Accessibility links

logo-print

الشيطان يسكن في التفاصيل.. ما قاله قرنق لي قبل رحيله


مواطنون في جنوب السوداني يحتفلون

مواطنون في جنوب السوداني يحتفلون

من حولنا الضجيج لا يتوقف في تلك الضاحية البعيدة عن العاصمة نيروبي والمحاذية لحدود جنوب السودان مع الجارة الأبدية كينيا.

في تلك الليلة تحول ذلك المنتجع السياحي في نيفاشا إلى ما يشبه عاصمة القارة السمراء. كبار القوم هنا من البلدين، السودان وكينيا، ومن دول منظمة الايغاد ومنظمة الاتحاد الإفريقي وممثلون عن الاتحاد الأوروبي، فيما كان وزير الخارجية الأميركي حينذاك كولن باول قد غادر المنتجع بساعات قليلة بعد أن رسم شخصيا معالم الاتفاق النهائي والشامل للسلام بين الغريمين والشريكين في شمال وجنوب السودان.

لم يكن المشهد يسمح فيما كان يبدو للعيان في تلك اللحظة بإظهار أية حالة من التشاؤم، كيف والأمور سارت الى نهايتها السلمية بعد حرب ضروس في جنوب السودان استمرت نصف قرن كاملا، وتعاقبت على حياة أجيال كاملة من أبناء السودان وهجرت الملايين وحركت العالم قاطبة سعيا لإنهاء أطول الحروب في القارة السمراء وأعنفها تهجيرا للمدنيين وإثارة للمجاعات، إضافة إلى كل ما أرهقت به ميزانيات السودان وجعلت الأولوية في كل موازناته في كل عام للحرب في الجنوب.

كنت على موعد، والاحتفالات قد انطلقت في زوايا من قبل أولئك الجنوبيين الذين تكبدوا عناء قطع آلاف من الأميال قادمين من مدن مختلفة من الجنوب أو أولئك الذين تعبوا من حياة مخيمات اللجوء في دول الجوار الجنوبي والتي هي في الأصل لديها ما يكفي من المعاناة في سبيل تأمين حاجيات مواطنيها، فما بالك بهذه الأعداد المليونية التي هربت من جنوب السودان وتحولت قصة لجوئها إلى هذه البلدان إلى إقامات أبدية.
هؤلاء هم من كانوا أكثر سعادة بهذا الاتفاق بل من بين هؤلاء من كان يرابط ويقضي أسابيع بالقرب من هذا المنتجع متابعا لمجرى المفاوضات ومتطلعا إلى لحظة التاريخ تلك التي سيعلن فيها نهاية النزاع.

لا شيء يظهر للعين صارخا كفرحة هؤلاء الجنوبيين ولا شيء يمكن أن تخطئه العين في ذلك القلق الذي كان واضحا في عيون أعضاء الفريق المفاوض من الشماليين.
كنت على موعد، ومراسيم ترتيب المنصة في صورتها النهائية قائمة على قدم وساق، مع الزعيم الجنوبي جون قرنق لإعطائي تصريحا سريعا لاستخدمه في مراسلتي القادمة للقناة في واشنطن، خاصة وأننا انفردنا بإذاعة خبر التوصل إلى الاتفاق كأول مؤسسة إعلامية تنقل ذلك بل أن الإعلام السوداني جميعه اعتمدنا كمصدر في ذلك الحين في إعلانه التوصل إلى تسوية نهائية في مفاوضات السلام بين الشمال والجنوب.

سألت جون قرنق عن شعوره في هذه اللحظة وهو الرجل الذي صنع ملامح الحرب في الجنوب وخاض كل مراحلها قبل أن يصنع السلام مع شركائه الشماليين هنا في كينيا.

ملامح الرجل هادئة وعميقة جدا كعادتها لكنه صمت لحظة قبل أن يقول لي إن الذي تحقق مهم جدا في تاريخ السودان لكن هناك الكثير من التفاصيل التي لا تزال قيد التأجيل والشيطان يا صديقي عادة ما يفضل أن يسكن في التفاصيل.
لم يكن في مقدوري في تلك اللحظة استيعاب المعاني التي كان يراها الرجل من داخل رحلة التاريخ في قضية جنوب السودان، ومن الطبيعي أن يكون من المستحيل على أي طرف آخر أن يرى تفاصيل هذه الرحلة في صورة الماضي أو في صورة المستقبل كما يفعل جون قرنق.

لم يكن قرنق مزهوا بانتصاره كمحارب كان تفكيره مشغولا بمعنى آخر أكبر بكثير مما يمكن أن نعتقد في تلك اللحظة.

قرنق كان معنيا بالوحدة بين الشماليين والجنوب ولم يكن معنيا بانفصال في خريطة السودان الذي حلم به دائما أكبر من نزاعه وأقرب إلى قلوب جميع أبنائه.
هذه هي التفاصيل التي كانت تشغل قرنق في اللحظة تلك، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى كانت تتعلق بمستقبل العلاقة مع حكومة الشمال في تلك القضايا التي لا تزال عالقة ومؤجلة الحسم كمسائل النفط الذي كان قد بدا يطل بإغرائه من الجنوب ومنطقة آبييه، والعلاقة مع حكومة الشمال خاصة وأن اتفاق السلام يقضي بأن يكون قرنق نائبا لرئيس الجمهورية، وتلك كلها مسائل معقدة في تفاصيلها، زيادة إلى تلك التفاصيل التي تخص قرنق وحده في إدارة الشأن الجنوبي وعلى رأسها تحويل المقاتلين السابقين في الحركة الشعبية إلى قادة جدد لمعركة بناء الجنوب وإقامة الدولة الحلم التي تعيش في قلوب أبناء أجيال من الأفارقة الذين توسموا دائما الخير الكثير في رؤية قرنق للدولة وللحقوق المدنية فيها ولأسلوب جديد في ممارسة الحكم في القارة السمراء.

في لحظة ما كان يبدو أن الرجل يواجه تحديات أكثر تعقيدا من تلك التي كان قد واجهها وهو يقاتل في غابات الجنوب ضد القوات الحكومية الشمالية، أو تلك التحديات التي كان يواجهها في منابر العالم التي تنقل بينها وهو يحاول أن يجد المزيد من الفهم والتأييد للأزمة والحرب في جنوب السودان.

فرح الجنوبيون كما لم يفعلوا في كل تاريخهم بذلك الاتفاق وانصرفوا في اليوم التالي لجمع أغراضهم البسيطة جدا، عائدين بحثا عن ذاكرتهم المعطوبة في جنوب السودان، وامتطى في المقابل قرنق صهوة الحاضر الجديد في معركته الكبيرة لأجل جنوب سودان حلم به أكثر من كل الرفاق الآخرين وباسم كل الجنوبيين.

لم يكن التعاطي مع الواقع الجديد سهلا في العلاقة المركبة الجديدة بين الشمال والجنوب خاصة وأن قرنق سيدخل الخرطوم لأول مرة كنائب للرئيس وسيدخل القصر الرئاسي وسيفرش له السجاد الأحمر كما لم يحدث في تاريخ السودان من قبل.
فضل قرنق أن يقيم في أحد فنادق العاصمة الخرطوم قبل أن يقوم بأول رحلة خارجية له بعد تنفيذ اتفاق السلام، إلى الجارة الجنوبية أوغندا، وبصفته الرئاسية الجديدة نائبا لرئيس جمهورية السودان، وليس زعيما للحركة الشعبية.

خرج قرنق ولم يعد من رحلته تلك إلا ليقام له وداع وعزاء في العاصمة الجنوبية جوبا، لأسباب قالوا بشأنها أن الأحوال الجوية في تلك الليلة لم تسمح لطائرة الهليكوبتر التي استقلها قرنق أن تصل به في أمان إلى مقصده في جنوب السودان.

مات قرنق لنكتشف جميعا سر إصرار الرجل على أن الشيطان يقيم في التفاصيل، ويغيب عن تلك العناوين الكبيرة التي نراها جميعا، ويبدو أن ما قاله لي قرنق في ذلك المساء ينطبق على جميع مشاهد الحياة.

فما أكثر التفاصيل وما أكثر الشياطين التي تقيم في تفاصيلها يا صديقي الراحل الكبير قرنق.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG