Accessibility links

عاش في كل مكان لكنه يحول كل مكان دوما إلى قصة سلام ..لا يهدأ الرجل في أن يقول قصته في كل أرض يعبرها ويكرر القصة في كل مدينة يسكنها أو يمر فيها.. في ثوبه الإفريقي يقيم ذلك الإنسان الذي إختار الإنتصار دوما لقيمة الإنسان وقضية السلام في الحياة.

هنا في واشنطن يحدث الرجل قصة من سلام .."هاشم الثني "ذلك السبعيني الذي لم يأخذ العمر كل سحره.

لايزال الرجل الذي تضيق بوقته الطموحات وتزدحم ساعات يومه بالمواعيد العابرة والمحطات ولايزال يجد في كل مناسبة ما يكفي من الطاقة والجهد لتكون قصته عن السلام حاضرة في كل المناسبات .

جاء هاشم إلى واشنطن هربا من وطن غني بالأزمات.. جاء وفي تفكيره حكاية بحث عن سلام في الإنسان .. وقبل أن تحط قافلته رحالها في واشنطن، عمل في محطات عدة في العالم كان أبرزها في باريس حيث عمل في منظمة اليونيسكو سفيرا وباحثا ومقدما للثرات الإفريقي في عاصمة الفرنسيين.

شاهد بالفيديو: مقابلة قناة الحرة مع الناشط السياسي السوداني الأميركي هاشم التني

هناك خبر هاشم الحياة الفرنسية بكل تفاصيل الشغف فيها، حيث قرأ الكثير من كتبها وأستمع إلى من موسيقاها، لكنه في صباح شمسه هادئة قرر أن يحزم حقائبه ويترك باريس للاقامة في قلبه حتى وهو يترك بعضا من قلبه هناك، بعدما قرر الإنفصال عن زوجته الفرنسية .

من باريس إلى واشنطن كثير من الأسئلة رافقت ذلك السوداني في صوفيته حتى النخاع والإفريقي في حرارة قلبه وقدرة المحبة فيه.

لا يتردد هاشم في أن يقول لك إنه كان يشعر في مكان ما أن المسألة العنصرية لا تزال تحقق حضورها في المجتمعات الأوروبية.

إن الذي يحدث هناك من تمييز ضد الأفارقة بصورة عامة ماكان ليسعد قلبه وهو الرجل الذي إختار أن تكون حياته من سلام ولأجل السلام.

في تلك المرحلة من التاريخ كان صوت "مارثن لوثر كينع" يحتوي أحلام وآلام الحالمين بالمساواة في كل العالم. وفي ذلك الصوت وجد هاشم ذلك القاموس الهائل من المفردات التي تشعل تفكيره لكنه لا يجد الطريق للتعبير عنها إلا أن زيارة عابرة لواشنطن وتزكية للعمل في البنك الدولي غيرت مجرى حياة الرجل الذي ولد على ضفاف نهر النيل الأزرق ونقلته للحياة و بصورة دائمة إلى ضفاف نهر "البوتوماك" في قلب واشنطن .

في واشنطن أيضا جرب هاشم الحب بالنكهة الأميركية وتزوج من شريكة نضال في سبيل قيم وفكرة السلام في كل العالم .

في واشنطن أيضا أنشا هاشم معهده للسلام في العالم وجعل من قصة وطنه الأم السودان مرجعه في الحديث إلى الاميركيين في كل جامعة ومؤسسة بحثية تلك التجربة التي يستند عليها في التأكيد على أن الحياة لا يمكن أن تستقيم من غير تحقيق عنصر السلام فيها بل وجعله الجوهر منها .

كبر حضور هاشم في محطات عدة ومتنوعة من المدينة وكان واحدا من الشخصيات التي راهن عليها الرئيس جورج بوش في ولايته الأولى عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في مد جسور الحوار بين أميركا والعالم الإسلامي، وكان حينها صوتا مدافعا عن المشترك بين أميركا والمسلمين.
إن صوت السلام دوما هو الصوت الأقرب إلى القلوب و هو المشترك بين كل الناس في كل أزمنة ومراحل التاريخ الإنساني
عن ذلك المنتصف من المسافة يقول هاشم إن كل إختلاف بين الناس ممكن تجاوزه في حال جنح الناس إلى الإلتقاء في النقطة الوسطى من أية فكرة أو إشكال أو نزاع .

يحتاج السلام الى طاقة روحية جبارة بحسب توصيف هاشم الذي يتمسك بقبعته الإفريقية دوما وتلك الطاقة من المحبة هي التي يحاول أن ينشرها في كل الذين يحيطون به في تنقلاته المتعددة والمكثفة في كل أيام السنة في واشنطن .

على مقربة من نهر "البوتوماك" يخطو في نهاية كل مساء في موعد المشي اليومي وينصرف في صمت كبير إلى كتابة أفكاره عن السلام وشهاداته عن تحولات النصف الثاني من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي. وما أكثر الأحداث التي كان الرجل طرفا فيها أو قريبا منها أو شاهدا عليها في قارة لا تتعب أبدا من التلاقي مع أحداث التاريخ .

وليست الكتابة والحوار والتأليف هي التي تشغل تفكير هاشم فحسب.. فهناك أشيا ء أخرى حاول الإقتراب منها ولم يزل، ساعيا أن يقترب من مبادرة إعلان الترشح لإنتخابات الرئاسة في وطنه الأم السودان.

وراء تلك المبادرة التي أطلقها في آخر انتخابات سودانية قبل أربع سنوات ثنائية القدرة على التغيير والخوف من عدم القدرة على إحداثه وسط أجواء التناقض والتصادم التي تطبع مشهد السياسة في السودان .

في تلك الفترة من الزمن كان نجاح الرئيس باراك أوباما في إنتخابات الرئاسة في أميركا العام 2008 قد غير كثيرا من المفاهيم في أميركا وفي كل العالم وتدفقت أحلام الناس الراغبين في رؤية عالم جديد يحدث أمام أبصارهم.

دفع ذلك هاشم في مساء ما للإستناد إلى جدار غرفته المطلة على مبنى الكونغرس في واشنطن حيث كان أوباما يؤدي يمينه الدستورية ويلقي خطاب القسم ليطلق العنان لفكرة إمكانية حدوث حالة من التغيير في بلد هو الأحوج إلى مشروع سلام .

في اليد الثانية للرجل خريطة جديدة لوطن ألفه واحدا متحدا بين شماله وجنوبه، لكنه في حسابات الساسة الجدد في الخرطوم وجوبا مشروع وطن مقسم إلى جغرافيات جديدة بين شمال وجنوب. وهو ما رآه هاشم خارجا على قوانين الطبيعة، كونه ينتمي إلى أبناء ذلك الجيل من السودانيين الذين آمنوا دائما أن ما جمعته إرادة النيل لا تفرقه إرادة البشر.

يؤمن هاشم حتى اللحظة أن وطنه ينام إلى مخزون إنساني متجذر وهو ما يضاف إلى خيرات كثيرة في تلك البلاد التي لا تغادر قلبه رغم سلطة المكان وبعد المسافة. خيرات لو وظفت بطريقة صحيحة لكان بإمكانها أن تغير مجرى تاريخ حياة السودانيين ومن جاورهم من العرب والأفارقة إلى واقع حياتي مختلف تماما .

كان هذا هو الجوهر في تفكير هاشم وهو يجمع أوراقه ويخطط لأن يكون خليفة الرئيس عمر البشير في قصر الرئاسة في الخرطوم .

بين هذا القرار، والماضي النضالي الطويل لهاشم، وحضوره البارز في تاريخ السودان وجد كثيرا من الاصوات التي تؤيد فكرة التغيير الكامل في السودان والدفع بوجوه جديدة إلى مقدمة المشهد وتقدم أفكارا جديدة لبدء مرحلة أخرى من تاريخ السودان.

عاد هاشم خطوة واحدة إلى الوراء لكن ليس بكل خطواته. قرر أن وقت التغيير في السودان تملأه سحب عدة في اللحظة الراهنة وقرر تأجيل خطوته الكبرى في الوطن الأم، مختارا بدلا من ذلك أن ينخرط في حملة الرئيس باراك أوباما لإنتخابات الرئاسة الثانية.

عمل هاشم بين الأميركيين عربا وأفارقة وقدم خطابه الحالم بعالم أفضل، مدافعا عن فكرة السلام مرة أخرى في مناسبة تاريخية إعتقد فيها إنها ستضيف الكثير من القيم إلى مشهد السياسة العالمية،

ولقي هاشم كثيرا من الثناء من الرئيس أوباما ومن السيدة الأولى ميشيل أوباما ومن نائب الرئيس جو بايدن الذين أظهروا كثيرا من التقدير لرؤيته للسلام ولمستقبل العلاقات الإنسانية .

في حواره مع أصدقائه ومستمعيه، يستعيد هاشم دائما تجربة نيلسون مانديلا كزعيم إفريقي متفرد بل وكقامة إنسانية لا تحدث إلا قليلا في التاريخ، ويجد في رحلته في الحياة كثيرا من الشبه غالبا بين كافة دعاة التغيير في القارة السمراء .

ويقرأ لمانديلا ويعود إلى محطات كبيرة عندما يستذكر تجربة الإعتقال في سجون حكومات السودان قبل أن يقرر الهجرة إلى العالم الآخر ويجد دوما في فكرة السلام والمحبة أقوى الأسلحة التي يمكنها أن تحقق منجز التغيير وبحماية لأرواح ومشاعر الناس.

يحتاج السودان من وجهة نظر هاشم إلى الكثير من روح مانديلا ليحقق سلامه المستحيل ويحتاج إلى الكثير من روح قرنق ليحقق قفزته التاريخية في مسار التعايش والتكافل بين جميع مكوناته وفي تحقيق تلك الخلطة السحرية بين مكونات بلد جمعت فيه الجغرافيا والتاريخ كافة متناقضاتهما من عناصر إفريقية إلى عربية إلى إسلامية.

هذه الفرادة في بنية السودان يجد فيها هاشم الفرصة الضائعة في تاريخ البلاد لصناعة واقع مختلف يجعل من السودان قلب الحركة في محيطه المركب بأ فريقيته وعروبته وإسلاميته .

عندما كنت أستمع إلى هاشم و إلى رؤيته لمشروع السلام في السودان وفي كل العالم من وراء ذلك ..كان رذاذ المطر لا يتوقف عن النزول على زجاج نافدة مكتبه، وبين أوراقه عبارات
عديدة ومؤلفات كثيرة، جميعها تتحدث عن مشروع سلام في تجربة إنسانية في مكان ما من العالم .

تأملت كرم السماء الماطرة في واشنطن في تلك الليلة وعبرت إلى ذهني فكرة أخرى من خلال كلمات هاشم .. فكرة ضيق الحياة عندما تعاش داخل الذات.

حينها فقط أيقنت أن السلام ليس فكرة أو خطابة لكنها قيمة تطبع رحلة حياة بكاملها من المهد إلى اللحد وفي تجربة هاشم الثني من السودان إلى واشنطن الخبر اليقين.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG