رأت في ذلك خرقا، خصوصا أن التعديل تم عن طريق غرفتي البرلمان وليس عبر استفتاء شعبي.

وزيادة على التنسيقية طفت إلى السطح العديد من البدائل المقترحة ومنها مرحلة انتقالية يتم من خلال الاتفاق على دستور توافقي، وإجراء انتخابات تشريعية مسبقة، ثم تليها انتخابات رئاسية، بهدف استكمال بناء مؤسسات دستورية.

غير أن فكرة المرحلة الانتقالية لم تلق قبولا من الطبقة السياسية في العموم، خوفا من تبعاتها السياسية والأمنية، والمخاطر التي قد تنجم عنها خصوصا ما يتعلق بالمدة التي قد تستغرقها، أما النظام فلن يقبل حسب بومالة، بهذا الاقتراح "لأنه إذا قبله فمعناه أنه دليل على فشله".

ويرى موسى تواتي أن الخروج من الأزمة السياسية الحالية يتطلب العودة إلى الشعب، والابتعاد عن منطق "السلطة الأبوية" التي فرضت عليه، إضافة إلى احترام النظام الحاكم لسلطة دولة القانون.
الآلية الكبرى للتغيير ومن دون عنف وبعيدا عن مخططات النظام والأحزاب الموالية له، هي بناء دستور لأول مرة منذ الاستقلال يكتبه الشعب الجزائري بنفسه بكل قواه على اختلافها

أما فضيل بومالة فيعتقد أن الآلية الكبرى للتغيير ومن دون عنف وبعيدا عن مخططات النظام والأحزاب الموالية له، هي "بناء دستور لأول مرة منذ الاستقلال يكتبه الشعب الجزائري بنفسه بكل قواه على اختلافها".

وأطلق المتحدث مبادرة "دستورنا" التي تتضمن حلا سياسيا للفصل في الجدل القام حول الدستور، وتتضمن فكرة المشروع "فتح النقاشات على كل الأفكار الموجودة في المجتمع بما في ذلك القضايا المحظورة والممنوعة والتي تم تشويهها في النقاش أو أجلت منذ الاستقلال مثل طبيعة الدولة والفصل بين السلطات والفصل بين الدين والدولة والحريات الفردية والجماعية ودور الشعب في عمليات الرقابة".
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG