Accessibility links

logo-print

هل يعيد فيلم الأمير عبد القادر الجزائر إلى السينما العالمية؟


لوحة زيتية لعبد القادر الجزائري

لوحة زيتية لعبد القادر الجزائري

يخشى العديد من النقاد والمهتمين بعالم السينما في الجزائر أن يتحول فيلم الأمير عبد القادر الذي سينطلق تصوير اللقطات الأولى منه في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، إلى مجرد شريط سينمائي مصور، بدل "ملحمة" سينمائية كما يتمناها القائمون على الإنتاج وكل الجزائريين بالنظر لأهمية شخصية الأمير باعتباره مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.

ومنذ الإعلان الرسمي عن اتفاق بين وكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي والشركة الأميركية "سينما ليبر أستوديو" الكائن مقرها في هوليوود، حتى بدأ الجدل يحتدم وسط طبقة المثقفين في الجزائر، وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، بين متفائل بنجاح التجربة السينمائية ورافض لبعض تفاصيل المشروع.

وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد انتظار سنوات عديدة، بسبب عدم رسو الجانب الجزائري على مخرج في مستوى إنتاج الفيلم، الذي يصور أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخ الجزائر.

ويقضي الاتفاق بإسناد مهمة إخراج الفيلم إلى السينمائي الأميركي شارل بورنت، مخرج العديد من الأفلام مثل "Killer of Sheeps" سنة 1977 ، و "ناميبيا الكفاح من أجل الحرية" (2007).

أما كتابة السيناريو فتقاسمها المختص في علم الإنسان الجزائري والمختص في تاريخ الأمير عبد القادر والصوفية زعيم خنشلاوي، والسينمائي والمنتج الفرنسي فليب دياز.

يروي هذا الفيلم أهم الأحداث التي ميزت حياة الأمير عبد القادر، بدءا بمقاومة الاستعمار الفرنسي، وإنقاذ أكثر من 12 ألف مسيحي في سورية سنة 1860. كما يصور جوانب أخرى من حياة الأمير الذي عرف ايضا بالشعر والتصوف.

مخرج أميركي أم جزائري؟

هذا الاتفاق وإن لقي ترحيبا من قبل الأوساط الإعلامية والمثقفة، لكونها انتظرته طويلا، إلا أنه أثار العديد من الاستفسارات والتعليقات حول إسناد العمل إلى مخرج أميركي، وليس جزائري أو حتى عربي، على دراية بالثقافة الجزائرية والعربية.

وفي هذا الصدد، يقول الناقد السينمائي الجزائري أحمد بجاوي "أظن أن رمزا كالأمير عبد القادر لابد أن يمنح إلى مخرج جزائري. كنقاد ومسؤولين في مجال السينما كنا نفكر في إنتاج مشترك مع أميركا، وليس منح الإخراج لأميركي".

وأضاف في حوار مع موقع "راديو سوا"، أن هناك عددا من المخرجين الجزائريين من بينهم رشيد بوشارب ومحمد لخضر حمينا وأحمد راشدي، "القادرين على منافسة هذا المخرج، وإذا كانت هناك مساعدة أميركية في مجال الخبرة فمرحبا بها".

وعرف رشيد بوشارب بإنتاج العديد من الأفلام الكبيرة، مثل "خارجون عن القانون" الذي كان ضمن الأفلام المرشحة لنيل السعفة الذهبية في مهرجان كان سنة 2010، ونال العديد من الجوائز منها الجائزة الذهبية لفئة الأفلام العربية في الدورة الـ18 لمهرجان دمشق السينمائي الدولي.

أما محمد الأخضر حمينا، فقد كان أول مخرج سينمائي عربي ينال جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان سنة 1975، عن فيلم "وقائع سنين الجمر" الذي يصور جانبا من نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، في حين أخرج أحمد راشدي العديد من الأفلام التاريخية، آخرها عن بطل المقاومة خلال حرب التحرير الجزائرية، مصطفى بن بولعيد.

ويرى بجاوي أن المخرجين السابقين إضافة إلى بن عمر بختي مخرج فيلم "بوعمامة" في مستوى منافسة المخرج الأميركي.

وحسب المتحدث، فإن اللجوء إلى مخرج أميركي مشهور، قد تكون له علاقة بالجانب التجاري وعائدات الفيلم في السوق العالمية.

أما الكاتب والإعلامي حميد عبد القادر، فلا يرى حرجا في أن تسند المهمة إلى مخرج أميركي، معتبرا أن شخصية بحجم الأمير عبد القادر تتطلب مخرجا كبيرا، من حجم شارل بورنت "حتى يكون الفيلم في مستوى قامة شخصية عظيمة مثل الأمير عبد القادر".

وأضاف حميد عبد القادر، في حوار مع موقع "راديو سوا"، أنه سبق لمخرجين عالميين أن أخرجوا أفلاما عن شخصيات أثرت في التاريخ العربي الحديث على غرار مصطفى العقاد، "الذي قدم فيلما رائعا عن المقاوم الليبي عمر المختار".

وأوضح أن "المسألة هنا في غاية الأهمية، ولا تحتاج للخطأ، ولا لأي دوغمائية وطنية منغلقة. ثم أن شخصية الأمير عبد القادر شخصية عالمية وإنسانية".

ولا يرى إدريس الجزائري، الدبلوماسي السابق وأحد أحفاد عائلة الأمير عبد القادر، مانعا في أن يكون مخرج الفيلم أميركيا. وقال "ما يهمنا هو أن تكون نوعية الفيلم على أعلى مستوى، ولا أريد أن أدخل اعتبارات سياسية".

وأضاف أنه من هذه الناحية "ليس لدي مشكل إذا وجد المشرفون على الفيلم أشخاصا مناسبين من أي مكان في العالم".

والرأي ذاته يعبر عنه مخرج الفيلم شارل بورنت الذي قال "لا أعتقد أن جنسية المخرج مهمة، ولا أرى ضرورة أن يكون المخرج من نفس جنسية العمل".

وأضاف في حوار أجرته معه صحيفة "الخبر" الجزائرية، "هناك ضرورة دائما لتقديم المشاكل الداخلية وفق رؤية خارجية، لهذا فقد أكون أفضل من المخرج الجزائري في هذا العمل، ببساطة لأني لن أكون طرفا في أي اتجاه، فعندما تكون من جنسية غير جنسية الموضوع، ستبذل جهدا كبيرا من أجل تحقيق ذاتك، وذلك بالاستماع إلى الأطراف جيدا".

مضمون برؤية غربية؟

وقد تجاوزت مسألة إسناد الفيلم إلى مخرج أميركي الحدود الفنية والتقنية إلى اعتبارات سياسية وتاريخية تتعلق بالمضمون، الذي يخشى العديد من المعنيين بالمشروع أن يقتصر على جوانب معينة منها الإنسانية على وجه الخصوص من حياة الأمير، وإغفال جوانب أخرى منها دوره في مقاومة الاستعمار الفرنسي.

وفي هذا السياق، عبر إدريس الجزائري عن خشيته من "أن يتم استغلال بعض الأكاذيب والمغالطات خصوصا الفرنسية منها حول الأمير".

ويقول المتحدث "هناك دعاية فرنسية قديمة تقول إن الأمير استسلم للجيش الفرنسي في نهاية مقاومته، وهذا كذب، والحقيقة أنه وقع اتفاق وقف إطلاق النار من الطرفين واشترط الأمير آنذاك أن يقبل الجانب الفرنسي شروطه مقابل توقيع المعاهدة ووقف إطلاق النار. وهناك أكذوبة أخرى تتعلق بانتماء الأمير إلى الحركة الماسونية، وهي تهمة ألصقها به الفرنسيون".

ويذهب حميد عبد القادر، المختص في الشؤون الثقافية إلى العكس من ذلك عندما يعتبر أن هذا الطرح موجود لدى بعض المشككين في خيار المخرج الأميركي. وقال "شخصيا أعتقد العكس تماما، لأن سيناريو الفيلم كتبه باحث جزائري معروف هو زعيم خنشلاوي، ولا أعتقد أنه سوف يخطئ مثل هذا الخطأ".

وأضاف أن المشروع موجود لدى وزارة الثقافة الجزائرية منذ عدة سنوات، ولم يتم إنجازه بشكل استعجالي، مشيرا إلى أنه لا يجب أن "نستبق الأحداث ونحكم عليه أنه سوف يقع في مثل هذا الخطأ".

ويعتقد المتحدث أن الفيلم في النهاية جزائري، وسوف يتطرق لمقاومة الأمير ضد الاستعمار الفرنسي، ولدوره في إنقاذ مسيحيي سورية، كجزء من نضاله في سبيل واقع إنساني ذي صلة بتعاليم الدين الإسلامي، ولن يسير في اتجاه واحد مثلما يروج له البعض.

قطب سينمائي

ومع اختيار مخرج أميركي والاتفاق مع شركة أميركية للإنتاج، يأمل متابعون للفضاء السينمائي الجزائري أن يساهم هذا الإنتاج المشترك في إنشاء قطب سينمائي جزائري، بهدف العودة إلى ما يصفه النقاد بالعصر الذهبي للسينما الجزائرية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وفي هذا السياق، يعتقد أحمد بجاوي أنه بالنظر للوضع الذي تعيشه السينما الجزائرية في الفترة الحالية، فإن التأثير الإيجابي للتعامل مع مخرج أميركي من حجم شارل بورنت، قد يكون على المدى الطويل، من ناحية الوسائل التقنية والديكور.

ويرى أن "الخبرة الأميركية لا يمكن أن تصدر إلى الجزائر كما هي لأن المبادرة في تطوير السينما لابد أن تكون من الجزائريين أنفسهم. يجب أن نطور أنفسنا بالتعاون مع بعض الجزائريين الموجودين في المجال السينمائي في العالم، وكذلك من خلال البدء بفتح القاعات المغلقة وبناء الاستديوهات والمخابر. أعتقد أن فيلم الأمير عبد القادر لا يمكنه سد فراغ كبير في الحقل السينمائي الجزائري".

وللوصول إلى هذا المستوى، يراهن المتحدث على عدد من العوامل منها تجسيد الإرادة السياسية في تطوير السينما، وبالأخص ضبط منهجية عمل، ورفع احتكار الدولة للصناعة السينمائية وفتحها أمام القطاع الخاص، ناهيك عن إنشاء شبكة للتوزيع والتسويق.

ومن جانبه يعترف الكاتب حميد عبد القادر أن "مستوى السينما الجزائرية عرف في السنوات الأخيرة بعض التراجع"، مضيفا أن فيلم الأمير يتطلب إخراجا عالميا، والتركيز على الحركة، وسينما "الأكشن"، وهو ما لم يتعود عليه المخرجون الجزائريون.
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG