Accessibility links

logo-print

في كاليفورنيا.. المسيحيون السوريون قلقون على حاضر سورية ومستقبلها


أنقذوا حلب صورة من صفحة فيسبوك تابع لصندوق إغاثة الأرمن السوريين

أنقذوا حلب صورة من صفحة فيسبوك تابع لصندوق إغاثة الأرمن السوريين


لينا.. امرأة سورية دمشقية خرجت ذات يوم آمن من دون قصف للتبضع بـ"الضروريات من الحارة"،. كانت لينا تسكن في حارة مسيحية في دمشق.. يومها فاجأ القصف المارة في ساحة جورج خوري.. أصيبت لينا بعدة شظايا وفارقت الحياة.. يذكرها جورج (اسم مستعار) والدموع تلمع في عينيه.

كيفورك كراجيان طبيب أشعة سوري حلبي، كان يوما في عيادته، فدخل عليه شخص من الشارع شعر أن شيئا غريبا حصل معه. لم يكن ينزف ولكن كانت هناك جراح في جسمه. أجرى الطبيب له تصويرا بالأشعة،فتبين أنه كان مصاب برصاصة طائشة دخلت إحدى رئتيه وخرجت من جسمه. ثم انهار الرجل بين يدي كيفورك. هرع به إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة.

وغابي (اسم مستعار) رجل أعمال حلبي تغيرت حياته بالكامل بعد أن بدأت المدينة التي ولد فيها تتحول إلى جبهة حرب.. انقسمت عائلته وتشتت بين الولايات المتحدة ولبنان. "الحمد الله ما مات حدا منهم، لكن أصبحت كل عائلتي مهجرة. لا اعتقد أني سأعود يوما إلى حلب". هكذا قال غابي.
أنا قلق على وضع المسيحيين ليس فقط بسورية بل في كل الشرق الأوسط
كثيرة قصص الموت والدمار والتهجير التي يخبرك بها سوريون مسيحيون يعيشون في ولاية كاليفورنيا وتحديدا في ضواحي مدينتي سان دييغو حيث يوجد تجمع للسريان الأرثوذكس، ولوس أنجلوس حيث تتجمع جالية كبيرة من الأرمن الأرثوذكس.

منذ وقت غير بعيد كانت المدن السورية خصوصا دمشق وحلب وحمص تعكس بسكانها فسيفساء مؤلفة من مجموعات دينية وعرقية تتعايش فيما بينها، غير أن بعض المناطق أو الحارات فيها كان يطلق عليها وصف الحارات المسيحية. فالمسيحيون السوريون الذين يشكلون 10 في المئة من مجموع عدد السكان في سورية يتجمعون تاريخيا حول كنيستهم لا فرق إلى أي طائفة انتموا.

"استطاع المسيحيون منذ بدء الثورة السورية أن يبقوا على حياد لجهة تأييد النظام أو المعارضة"، قال طوني (اسم مستعار)، "لكن عندما تحرق النار شجرة تحترق الغابة بأكملها.. لذا أقحمت المناطق المسيحية من خلال عمليات قصف عشوائية أو من خلال أعمال بلطجة من الفريقين المتحاربين".

زافين خانجيان

زافين خانجيان

والمناطق المسيحية في منطقة حلب على سبيل المثال هي إما خطوط تماس بين قوات النظام وبين المعارضة المسلحة، أو هي مقسمة بين القوتين العسكريتين المتقاتلين.

"واشنطن في الاتجاه الخاطئ"

ومع تدهور الوضع الأمني وتصاعد العمليات العسكرية في سورية، يشعر المسيحيون السوريون في المهجر بأنهم يشهدون نوعا من "تطهير عرقي" بحسب غابي، الذي أضاف "أخاف أن يصبح مصير المسيحيين في سورية كمصير اليهود فيها.. إذ لم يبق من يهود سورية إلا الذاكرة وبعض الأبنية التي تحكي أنهم كانوا يوما موجودين هناك".
أخاف أن يصبح مصير المسيحيين في سورية كمصير اليهود فيها

ويقول غابي "خطف المطرانين أكبر دليل على ما أقول، إنهم يسعون إلى إخافتنا".

والمطرانان هما مطران حلب لطائفة الروم الأرثوذكس بولس اليازجي ومطران طائفة السريان الأرثوذكس يوحنا إبراهيم، وقد خطفا في نهاية أبريل/نيسان الماضي قرب حلب.
ولم يتبن اي طرف مسؤولية خطف المطرانين، إلا أن مصادر في الكنيسة الأرثوذكسية أعلنت أن الخاطفين قد يكونون من "الجهاديين الشيشان" الناشطين في بعض الشبكات الإسلامية في تركيا.

هذا الحديث جعل مروان (لم يفصح عن اسم عائلته) ينتقد الإدارة الأميركية لـ"ذهابها في الاتجاه الخاطئ.. إنهم يساهمون في خلق دولة فوضوية".
ويتابع مروان "جبهة النصرة تستهدف المسيحيين لأنهم مسيحيون فقط".

ويعتقد مروان ورفيقيه جورج وغابي أنه على الإدارة الأميركية أن لا تتدخل عسكريا لصالح هذا الطرف أو ذاك، بل أن تتدخل "سياسيا فتجبر المتحاربين على الجلوس إلى طاولة الحوار".

ويعرب المسيحيون السوريون من مختلف طوائفهم وعرقياتهم عن قلقهم بسبب ما آلت إليه أوضاع المسيحيين.

"خسارة الحرية الدينية"

ففي لوس أنجلوس حيث أكبر تجمع للمسيحيين السوريين من طائفة الأرمن الأرثوذكس، قال زافين خانجيان الذي يعمل في مجال العقارات والمولود في حلب، "إن المسيحيين لا يخافون على حياتهم بل هم يخافون مما يخبئ لهم المستقبل في سورية خصوصا أن ينال من نوعية حياتهم فقد كانوا يتمتعون بالحرية الثقافية والدينية، وهذا ما نخاف خسارته".

ولكن ماذا يفعل هؤلاء الأفراد لمساعدة أقاربهم الذين لا يزالون في سورية وقد تجاوزت حصيلة القتلى الذين سقطوا في هذا البلد منذ بدء النزاع في 18 مارس/آذار 2011 وحتى الآن أكثر من 110 آلاف، بحسب آخر إحصاء للمرصد السوري لحقوق الانسان.

مطران الساحل الغربي للولايات المتحدة للأرمن الأرثوذكس موشي مارديروسيان

مطران الساحل الغربي للولايات المتحدة للأرمن الأرثوذكس موشي مارديروسيان

في مطرانية الأرمن الأرثوذكس في غلينديل إحدى ضواحي لوس أنجلوس، يدق مطران الساحل الغربي للولايات المتحدة للأرمن الأرثوذكس موشي مارديروسيان ناقوس الخطر ويقول "لقد تراجع عدد أبناء الطائفة الأرمينية في سورية إلى 70 ألف شخص بعدما كان يوما 200 ألف شخص"..

ولا يخفي مارديروسيان أن تراجع عدد أفراد الطائفة الأرمينية في سورية يعود إلى عوامل عدة منها العامل الاقتصادي، غير انه يؤكد أن النزاع هناك ساهم بشكل واضح في تهجير العديد من الناس قسرا.

ولكن مارديروسيان يؤكد أن الشعب الأرميني الذي استطاع البقاء على قيد الحياة رغم "المجزرة التي ألمت به عام 1915، سيبقى اليوم على قيد الحياة رغم أن الأرمن كغالبية المسيحيين هم عالقون بين المتقاتلين".. لكن مجتمعنا منظم"..

ويقود زافين خانجيان صندوق إغاثة خاص بالأرمن السوريين، يسعى لجمع المساعدات، خصوصا وأن الوضع في حلب "سيء للغاية".

ويلفت خانجيان إلى أن الأرمن جاؤوا إلى سورية عموما وحلب خصوصا بعد "مجزرة عام 1915.. لقد عشنا في سورية عموما وفي حلب خصوصا حياة جيدة.. في سورية قام مجتمعنا من تحت الرماد وتجسد من جديد".
المسيحيون لا يخافون على حياتهم بل هم يخافون مما يخبئه لهم المستقبل في سورية

ويتابع خانجيان "اليوم الوضع سيء لقد تراجع عدد الارمن الموجودين في سورية كثيرا.. لقد هرب الكثيرون إلى لبنان وآخرون لجأوا إلى أرمينيا.. والمقتدرين وحملة الجنسيات لجأوا إلى أوروبا والولايات المتحدة".

وبحسب خانجيان فإن المناطق التي يتواجد فيها الأرمن أضحت مناطق خطوط التماس بين قوى المعارضة وقوى النظام.. "هناك مناطق هي بالفعل مناطق القتال وخطوط متقدمة وأصبحت خالية تماما من سكانها كالميدان والشيخ طه بعد أن دمرت وحرقت وسلبت، بينما منطقة العزيزية هي أفضل حالا من الناحية الأمنية".

ويسعى خانجيان ومجموعة من الجالية الأرمينية السورية الأميركية إلى جمع المساعدات وإرسالها إلى سورية.

مع حلول عام 2012 بدأنا نخشى على سورية وأهلنا فيها.. وفي أغسطس/آب من تلك السنة أسسنا منظمة لمساعدة الأرمن السوريين باسم صندوق إغاثة الأرمن السوريين Armenian Syrian relief fund الذي يضم تحت مظلته 10 مؤسسات أرمنية مختلفة.. وفي سورية حصل الشيء نفسه، تم تأسيس مؤسسة تضم كل المؤسسات الإنسانية الأرمنية. هذا التحالف ساعدنا في التعامل مع مؤسسة واحدة متعددة الاختصاصات".



مطران السريان يتحدث عن وضع المسيحيين في سوريبة الإنكليزية
وبسبب بعد المسافة، قال خانجيان "أفضل طريقة للمساعدة هي إرسال المال".

وبدأ أفراد هذه المؤسسة الجامعة السعي لرفع مستوى الوعي لدى الجالية من خلال مقالات في الصحف والمواقع الالكترونية الأرمينية والاعلانات في القنوات التلفزيونية الخاصة وفي الكنائس والنوادي.

"وهكذا بدأنا نجمع الأموال والناس كانت تستجيب خصوصا وأن سورية تعني الكثير لعدد كبير من أبناء الجالية. وقد أرسلنا أكثر من 600 ألف دولار إلى بطريركية الأرمن الأرثوذكس في لبنان والتي تتولى إرسال هذه المساعدات إلى سورية".

مساعدة العائلة

لا تقتصر هذه الجهود على الأرمن فقط بل يسعى المسيحيون السوريون ككل أعضاء الجالية السورية إلى مساعدة أهلهم العالقون في "آتون النار".

فطبيب الأشعة كيفورك كراجيان، الذي ترك حلب بعد تفاقم حدة النزاع فيها خصوصا وأن لديه ابنا يعاني من مرض التوحد، يسعى من خلال الجمعية إلى جلب التبرعات.. "لكن على الصعيد الشخصي، سوف أسعى جاهدا لمساعدة عائلتي إذا طلب مني أهلي وأخوتي".

بينما تعيش والدة غابي معه وقد علقت في سان دييغو التي كانت تزورها، فيما أتى شقيقه إلى الجامعة. وهما الآن حائزان على وضع حماية مؤقت من الدولة الأميركية. وهو برنامج يسمح للسوريين بالبقاء في الولايات المتحدة مؤقتا نظرا للمخاطر الشديدة لعودتهم إلى بلدهم.

أما أولاد شقيق جورج، فهم غادروا دمشق إلى بيروت ومونتريال سعيا لإيجاد فرص عمل ومستقبل أفضل.

مستقبل مسيحيي سورية

ولكن هل يخاف مسيحيو سورية في المهجر على مصير المسيحيين في الوطن الأم؟

أجاب المطران موشيه مرديروسيان "أنا قلق من وضع المسيحيين ليس فقط بسورية بل في كل الشرق الأوسط.. لكنني أؤمن أن هذه المنطقة هي مهد المسيحية وأن الله سيساعدنا للبقاء فيها.. لن نفقد الأمل رغم أن المستقبل لا يبدو مشرقا".

ردد خانجيان بدوره كلمات المطران الأرميني، وقال "انظري إلى فلسطين والعراق ومصر ولبنان وسورية.. أين هم مسيحيو الشرق؟ إنه أمر محزن للغاية".
جبهة النصرة تستهدف المسيحيين لأنهم مسيحيون فقط

أما كراجيان فقال "إن المسيحيين كغيرهم من السوريين الذين هم غير معنيين في هذا النزاع هم عالقون بين النيران".

غير أن غابي يذهب أبعد من ذلك ليقول "اعتقد أن المسيحيين لن يكون مرحبا بهم في سورية في المستقبل".

أما مروان الذي يؤكد أن الحرب القائمة اليوم في سورية هي "بين الشيعة والسنة"، يقول "عندما يفرغون من بعضهم سيستهدفون المسيحيين، هكذا حصل في العراق.. مدينة سان دييغو صارت تعج بالعائلات السريانية الهاربة من العراق وسورية".

وبرأي جورج فإن "السوريين المسيحيين لم يلعبوا أي دور سياسي منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946 إلا مرة واحدة مع فارس الخوري، المسيحي الذي كان يوما رئيسا للوزراء.. هم اليوم محكوم عليهم.. أنا قلق على حاضرنا قبل قلقي على مستقبلنا في سورية".

وينهي جورج كلامه بلهجة يغمرها الأسى والحزن "كلما اتصلت بأخي في سورية وسألته عن الوضع يجيبني: دمار بدمار!"

  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG