Accessibility links

logo-print

أطفال ويافعون يحاربون الجوع


برنامج أطفال ويافعون يحاربون الجوع

برنامج أطفال ويافعون يحاربون الجوع

كان اليوم أحد، وكانت المدينة من حولنا مستأنسة بنسمات الربيع الأولى الناعمة.

في اللحظة تلك، فضل زميلي المصور لويس مينوز أن يطلق في فضاء السيارة موسيقى ناعمة يستهويه السماع إليها دوما لأنها تعيده إلى موطن أبائه وأجداده في ذلك الجزء الناعم من أميركا اللاتينية.

في قربه ذلك، يشغلني الصوت الناعم عن الصمت العميق في اللحظة. أسكن إلى أفكاري وأنا أستعيد للحظة عابرة الفكرة التي سترسم في الساعات المقبلة قصتي الصحافية الخارجة عن العادة هذه المرة.

خارجة عن العادة لأن الأبطال فيها يافعون وأطفال اختاروا بإراداتهم الطوعية أن يحاربوا الجوع في محيطهم اليومي في ولاية ميرلاند وفي كل مكان من العالم بوسائلهم المحدودة، لكن بإرادات واضحة ومصرة لا تقف عند أي حالة من التراجع أو الهوان.

هم أطفال من المدارس المتوسطة والثانوية في الولاية الساحلية ومن خلفيات عرقية وأعمار مختلفة يلتقون في المركز الثقافي الدولي في المدينة مرة كل نهاية أسبوع، في لقاءات دورية وفي لقاءات موسعة أكبر مرة كل شهر، بغرض إعداد وتحضير آلاف الوجبات الغذائية لكل من يحتاج إلى غذاء في ولايتهم وفي الولايات المجاورة.

إيفا ابنة الـ12 عاما، وجه مألوف في هذه المبادرة الإنسانية منذ إطلاقها قبل ثلاثة أعوام. وهي لا تزال تشكل القلب النابض لكل لقاء أسبوعي أو شهري في المكان.

تقول الطفلة اليافعة إنها تجد فرحة خاصة تغمر قلبها وهي تأتي إلى هنا لتساهم في إعداد الوجبات الغذائية.

إنها ساعات مملوءة بمشاعر التلاقي الإيجابي مع الآخرين، بعيدا عن اللقاءات اليومية في المدارس. ذلك لأن الأطفال يلتقون هنا تقول "إيفا"، في إطار مختلف و هو إطار يجمعهم حول قيمة إنسانية عالية جدا تهدف في البدء والمتن إلى مساعدة الآخرين المحتاجين إلى مساعدة.

في هذه المشاعر النبيلة والسامية يلتقي مع "إيفا" الآخرون من أطفال المدارس المشاركون في العملية الخيرية حتى وهم يتحدرون من جذور عرقية وثقافية مختلفة، لكن الجميع هنا يلتقي لأجل خدمة الآخر ومساعدة المحتاج وتكريس روح الجماعة في جيل هو مستقبل البلاد.

هذا ما تقوله لي هداية، الأميركية البيضاء المسلمة وهي تشير إلى أن الهدف الأساسي من إطلاقها وناشطات أخريات للمبادرة كان تعزيز وحدة المشاعر الإنسانية لدى أبناء الأجيال الجديدة من الأميركيين، وتقوية قيم التسامح والتلاقي من حول أفكار نبيلة تسمح بتحسين الوجه العام للحياة في المدينة.

هداية، التي تتحرك في كل زاوية من المكان، تشير إلى أن هناك الكثير من الأفكار النبيلة والعظيمة التي يمكن أن يلتقي من حولها الأميركيون على اختلاف ثقافاتهم الأصلية. وفي واحدة من هذه الأفكار، هذا البرنامج الاجتماعي الذي يهدف إلى تقديم المساعدة إلى المحتاجين من قبل أطفال مدارس الولاية. وهو برنامج، كما تؤكد، حقق حتى الآن أكبر بكثير من الأهداف التي أسس لأجلها بين سكان الولاية وسكان ولايات أخرى مجاورة بل إن تأثيره وصل إلى أجزاء بعيدة من العالم خارج الولايات المتحدة.

ولأن الفكرة تحقق المزيد من الرواج والقبول بين عائلات ولاية ميرلاند، انجذبت إليها عائلات بكاملها وحرصت على إعلان دعمها لها بصور مختلفة. بعض هذه الصور يتجسد من خلال تخصيص ميزانيات أسبوعية وأخرى شهرية لدعم هذا البرنامج، وأخرى من خلال السعي بين المراكز التجارية والكنائس والمساجد ودور العبادة لأجل جمع ما يجود به المترددون هناك من أغذية وترتيبها ليوم الأحد من كل أسبوع، إذ يحضر الأطفال والعائلات الراغبة في مشاركتهم جهدهم الطوعي لمباشرة إعداد الوجبات وتوزيعها في وقت لاحق على مراكز المساعدات الاجتماعية وإيصالها لكل محتاج في أي مكان من الولاية.

ولأن العملية خيرية بالكامل، يتطوع الأباء باستخدام سياراتهم الشخصية والعائلية لنقل الوجبات الجاهزة إلى العناوين المحددة لها ليكتمل المشهد الجمالي في المكان بأن يتحرك الأطفال ويطلقون مبادرتهم الخيرية وتتحول في مرحلة لاحقة إلى قضية عائلية بالدرجة الأولى أو بتعبير آخر قضية يحركها الأطفال ويصنع مصيرها الكبار بما يملكون من إرادة ووقت ووسيلة.

وأنا أتحدث إلى الأطفال المنخرطين في عملهم، لم تكن الابتسامة لتغيب عن ملامحهم ولم يكن الفرح لتخطئه العيون في ملامحهم.

يقولون لي إنهم يفعلون كل الذي يستطيعون فعله لإيجاد الوقت الكافي للحضور إلى هنا في نهاية كل مساء أحد وتقديم هذه المساعدة للقائمين على هذه العملية الخيرية الخالصة، بل ويضيفون أنهم جعلوا من المساهمة في هذا العمل قضية عائلية مركزية تبحثها عائلاتهم كل أسبوع وتكيف برنامجها الأسبوعي على أساسها.

هناك مشاعر مكثفة في المكان وفي اللحظة وفي المعنى، الذي ينتشر بين المشاركين في برنامج "أطفال ويافعون لمحاربة الجوع".

في ذلك المساء، حضرت عائلات بكاملها للمساهمة في الخدمة وحضر مسؤولون من مجلس الولاية لإعلان اعتزاز البالغين بالفكرة والنوايا الطيبة التي تقوم عليها وعلى روح الخير والسماحة التي يحققها اليافعون، فيما بينهم أولا وفيما يريدون تجسيده من علامات الخير والسماحة في حياة سكان المدينة.

لايخفي مسؤولون في الولاية إعجابهم بمبادرة اليافعين من أبنائهم ومساهمة الأطفال في نجاح التجربة و انخراط العائلات في مسعى إنساني غير الكثير من الحقائق في حياة الكثيرين من سكان ولاية ميرلاند وولايات أخرى مجاورة لها.

ويكفي أن هذا البرنامج الذي أطلقه أطفال ويافعون من مدارس الولاية بات بعد نجاحات عدة يحققها علامة مسجلة باسم أطفال المدارس عبر كامل الولايات المتحدة ومرجعا يستند إليه في تجارب الكثيرين في أجزاء أخرى بعيدة من العالم.

عندما كان لويس يحرك السيارة في اتجاه العاصمة واشنطن، نظر إلي في صمت ورمى بكلماته القليلة كما هي العادة.

هناك في هذا العالم ما يستحق العناء لأجله، طالما هناك أطفال ويافعون من هذه الطينة يشكلون جزءا من الحالة الخيرة التي يمكن أن تصنع الجمال في الحياة .

اتسعت اللحظة لأقول لزميلي المصور إن هناك كثير من الجمال في هذا العالم لا يزال يسكن النفوس طالما هناك أرواح لأطفال ويافعين من هذه الطينة لاتزال تحدث بيننا وتصنع كل هذا الخير في حياتنا.

وهذا تقرير مصور حول الموضوع:
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG