Accessibility links

إرادة امرأة واحدة كانت كافية لقلب المشهد بالكامل في ظل تلك الأخبار الواردة من الشرق الاوسط وشمال إفريقيا عن جماعات متشددة تتنافس فيما بينها في صناعة مشاهد الموت وفي ظل حالة يأس وإحباط ملأت قلوب ونفوس الذين أوقعتهم أقدارهم في أمكنة مشتركة مع تلك الجماعات.

كان للدكتورة مارغي انسين رئيسة الجامعة الأميركية في نيجيريا قصة مختلفة تماما في إرادة صناعة الحياة حتى والمشهد بكامله من حولها يعمل على ترسيخ فعل الموت في كل محاولة حياة في المكان.

الدكتورة مارغي اختارت أن تقف بكل قامتها وقوتها الإنسانية والعلمية لتقود مبادرة علمية لكنها إنسانية في جوهرها بإعطاء البنات المختطفات من قبل جماعة "بوكو حرام" النيجيرية المتشددة منح دراسية في جامعات أميركية ووراء ذلك قصة طويلة.

الهروب من بوكو حرام

في مطلع ربيع العام الحالي وقف العالم مدهوشا أمام حالة إختطاف لأكثر من ثلاثمئة طالبة من المدارس والجامعات النيجيرية من قبل بوكو حرام وبذلت الحكومة النيجيرية وكثير من الأطراف جهودا في سبيل إنقاذ الفتيات من المصير المجهول لكن والعالم يحاول إيجاد حلول لأزمة الإختطاف تلك بادرت فتيات من بين المختطفات إلى البحث عن حلول فردية تقيهن من أوجاع ذلك الجحيم الذي وقعن فيه.

لم تكن هناك حلول كثيرة أمامهن وأفضل الحلول المتاحة هي المغامرة بممكن الموت في حالة إنكشاف سرهن لكنها حالة موت في كل حالاتها فلتكن هناك محاولة شرف أخيرة على الأقل قبل مواجهة القدر المحتوم.

لحظتها قررت 11 فتاة من بين المئات الأخريات الهروب من قبضة الجماعة ومواجهة المصير المجهول.

قرار كان في قمة الجنون كما تقول إحداهن لاحقا لكنه الجنون الذي قاد الفتيات إلى النجاه بأنفسهن عندما وصلن إلى أطراف قرية نائية وفر لهن الأهالي هناك بعض الأمان لبعض الوقت على الأقل قبل أن تباشر الفتيات لاحقا البحث عن خيط إتصال بأهاليهن في مدن أخرى بعيدة عن النظر وبعيدة في مسافات الوصول إليها.

مباردة مارغي

عرفت مارغي بقصة هروب الفتيات ونجاتهن فأطلقت مبادرتها في حينها معلنة إستعداد الجامعة الأميركية لفتح أبوابها للفتيات وتوفير مكان آمن لهن بمعية أولياء أمورهن في خطوة أولى.

وصلت الفتيات إلى مقر الجامعة ونعمن ببعض الأمان فيما كانت مديرة الجامعة على الطرف الآخر من المكان تواصل إتصالاتها مع كافة شركائها لتحول مبادرتها إلى حقيقة قائمة في حياة الفتيات الناجيات من قبضة الجماعة.

لاحقا وصلت أخبار أخرى بتمكن أربع فتيات أخريات من الهروب من قبضة الجماعة وتجدد الجامعة الأميركية ترحيبها بالناجيات الجديدات ليتم إلحاقهن بالسابقات.

في ذلك الصباح سيطر خبر تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام وقرار الرئيس باراك أوباما بمواجهته على أغلب عناوين الصحف الأميركية خاصة وأن ذلك يتصادف مع الذكرى 13 لهجمات 11 أيلول/سبتمبر.

في اثناء ذلك تنشغل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمخاطر إنتشار هذا التنظيم وتهديده لإستقرر المنطقة بكاملها.

وسط هذه الأجواء تعتلي مارغي منصة نادي الصحافيين بواشنطن لتعلن عن مبادرتها بإستقبال الفتيات (15) الهاربات من قبضة بوكو حرام في جامعات أميركية.

تقول الأكاديمية الأميركية من على منبر نادي الصحافيين إنها وشركاءها في هذه المبادرة وضعوا خطة عمل طويلة الأمد لهؤلاء الطالبات يجري تنفيدها على مراحل.

في الأولى منها سيتم إستقبال الطالبات في الجامعات ويعاد تقييم أدائهن الأكاديمي على أن يتم إلحاق المتأخرات منهن بالمدارس العليا وتحضيرهن للدخول الجامعي العام المقبل فيما تخضع الطالبات الجامعيات من البنات الناجيات إلى برامج إستدراك حتى يتم تأهيلهن في نهاية العام الحالي للالتحاق بالجامعات المتخصصة داخل الولايات المتحدة تعويضا لهن على ما فاتهن خلال فترة الإختطاف.

15 فتاة هن الناجيات من جحيم الإختطاف حتى الآن وهن المستفيدات من هذه البرامج في إنتظار البقية التي يمكن أن يكتب لهن النجاة من قبضة بوكو حرام.

مارغي وهي تتحدث أمام صحافيي و اشنطن أعلنت إرادتها الجادة لإستقبال كافة الطالبات المحررات من قبضة الجماعة بعد خلاصهن من هذه المأساة. وهو تحد يتطلب الكثير من التضحيات والإستعدادات الأكاديمية والمادية لكن هناك آخرين هنا في واشنطن يشاركون المرأة قناعتها بضرورة الإنتصار لفعل الحياة وسط موجة الموت التي تريد جماعة بوكو حرام ترسيخها في هذا الجزء من القارة السمراء .

تماما هذا هو السياق الذي جاءت فيه مداخلة مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأمن والسلامة مبرانغا غارسارابوي القادمة هي أيضا من تلك القارة المزدحمة بقصص المآسي و بمعاناة الإنسان في أغلب أجزائها.

تحدثت المرأة بالكثير من الأمل عن بعض رحلاتها الإفريقية وهي الديبلوماسية الأممية التي قضت عشرين سنة كاملة من عمرها في خدمة قضايا السلام في القارة الإفريقية من خلال الأمم المتحدة.

من على نفس المنصة قالت مبرانغا إن جهد الجامعات الأميركية والآخرين في أمكنة مختلفة من العالم يهدف إلى محاربة ثقافة الخوف التي تريد الجامعات المتشددة نشرها في كل مكان. إنهم يريدون تخويفنا وما تفعله الجامعات الأميركية هو رسالة أمل قوية وواضحة لجميع الأطراف بأن إرادة الحياة أكبر من كل ترهيب وتخويف.

الديبلوماسية الأممية كانت مصحوبة بأكاديميين أميركيين وأفارقة بعضهم عمل في بعض الجامعات الإفريقية وبعضهم الآخر يعمل هنا داخل الولايات المتحدة لكن الجميع تشارك في لحظة حزن عميقة وهو يستمع إلى قصص تلك الفتيات الناجيات من قبضة الجماعة في تسجيل صوتي قدمته الجامعة الأميركية للإعلاميين في واشنطن مع إخفاء كامل لوجوههن. وتقول الجامعة عن ذلك إنها ضرورة أمنية بسب مخاوف من مخاطر يمكن أن تصيب عائلات الفتيات الموجودات في نيجيريا.

شهادات ترويها الناجيات

تقول واحدة منهن إنها وهي تقرر مصيرها بهروبها إنطلقت في غابة مجهولة لم تكن تعرف لنفسها إتجاها ولا مصيرا ولكنها لم تكن تملك خيارا آخر سوى الركض إلى الأمام.

كان الموت يتربص بها في كل زاوية وفي كل لحظة إلى أن وجدت خلاصها في مساعدة بعض الفلاحين في قرى قريبة من المكان لكنها تأخد نفسا عميقا وتستجمع قوتها الغائبة لتقول "إنه أمر رائع دوما أن نقدم المساعدة للذين هم بحاجة إليها.. نحن في غاية الإمتنان للجامعة الأميركية على كل الذي تفعله معنا".

ويليام بيرتراند أكاديمي أميركي وعضو في مجلس إدارة الجامعة الأميركية في نيجيريا وجد في المناسبة فرصة ليقول رسالته القوية من موقعه الأكاديمي "من خلال المساعدة التي نقدمها لهؤلاء الفتيات نحن نقدم رسالة قوية لملايين الناس الآخرين في جهات مختلفة من العالم المتطلعين إلى حياة أفضل من خلال الحصول على فرص تعليم أفضل" .

وحدها إرادة الحياة هي التي انتصرت في مبادرة مارغي وشركائها ووحده الترحيب كان رد الجمعيات الحقوقية والناشطين في المجال الإنساني في العاصمة الأميركية تجاه هذه المبادرة التي ثمنها الجميع. وقال فيها آخرون إنها معركة الخير والشر القائمة عبر كامل مسار الإنسان في الحياة لكن الخير هو وحده من يصنع الفارق ويقوي إشارات الأمل في الحياة الأفضل وفي الإنتصار دوما على كافة أشكال ثقافة التطرف وإقصاء الآخر.

إنتصرت إرادة إمرأة مؤمنة بيقين الخير فيها وفي كل الذين حولها وهزمت إرادة الشر في "بوكوحرام "وكل متطرفيها.

شاهد تقرير الحرة حول الموضوع:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG