Accessibility links

عبد الكريم الكابلي.. شاهد على قرنين


الكابلي في لقائه مع فيلالي

الكابلي في لقائه مع فيلالي

من النادر جدا أن تجتمع كل عناصر الإبداع في إنسان واحد، لكنها الحالة التي تحدث مع الفنان السوداني الكبير "عبد الكريم الكابلي "بما جمعت أنامله من كل مقومات الفنان الشامل الذي يكتب القصيدة ويلحنها و يغنيها في أجمل صورها، ويحقق بذلك معادلة الاختلاف الأولى في مساره الفني الطويل والحافل. والكابلي لا يتوقف عند هذا الحد، إنه يضيف إلى هذا المشهد الإبداعي المتكامل روح ذلك المثقف الذي يملك رؤيته الخاصة للمسارات السياسية والإنسانية والاجتماعية ويجعل من تلك الرؤية فلسفة تحدد مسارته الفنية والإنسانية في الحياة بصورة عامة.

ليس هذا هو كل الاختلاف في حياة الكابلي فنانا وإنسانا، فالرجل الذي انتظر طويلا عند رصيف الحياة حتى يطلق فنه على أسماع أهل النيلين لأنه كان لا يريد لعمه الذي تولى تربيته بعد وفاة والده أن يقول إن ابن أخيه اختار أن يكون "مغنواتي "، وهو أمر لا يجلب الفرح للعائلة الكبيرة في تلك المرحلة من التاريخ العربي. صبر الشاب اليافع طويلا، وعاش تحت الظل عازفا ومغنيا في جلسات سمر الأصدقاء الخاصة، قبل أن يخوض مرحلة جديدة من حياته، ويخرج أعماله الفنية بصوت فنان سوداني آخر في تلك المرحلة من بدايات الرجل.

ولأن للقدر ترتيباته الخاصة، تأجل ظهور الرجل إلى لحظة تاريخية كانت لها معانيها في روح الفنان، وهو يغني لإفريقيا ولآسيا عندما قررت القارتان أن تخوضا معركة عدم الانحياز في سبعينيات القرن الماضي، في وقت كان العالم جميعه يعيش مرحلة القطبية الثنائية بين الشرق والغرب.

منذ ذلك التاريخ، والكابلي رمز للتاريخ في السودان وهو الرجل الذي غنى للإنسان السوداني وللإنسان العربي والافريقي في نصف قرن، كان العالم يتشكل حينها في صورة حركات تحرر واسعة في أغلب الدول العربية، ثم جاءت مرحلة لاحقة تحقق فيها الاستقلال لأغلب هذه الدول قبل أن تحاول هذه الدول الفتية بعهد الحرية في حياة شعوبها أن تخط مسارها المستقل في السياسة العالمية من خلال حركة عدم الانحياز لتلحق هذه المرحلة بمرحلة الانشغال بالتنمية وتحقيق المطالب الاجتماعية لشعوبها، وصولا إلى مرحلة ارتباط الدين بمظاهر التطرف. ينضاف إلى هذا كله ظهور أزمة الهويات المحلية والهوية الجماعية، ليتبع ذلك محاولة من هذه الدول الانخراط في المنظومة العالمية المحيطة بها قبل أن تغرق مجددا في سلطات مطلقة لقيادات عسكرية أرهقت شعوبها، لينتهي المشهد لاحقا بما اتفق على تسميته بالربيع العربي، وما تبع ذلك من تفكك للرؤية السياسية ونمط الدولة التقليدية في أكثر من بلد عربي واحد.

في كل هذا التاريخ يوجد الكابلي هناك، وهو ذلك الفنان الذي اختار أن يغني ويكتب ويعيش للفن بقيمه الإنسانية التي يجتمع عليها الناس في كل مكان من العالم، وفي كل زمان من التاريخ وفي أي مرحلة من التحولات السياسية المرتبكة الطبع في قارة افريقيا المزدحمة دوما بأزماتها واضطراباتها المتجددة.

في كل هذا الخط الطويل من التاريخ وعبر كامل هذه التقلبات المتراكمة والمتجددة، يظل الكابلي دوما هو الصوت عينه والإنسان ذاته الذي لا يتغير يغني هناك ويقول شعره في كل العواصم التي عبرها وينخرط في رحلة طويلة في عمل تلفزيوني طويل ومرهق جدا، يحاول من خلاله أن يوثق لتراث السودان، وتقديمه لأبناء وطنه بأجمل زخم معرفي متاح، لأنه كما يقول هو شخصيا في مفرداته إنه من الصعب أن يجمع الناس على معرفة تفاصيل الفن السوداني بالنظر إلى اتساع الرقعة الجغرافية الواسعة للبلاد بحكم كونها البلد الأوسع مساحة في القارة السمراء قبل انفصال الجنوب عن الشمال عام 2011، إضافة إلى ذلك التنوع العرقي والاجتماعي والثقافي الذي يجعل من السودان بلدا بسمات قارة كاملة لذلك يؤمن الكابلي أنه من الصعوبة بمكان الجمع بكل تفاصيل مكونات المشهد الثقافي في بلد مثل السودان.

لم يغير الكابلي من قناعاته الإنسانية ولا من خطه الفني، وهو بذلك الثبات أسس لنفسه الخط الشخصي الذي جعله يشكل بهذا الخط حالة نادرة جدا في المشهد الفني العربي، كونه آخر من بقي من تلك الأسماء التي ساهمت في تشكيل الذاكرة الفنية المشتركة الجماعية للعرب في النصف الثاني من القرن العشرين. إنه آخر من بقي من أولئك الكبار في جيله الفني كالراحلة الكبيرة أم كلثوم والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ والشيخ إمام وآخرون.

يبقي الرجل على هذه القناعة وهو يتحسس الحمل الثقيل الذي يحمله على كتفيه ويجد نفسه في مواجهة تحولات جديدة لم تكن في أحلامه. فهو على قناعة أن السودان الذي جمع بين أطرافه النيل بمياهه لن تفرقه حسابات السياسة، لكن القدر كتب له أن يشهد انقسام السودان إلى شمال وجنوب، وإعلان استقلال الجنوب بعد حرب طويلة استمرت نصف قرن من الزمن، وبعد مفاوضات ماراثونية بين الجانبين ومرحلة انتقالية استمرت لخمس سنوات قبل أن ينتهي الوضع إلى ما هو عليه الآن عاصمة في الشمال وأخرى في الجنوب.

لم يكن الأمر سهل القبول في مشاعر فنان من طينة الكابلي، ولكنه الواقع الجديد الذي خلف مرارات أخرى في القلب بسبب تلك الأزمات والحروب التي تهز أجزاء مختلفة من السودان، وهو الأمر الذي جعل هذا الفنان وهو يختار الحياة مع ابنيه في هذه المرحلة من حياته بواشنطن أن يطلق مؤسسته الخيرية الدولية من العاصمة الأميركية، ويكون باكورة أعماله في هذا المشروع الخيري الصرف هو إطلاق كتابه الأول باللغة الانجليزية " أنغام لا ألغام ".

في ذلك المساء، التف أبناء السودان في واشنطن حول فنانهم، فالكثير منهم كبرت مشاعره ممزوجة بأغنيات الرجل على اختلاف إيقاعها وطبوعها وتوثيقها للأحداث المحلية والدولية وترسيخ انتمائها إلى النيل بكل سحر الطبيعة فيه وطقوس حياة السودانيين من حوله.

يقول الرجل إنه في مؤلفه هذا لا يقدم دراسة علمية، وإنما يحاول أن يقف على مشارف ذاكرة قرن من حياة السودان والأفارقة والعرب وحتى بقية العالم، وقرن آخر يبدأ لتوه ويحمل الكثير من أسئلة القلق في تفكير الجميع وفي تفكير النخب الباحثة عن الإجابات الشافية بصورة خاصة، وأن كل الذي يطمح إليه هذا الفنان هو إطلاق تلك الشرارة التي يمكن لها أن تشجع الناس على التفكير في الزوايا التي يريد الرجل أن تكون محل تفكير الناس في هذه المرحلة القلقة من التاريخ الإنساني. كثيرة جدا هي القصص التي يقدمها الرجل وهو يستحضر محطات من ذاكرة غنية ومتجذرة في الزمان والمكان، إلا أنه وهو يحاول الانتقاء بين مخزون هذه الذاكرة الواسع، يقول إنه اختار أن ينتصر لقوة الأنغام في صناعة السلام، وليس إلى بارود الألغام في صناعة الموت، ومشاهد البؤس في حياة الناس.

هذا هو الخط الذي يميز الكابلي عبر هذا المسار الطويل وفي كل مراحل العمر بالانتصار لقيمة السلام، وبالدعوة إلى ارتفاع إنساني ثقافي يأخذ الناس بعيدا جدا عن دائرة الأحقاد ويؤسس لفرصة الحياة في سلام وفقا لقيم القبول بالاختلاف والرحمة في العلاقة بالآخر .

والحقيقة أن هذا الخط يتجلى بوضوح أكثر وأنت تقرأ الكابلي شاعرا أو تنظر إليه كصاحب رؤية في كل ما يتعلق بالشأن العام والإنساني في صورة شاملة.

هذا الخط والتميز الذي بناه الكابلي في كل مراحل العمر هو الذي جعل من أعماله تجد قبولا في أجزاء مختلفة من العالم، حيث ترجمت بعض أعماله إلى لغات في أجزاء من قارة آسيا، وقدمت على مسارح هناك، كما أثمرت عن شراكة فنية بينه وبين فنانين آخرين من هذا الجزء من العالم في إطار الالتقاء حول القيمة الإنسانية الشاملة والسامية.

يحاول الكابلي وهو يعيش في واشنطن أن يقدم إسهاما آخر يضاف إلى إسهاماته الكثيرة التي قدمها فيما سبق من العمر من خلال مد جسور التواصل بين إبداعه الفني ورؤيته الفكرية وكتاباته التي يحاول من خلاله أن يقدم للأجيال الجديدة من العرب والأميركيين رؤيته لتحولات تاريخ إنساني، يبدو الآن بعيدا في نظر الكثيرين ويحاول من خلال كل ذلك أن يقدم الإسهام الحضاري الذي يؤمن إلى درجة اليقين أنه كفيل ببناء جسور من الاحترام المتبادل والفهم الأفضل بين جزءين من العالم يقول بشأنهما إن الكثير يمكن أن يتحقق بفعل الالتقاء حول القيم الإنسانية النبيلة التي يؤمن بها الناس جميعا.

يفعل الكابلي ذلك وهو يتنقل بين مراكز النشاط الاجتماعي والفكري لأبناء الجالية من العرب الأميركيين ويقدم كتابه للقراء في كل زاوية في واشنطن ويقدم فنه وأغنياته ورؤيته للإنسان والسلام من على منصة مكتبة الكونغرس. ويؤمن الرجل يقينا أن قيمة السلام وحدها من يملك القدرة على صناعة الوجه الأجمل للعالم وفي كل أجزائه ودوما.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG