Accessibility links

كرة القدم.. لم تعد أفيون البرازيليين


رئيس معهد البرازيل بمركز ويلسون للدراسات

رئيس معهد البرازيل بمركز ويلسون للدراسات

"سيرجيو باولو" أميركي من أصل برازيلي يرأس معهد البرازيل بمركز ويلسون للدراسات بالعاصمة واشنطن منذ سنوات عدة.

يحضر في كل صباح إلى مكتبه ليبحث ويكتب عن الشأن البرازيلي. يعود لتوه إلى واشنطن من رحلة طويلة أخدته إلى "ريو دي جانيرو" حيث عطر الذكريات القديمة وحيث العشق الأسطوري لشعب يحب كرة القدم أكثر من أي شيء آخر في الحياة.

"باولو" يعود إلى واشنطن، لكنه وهو يعود من هناك يحمل في قلبه هذه المرة مشهدا مقيما في قلبه. حتى قبل أيام قليلة فقط من انطلاق الحدث الكروي العالمي الأكبر في البرازيل، لا تظهر مدن البلاد فرحها أو حتى شغفها بالحدث. بل إن العابر للطرقات هناك لايكاد يدرك أن هناك حدثا كرويا ستعيشه بلاد الشمس و البحر والسامبا بعد أيام قليلة من الآن.

يقول الخبير باولو هذا الكلام ويعرف جيدا، وهو الباحث المتخصص في شؤون وطنه الأم في واحد من أكبر مراكز الدراسات في واشنطن، أن وراء هذا الإحجام البرازيلي كثير من الأسباب المتوزعة بين ارتباط كأس العالم في أذهان البرازيليين بقصص الفساد المالي والإداري، خاصة أن الأرقام التي أعلنت في بداية الإعداد للملاعب الجديدة كانت فلكية. لاشيء من ذلك يبدو جاهزا حتى الآن لاحتضان هذا الحدث العالمي.

إضافة إلى مسألة أخرى وهي أن البرازيليين جميعا باتوا يدركون في وعيهم العميق أن كأس العالم لن تحقق لهم الكثير من التحولات في حياتهم غير أن الجهة المنظمة للحدث وهي الفيدرالية الدولية لكرة القدم "فيفا" ستكون هي الرابح الأكبر وهي تأخذ أموال وعائدات المناسبة وتغادر إلى غير رجعة لتترك للبرازيليين خيباتهم في الحياة العامة.

وفي إشارة إلى ذلك، يقول البرازيليون في صحفهم ومجالسهم إن القوانين المحلية تمنع جمهور كرة القدم من تناول الكحول في مدرجات الملاعب، لكن الفيفا وبمناسبة كأس العالم قررت السماح بذلك. والهدف التجاري هنا لا يحتاج إلى ذكاء كبير لاكتشافه.

هذه الحقائق الجديدة في وعي أبناء بلاد الشمس يضاف إليها الاضطرابات الاجتماعية الكبيرة التي شهدتها البلاد في أعقاب الإضراب الكبير لعمال النقل. وهو ما أصاب البلاد بحالة تشبه الشلل الكامل وطرح أسئلة جديدة عن مدى استعداد البلاد الحقيقي لاحتضان كأس العالم.

في تفكير "باولو"، ليست الصورة السياسية هي كل شيء في البرازيل لأن الرجل في المقابل يؤمن أيضا أن للكرة سحرها الأسطوري في الوعي الجماعي لأبناء بلاده. فالانطلاقة القريبة للمونديال ستغير المزاج العام في البلاد وتدفع بالناس إلى نسيان خيباتهم لقليل من الزمن أو على الأقل خلال الثلاثين يوما من عمر المونديال.

يقول الخبير باولو "البرازيليون شعب يعشق الكرة بجنون دائم ومن هناك فإنهم سوف يؤجلون الحديث في شؤونهم العامة لبعض الوقت لتقديم دعمهم الكامل لفريقهم في منافسات كأس العالم.

لايفوت "باولو" أن يضع في حسابات تفكيره أيضا تلك الإشارة إلى انتخابات الرئاسة في بلاده، الخريف المقبل. ويشير إلى احتمال أن يكون لكأس العالم هذه دورها الحاسم في قرار البرازيليين في التجديد للرئيسة الحالية أو القبول بوجه جديد لقيادة البلاد. لكنه يقول إن كل شيء ممكن في بلد يشيد بنظامه الديموقراطي وبمساحات الحرية المفتوحة فيه لمواطنيه للتعبير عن كل الذي يجول بخواطرهم.

لا يفقد "باولو" حماسته للكرة وهو يتحدث عن المناسبة العالمية. ويعود بذاكرته إلى تلك المناسبة الأليمة سنة 1950 من القرن الماضي عندما خسرت البرازيل كأس العالم على أرضها وأمام جمهورها في مواجهة الأورغواي.

يقول عن تلك اللحظة إنها الدراما الحقيقية في ذاكرة بلاد السامبا، لكنه يشير إلى أن البرازيل هذه المرة تملك العناصر والقوة والعزيمة التي ستمكنها من الفوز بكأس العالم على أرضها. ولا يفوته كذلك أن يعلن أمنية جانبية وهي أن يكون النهائي بين بلاده و فرنسا لتستطيع البرازيل استعادة هيبتها بعد خسارتها المذلة في نهائي دورة 1998 في باريس.

كان سؤالي الذي حملته لمركز ويلسون حيث يعمل "باولو": هل البرازيل جاهزة لتنظيم كأس العالم بعد كل الذي يقال وقيل حتى الآن عن عدم جاهزية الملاعب وتأخر بعضها حتى في وضع المقاعد البلاستيكية للجمهور ومطابقة ذلك لمبادئ السلامة العالمية؟ بالإضافة إلى أسئلة أخرى تتعلق بمدى قدرة المدن البرازيلية على استيعاب ملايين القادمين من جهات العالم الأربع خلال أيام البطولة العالمية والسؤال هنا يتعلق بالمطارات والقطارات وغيرها من وسائل النقل العمومي.

ليس الأجانب وحدهم من يتخوفون من نقصان الجوانب التنظيمية في البرازيل أياما فقط من انطلاقة كأس العالم لكن حتى المنظمون أنفسهم يرفعون هذا الصوت القلق ويعلنون خوفهم من أن يكون التنظيم هو الغائب الأبرز في دورة البرازيل.

في هذا الشأن، يقول "باولو" إنه عند انطلاقة البطولة سيكون كل شيء على ما يرام و سيغلب حب الكرة بين البرازيلين على روح الانتقاد التي تطال أداء المؤسسات الحكومية وكل ما له علاقة بالقطاع العام بين عموم الناس.

أعتذر من باولو وأنا أتوجه بسؤالي القلق إلى "جوليانا هوروييتز"، وهي كبيرة الباحثين في معهد "بيو" للدراسات الذي أعد تقريرا عن توجهات الرأي العام في البرازيل قبل بداية المونديال.

تأخذ إجابة الباحثة الأميركية منحى مختلفا تماما وهي تقول لي إن هناك نضجا في العقلية العامة للبرازيل وهناك طبقة وسطى بدأت تأخذ حضورا لافتا في الحياة العامة من خلال قوة تأثيرها في المشهد السياسي، باتجاه تأكيدها أن كرة القدم لم تعد هي كل الذي يعيش عليه البرازيليون في حياتهم.

هناك مطالب اجتماعية متصاعدة وهناك قلق عام من ظاهرة الفساد المالي والإداري وهناك أسئلة أكثر قلقا من فشل الحكومة الحالية في محاربة الفساد واتساع رقعته بالإضافة إلى الخوف الشديد من تراجع فرص الحصول على وظائف جديدة وأزمة الرعاية الصحية.

لم يعد كافيا لأبناء الشمس بحسب رؤية "جوليانا" أن تفوز البرازيل بكأس العالم ليصبح كل شيء على ما يرام.

في هذا الاتجاه، يشير باولو في الطرف الآخر من طاولة الحوار إلى أن الحكومات البرازيلية لطالما استعملت أداة الكرة وسيلة لتنويم المطالب الاجتماعية والسياسية لعموم الناس كما كان عليه الحال من قبل النظام العسكري الحاكم آنذاك في سبعينيات القرن الماضي.

لايغيب عن ساحة نقاشنا مشاهد قلقة في البرازيل اليوم وتلك التقارير الصحفية التي تتحدث عن معارضة الكثيرين لتنظيم البطولة في البلاد. وهناك خوف من تجدد الإضرابات وخوف آخر من أن تكون المناسبة فرصة للمعارضين والمستائين من الوضع الاقتصادي لإثارة المزيد من اهتمام العالم بواقعهم الاجتماعي ومعاناتهم، في ظل الاهتمام الإعلامي العالمي المكثف بكل ما يحدث في بلاد البحر خلال المونديال المقبل.

ولأن هذه السنة سنة انتخابية في بلاد السامبا، هناك سؤال يتعلق بمدى قدرة كأس العالم على التأثير في مسار وخيارات انتخابات الرئاسة في الخريف المقبل.

رأي باولو أن بين كأس العالم في الصيف وانتخابات الخريف، هناك مدة تزيد عن الأشهر الثلاثة، وبالتالي فهناك متسع زمني كاف لينسى الناس فرح كأس العالم ويواجهون الحقائق الاقتصادية والاجتماعية في حياتهم. لكنه لا يستبعد في المقابل أيضا أن يكون لنجاح التنظيم وفوز فريق كرة القدم بالكأس، في حال حصوله، دفعا قويا لخطاب سياسي يقول: نجحنا ومن حقنا الاستمرار في حكم البلاد.

على طاولة حديثنا، كان صوت ثالث لكبير الباحثين في معهد "بيو" للدراسات تود بايسون.

تايسون يقول إنها واحدة من الحالات القليلة في تاريخ الرياضة أن يكون لحدث رياضي كل هذه القوة في التأثير على خيارات الناس وموقفهم من الشأن العام.

بين حسابات هؤلاء الخبراء والرأي الغالب، دوما في الذاكرة العالمية أن البرازيل هي بلاد الشمس والبحر والسامبا.

هذه القائمة من الأشياء الجميلة تحتاج أن يضاف إليها كرة القدم أيضا. وحين يكون المونديال برازيليا، فالمتعة أكيدة ليس فقط بفعل ما سوف يحدث فوق الملاعب من إبداعات ومهارات من أفضل لاعبي العالم وأقوى المنتخبات فيه لكن أيضا بما سيقام في المدرجات وفي كافة مدن وقرى البرازيل من مهرجانات واحتفالات بالكرة وسحرها.

يطمئن البرازيليون لقدرتهم على صناعة الفرح ويتمسكون بقوة التفاؤل الذي يسكن أرواحهم. وفي واحدة من تلك الإشارات، يقول تقرير معهد بيو إن أغلبية البرازيليين يؤمنون أن العام المقبل سيكون أفضل اقتصاديا وأجمل في حياتهم من العام الحالي.

البرازيليون يؤمنون الآن بأغلبيتهم أن الوقت كله للكرة أما بشأن ماذا سيقررون الخريف المقبل فذلك أمر آخر.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG