Accessibility links

logo-print

شيوخ السعودية.. بين إدانة داعش وتشدد الخطاب الديني


العاهل السعودي الملك عبد الله

العاهل السعودي الملك عبد الله

عندما وصف مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة في الشهر الماضي بأنهما "امتداد للخوارج" كان يعتبرهما من المارقين عن الدين مثل الخوارج الذين أحدثوا أول شقاق وفرقة كبيرة بين المسلمين.

وفي الأسابيع الأخيرة بات هذا الخطاب الهادف إلى إبعاد الغلواء عن صحيح الدين أكثر شيوعا بين كبار رجال الدين السعوديين الذين يعملون على مواجهة فكر يهدد حلفاءهم السياسيين من أسرة آل سعود الحاكمة.

ولكن في الوقت الذي يهاجم فيه أتباع الفكر الوهابي الرسمي في السعودية المتشددين وينعتهم بالمارقين والخوارج، يروج الكثير من شيوخها البارزين لأفكار تشجع على التشدد حيال المجموعات نفسها التي استهدفها تنظيم الدولة الإسلامية داعش في العراق.

فقد اتهم الشيخان عبد الرحمن البراك وناصر العمر، وهما من غلاة المحافظين ويتبعهما أكثر من مليون شخص على موقع تويتر الشيعة ببث الشقاق والفساد والدمار بين المسلمين.

وأعفي الشيخ صالح اللحيدان من منصبه كرئيس المجلس الأعلى للقضاء السعودي عام 2008 لرده عن سؤال بشأن أصحاب القنوات الفضائية بالقول "إن من يدعو إلى الفتن إذا قُدر على منعه ولم يمتنع قد يحل قتله" مفتيا بذلك بجواز قتلهم ووصفهم بأنهم "مفسدون".

واتهم الشيخ عبد العزيز الفوزان - حائز على شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وضيف دائم على شاشة قناة المجد الفضائية الدينية ذات الجمهور العريض- الغرب بأنه وراء أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة قائلا إن "هؤلاء المجرمين" يريدون السيطرة على العالم.

واللافت أن مثل هذه الأحاديث التي تحاكي آراء المتشددين في العراق ليست مستغربة في السعودية التي تطبق الشريعة لإسلامية والتي ضربت أعناق 20 شخصا في الشهر الماضي ويشرف فيها رجال الدين على مؤسسة دينية تمولها الدولة بإسراف.

ومن هنا ينظر الغرب إلى السعودية والفكر الوهابي المتشدد على أنهما المنبع الأيديولوجي لتنظيم القاعدة الذي نفذ هجمات في أماكن متفرقة من العالم وجماعة الدولة الإسلامية التي قطعت رؤوسا في سورية والعراق.

لكن المؤسسة الرسمية السعودية تنفي هذا الرأي بشدة، وكتب سفير الرياض إلى بريطانيا الأمير محمد بن نواف مقالا في الشهر الماضي قال فيه إن فكر المتشددين "لا يتطابق ولو حتى بشكل بسيط" مع مبادئ الفكر الوهابي.

كما تشعر أسرة آل سعود بحساسية خاصة تجاه مثل هذه الانتقادات ليس فقط بسبب الثمن الباهظ الذي تكبدته لقمع تمرد قبل عقد من الزمن أسفر عن مقتل المئات بل لأن شرعيتها تقوم في جانب منها على الأهلية الدينية التي يحددها الشيوخ الوهابيون.

وتشير السلطات السعودية إلى تأثير الجناح المتشدد من جماعة الإخوان المسلمين في تطوير الفكر الجهادي الحديث، لكنها تقلل من تأثير دعم الرياض للإسلاميين حول العالم على مدى عقود كوسيلة لمواجهة العقيدة اليسارية المناهضة للملكية.

غير أن عجز الحكومة السعودية أو عزوفها عن القضاء على الخطاب المتعصب إزاء غير السنة دعا بعض السعوديين الليبراليين والمحللين الغربيين إلى السؤال عما إذا كانت السعودية ملتزمة بمعالجة التطرف من جذوره أم أنها تكتفي بمداواة أعراضه.

وقال ستيفان لاكروا مؤلف كتاب "صحوة الإسلام" الذي يتناول التيار الاسلامي في السعودية "قد لا نتفق مع تعريفهم للتطرف، لكن الشائع جدا وصف الشيعة بأنهم كفار، ولا ينظر إلى هذا على أنه تطرف."

دعم المعارضين للأسد

ويسبغ رجال الدين الوهابيون الشرعية على حكم الملك ويحشدون له الدعم الشعبي ويتركون له تولي جميع جوانب الحكم والسياسة الخارجية طالما لا تتعارض مراسيمه مع تعاليم الدين.

وفي المقابل عينت الأسرة الحاكمة رجال الدين في أعلى وظائف الدولة وأتاحت لهم فرض رؤيتهم لأحكام الشريعة الاسلامية، وبات لهم تأثير عظيم على الجوانب الاجتماعية وقواعد الأخلاق العامة كما قدمت لهم التمويل السخي للدعوة الخارجية ومعاهد تعليم المذهب الوهابي.

وقامت الرياض بتقديم السلاح والمال للمقاتلين السوريين الذين يحاربون نظام الرئيس بشار الأسد الذي ينتمي للطائفة العلوية المنبثقة من الطائفة الشيعية.

لكنها أيضا تعتبر أن عددا من الجماعات المسلحة التي تقاتل في سورية مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية تمثل تهديدا لأمنها وتخشى تشدد آلاف السعوديين الذين توجهوا إلى سورية للقتال هناك وأن يستهدفوا بلادهم نفسها لدى عودتهم.

وأعلنت المملكة حظر الجماعتين وفرضت أحكاما طويلة بالسجن على كل من يقدم لهما الدعم أو المال.

وعبرت المؤسسة الدينية الوهابية التي أعلنت أن الصراع في سورية هو "جهاد ولكن للشعب السوري وليس للسعوديين" وحثت المواطنين تكرارا على عدم التوجه للقتال هناك.

من جهتهم يعمد المتشددون على الاستشهاد دوما بأقوال مشايخ وهابيين من القرنين الـ18 و الـ19 لكنهم يعتبرون خلفاءهم الحاليين أدوات للحكومة السعودية التي تعهدوا إطاحتها رافعين شعار "قادمون".

وقال الباحث في مؤسسة الأبحاث الدفاعية النرويجية ومؤلف كتاب "الجهاد في السعودية" توماس هيجهامر إن "الجهاديين توقفوا عن الاستشهاد بالمشايخ السعوديين البارزين في الدولة منذ سنوات طويلة"، مضيفا أن جماعة الدولة الإسلامية تبتعد بدورها عن الاستشهاد بالمشايخ السعوديين القلائل الذين كانوا يدعمون يوما القاعدة وهم اليوم في سجون المملكة بسبب الشقاق بينها وبين القاعدة.

السعوديون الليبراليون

خلال العقد الأخير حاولت السلطات السعودية الحد من نفوذ رجال الدين المتشددين عبر سجن أو طرد أولئك الذين يدعمون التيار المتشدد صراحة، كما أنه تدقق في خطب الجمعة وحصرت إصدار الفتاوى بالأعضاء الـ21 في هيئة كبار العلماء.

لكن السعوديين الليبراليين لا يعتبرون هذه التدابير كافية، ويرون أن إقدام رجال الدين على استخدام لغة ذات نبرة طائفية عالية والتعبير عن ازدراء غير المسلمين ومشاهر الكراهية تجاههم تغذي الفكر المتشدد.

وقال جمال خاشقجي الذي يرأس محطة تلفزيونية يملكها أمير سعودي، إن الطريقة الوحيدة لمواجهة القاعدة والدولة الإسلامية تكمن في الشفافية والانفتاح، وكشف أن هناك مشكلة تتمثل في أن بعض التعاليم تروج للتشدد وأنه لم تعد هناك حاجة لمثل هذه التعاليم.

ولا تزال بعض الكتب المدرسية التي كتب رجال دين شقا كبيرا منها تعبر عن مشاعر قوية ضد غير المسلمين على الرغم من تعهد الرياض بتطهير مناهجها من العبارات التي تنم عن عدم تسامح.

من جهته مارس الملك عبد الله ضغوطا في سبيل الترويج لتفسيرات أكثر تسامحا للفكر الوهابي، وعين شيعة في مجلس الشورى الذي يقدم النصح للملك حول السياسة العامة ودعا إلى بناء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية في الرياض مما أثار استياء بعض الوهابيين.

ويقول مؤيدو آل سعود أنه ينبغي أن تتأنى الأسرة الحاكمة لدى التعامل مع رجال الدين المحافظين وإنها أكثر ليبرالية من معظم المواطنين السعوديين لكنها تخشى إثارة غضب الجماهير.

من ناحية أخرى يقول سعوديون ليبراليون ومحللون غربيون إن هذه المبررات ليست في محلها وإنه لو كانت الحكومة تريد حقا القضاء على التعصب الديني لتمكنت من ذلك.

وقال محمد الزلفة وهو عضو سابق في مجلس الشورى وأحد أوائل النشطاء الداعين للسماح للنساء بقيادة السيارات "عندما تريد الحكومة أن تفعل أمورا معينة فستفعلها".

المصدر: رويترز

XS
SM
MD
LG