Accessibility links

logo-print

ما مصير المعتقلين العرب في السجون العراقية؟


معتقلون داخل أحد السجون العراقية

معتقلون داخل أحد السجون العراقية


يقبع أكثر من 400 معتقل من دول عربية مختلفة في السجون العراقية، ومنهم من لم توجه لهم اتهامات رسمية ، فيما نفذت السلطات العراقية حكم الإعدام في حق بعضهم بتهمة الإرهاب.

وبالرغم من تصريحات المسؤولين العراقيين وعدد من الحكومات العربية حول حل قريب لملف المعتقلين، إلا أن العراق ما زال يحتفظ بالعشرات منهم، في ظروف وصفتها تقارير منظمات دولية بالمشينة.

وفي ظل هذه المساعي يثير المراقبون العديد من الاستفهامات حول مصير هؤلاء المعتقلين والإجراءات الواقعية التي اتخذتها الحكومة العراقية من أجل تسوية هذا الملف.

ويواجه العراق انتقادات متوالية من منظمات حقوقية دولية بسبب معاملة المساجين، ومن بينهم المعتقلون العرب، إذ جاء في آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية حول حقوق الإنسان في العراق أن التعذيب وإساءة معاملة المعتقلين "كان واحدا من أكثر السمات ثباتا وتفشيا في المشهد العراقي الخاص بحقوق الإنسان".

وقال الدكتور فوزي أوصديق، الخبير في القانون الدولي الإنساني إن "وضعية المعتقلين العرب في السجون العراقية أقل ما يقال عنها أن المعتقلين يفتقدون لأدنى الشروط أو الضمانات القانونية المتعارف عليها دوليا".

وأضاف في تصريحات لموقع "الحرة" أن العراق ما زال لم يخرج من أزمته، وبالتالي فإن "المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان المتعلقة بكيفية محاكمة شخص وحقوقه وواجباته غير موجودة".
كان من الأجدر أن يتم تسليم المحكومين أو إنهاء محكوميتهم، وهذه ليست بدعة عراقية، بقدر ما هو عرف وممارسة دولية

وتابع قائلا "أعتقد أنه كان من الواجب على العراق أن يعيد التفكير على الأقل لتصحيح وضعيته في مجال حقوق الإنسان. كان من الأجدر أن يتم تسليم المحكومين أو إنهاء محكوميتهم، وهذه ليست بدعة عراقية، بقدر ما هو عرف وممارسة دولية".

غير أن وزير حقوق الإنسان العراقي محمد شياع السوداني له رأي مخالف، إذ يعتبر أن التعامل مع المعتقلين العرب هو نفسه مع باقي السجناء وفق القوانين العراقية النافذة والدستور والاتفاقيات الدولية.

وأضاف الوزير أن "كل سجين مسموح له بمحامي للدفاع عنه وبالزيارات والحصول على محاكمة عادلة على الرغم من الجرائم البشعة التي يقدم عليها بعض المعتقلين سواء كانوا عراقيين أم عربا".

وأوضح أن سجون العراق تختلف عن السجون العربية كونها مفتوحة للتفتيش من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وبعثة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، وبالتالي "هناك مجهود واضح وكبير في مسألة المتابعة والتأكد من الضمانات القانونية التي يتم توفيرها للسجين".

واتهم "بعض وسائل الإعلام" بما وصفه بـ"محاولة القفز على هذه الحقائق"، معربا في الوقت ذاته عن أمله في "تجاوز هذا الوضع من خلال إبرام الاتفاقيات أو تنظيم آليات للتعاون " مع الدول الأخرى.

وبدوره قال بلقاسم ساحلي الوزير المكلف بشؤون الجالية الجزائرية في الخارج إن وفدا من وزارتي العدل والخارجية والأجهزة الأمنية الجزائرية، زار مؤخرا أربعة سجون عراقية. وقال "اطمأننا على ظروف احتجازهم ومحاكمتهم ووجدناها تخضع للقوانين المتعارف عليها، وكان لديهم إمكانية للاتصال بأهاليهم هاتفيا".

شهادات من أبو غريب

ورغم محاولات الحكومة العراقية التأكيد على أن المعتقلين العرب يعيشون ظروفا جيدة، إلا أن شهادة أحد العائدين من سجن أبو غريب، التي نقلتها عنه صحيفة "الخبر" الجزائرية تروي قصصا مروعة عن التعذيب.

إذ قال السجين الذي عرف نفسه على أن اسمه إيهاب، إن القوات الأميركية ألقت القبض عليه في شهر أغسطس/آب 2004 عند نقطة تفتيش في النمرود، وقامت بنقله إلى مطار بغداد ومنه إلى سجن أبو غريب.
'لا أخفي عليكم، كان الجنود الأميركيون يعاملوننا معاملة أفضل من الشرطة العراقية، فقد حققوا معي وعذبوني نفسيا. ولكن الشرطة العراقية مارست علي كل صنوف التعذيب

وقال إيهاب ''لا أخفي عليكم، كان الجنود الأميركيون يعاملوننا معاملة أفضل من الشرطة العراقية، فقد حققوا معي وعذبوني نفسيا. ولكن الشرطة العراقية مارست علي كل صنوف التعذيب، وكانت توجه اتهامات لا أساس لها ضد جميع الرعايا الأجانب الذين جاءوا من الدول العربية".

وأضاف إيهاب أنه أحيل على محكمة عراقية كان يرأسها قاض عراقي وآخر أميركي، ودون أن يكون له الحق في توكيل محام يدافع عنه، تمت إدانته بـ15 سنة سجنا، ليحوّل إلى سجن تكريت.

ويقول إيهاب إن معاناته الحقيقية بدأت في سجن تكريت بسبب ما وصفه بالصراع الطائفي، لكون القائمين على إدارة هذا السجن من الشيعة. وقال "كانوا ينظرون إلى جميع الرعايا العرب على أنهم جاءوا لنصرة السنة وليس لمقاومة أميركا".

وأشار إلى أن القائمين على السجن مارسوا على المساجين "أبشع أشكال التعذيب، كقلع الأظافر، والضرب المبرح إلى درجة تكسير العظام".

وفي سجن سوسة في السليمانية الذي نقل إليه إيهاب بعد ذلك تحدث عن أشكال أخرى من التعذيب "كان الملازم محمد يعذبني لمدة أسبوع في محجر، مع تحريض الكلاب علي".

وأضاف أنه بسبب هذا الملازم تم تحويل جزائريين من سجن سوسة إلى سجن في بغداد تابع لجيش المهدي، حيث تعرّض مساجين ليبيون وسعوديون وتونسيون للموت تحت التعذيب، على حد قوله.

مساع عربية لم تكتمل

وتبذل الحكومات العربية التي لديها سجناء في العراق مساعي حثيثة من أجل تسوية أوضاع رعاياها، غير أنها لم تتوصل إلى حل نهائي لهذه المسألة، في الوقت الذي تطالب فيه المنظمات الدولية السلطات العراقية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام.

وتوصل عدد من الحكومات العربية إلى اتفاقات مع الحكومة العراقية من أجل الإسراع في تسوية أوضاع معتقليها، إلا أن تجسيد هذه الاتفاقيات عرف تأخرا.

وعن ذلك يقول وزير حقوق الإنسان العراقي إن "الاتفاقيات التي يجري إعدادها هي من أجل تبادل المحكومين بالسجن وفق شروط وآليات نتفق عليها من خلال المفاوضات الجانبية" مع هذه الدول.
توصلت إلى اتفاقيات مع عدد من الدول العربية وهي معروضة أمام مجلس النواب كي تشرع بموجب قانون قبل أن تدخل حيز التنفيذ"

وأضاف في حديث مع موقع "الحرة" أن بلاده توصلت إلى اتفاقيات بهذا الشأن مع عدد من الدول العربية منها السعودية وليبيا واليمن ولبنان والأردن، مشيرا إلى أن هذه الاتفاقيات "معروضة أمام مجلس النواب كي تشرع بموجب قانون قبل أن تدخل حيز التنفيذ".

وبخصوص التأخر الذي يعرفه تنفيذ الاتفاقيات، قال السوداني إن "طبيعة إبرام هذه الاتفاقيات خاضع لإجراءات تتعلق بعمل السلطة التشريعية، ومتى تم الانتهاء من المصادقة وتشريع القوانين تدخل الاتفاقيات حيز التطبيق".

ومن جانبه يرجع ثامر البليهد، رئيس لجنة المعتقلين السعوديين في العراق سبب التأخير في حل قضية المعتقلين السعوديين، إلى ما وصفه بالخلافات السياسية والديبلوماسية بين البلدين، مضيفا أن غياب سفارة سعودية في بغداد ساهم في تعقيد وضعية السجناء السعوديين، بسبب ضعف المتابعة الميدانية.

وأوضح البليهد في تصريحات لموقع "راديو سوا" أنه رغم الخلافات السياسية "إلا أن العراق بدأ في الفترة الأخيرة يوجه رسائل إيجابية بخصوص هذا الملف. لدينا خمسة سعوديين كانوا محكومين بالإعدام نزلت عقوبتهم إلى المؤبد و15 سنة، وأحدهم استفاد من عفو خاص".

وفي السياق ذاته قال ساحلي لموقع "الحرة" إن ملف المساجين الجزائريين بالعراق يخضع لمتابعة من أعلى السلطات في البلاد، مشيرا إلى أن لقاءات المسؤولين الجزائريين بنظرائهم العراقيين توجت باتفاق بين الجانبين.

وأوضح قائلا "طرحنا على السلطات العراقية إمكانية إصدار عفو عن هؤلاء المساجين وهو الطلب الذي لقي صدى إيجابيا لدى السلطات العراقية، وننتظر فقط رد حكومة بغداد".

وأضاف "نحن مطمئنون أن هذه المسألة ستعرف طريقها إلى الحل بما يرضي عائلات الموقوفين وبما يخدم مستوى العلاقات بين الشعبين الجزائري والعراقي والحكومتين".

معتقلون بدون تهم

وتقول تقارير لمنظمات دولية إن العراق ما زال مستمرا في احتجاز آلاف الأشخاص دون محاكمة أو توجيه اتهامات لهم.
منظمات دولية تتحدث عن تجاوزات في السجون العراقية

منظمات دولية تتحدث عن تجاوزات في السجون العراقية


وجاء في تقرير حقوق الإنسان الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2012 أن العراق "احتجز آلاف الأشخاص، كان قد قبض على العديد منهم في سنوات سابقة واحتجزوا بدون تهمة أو محاكمة. وظل التعذيب وإساءة المعاملة متفشيين".

ونسب التقرير إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق القول إن "هناك 12 ألف معتقل بدون محاكمة" في السجون الخاضعة لوزارة العدل فقط. فيما يُعتقد أن هناك العديد من المعتقلين موجودون في سجون تديرها وزارتا الدفاع والداخلية. كما أن العديد من المعتقلين محرومون من الاتصال بمحاميهم أو عائلاتهم"، كما جاء في التقرير.

غير أن محمد شياع السوداني أكد أن معظم الموقوفين كانوا متواجدين ضمن تنظيمات مسلحة وفي مناطق معروفة وعثرت عليهم الأجهزة الأمنية "بدون أي موافقات رسمية لدخولهم إلى العراق ووجدت بحوزتهم أسلحة ومنشورات تحريضية وأسماء لقادة أمنيين، وبالتالي فإن كل الأدلة كانت موجودة وكافية لتوجيه الاتهام لهم".

وفند المسؤول العراقي وجود مساجين عرب دون محاكمة، قائلا إن "الذين يتكلمون عن مساجين عرب لم توجه لهم أية تهمة، أكاذيب. وأنا أدعو أي جهة أو مؤسسة أن تزودنا بأي اسم لمعتقل لم توجه له التهمة. والحقيقة أننا نتلقى الكثير من الأسماء من منظمات دولية ومن مجلس حقوق الإنسان ونجيب عليها بشكل تفصيلي حول التهم الموجهة ومراحل التحقيق أو المحاكمة وطبيعة الأحكام الصادرة".

وتابع قائلا "هناك شفافية ووضوح في هذه الإجراءات وسبق أن وجهنا الدعوة للكثير من المنظمات ومكنّاهم من الاطلاع على الملفات التي يودون التأكد من صحة الوقائع فيها، إلا أنه للأسف هذه المنظمات تعتمد في تقاريرها على ما ينشر من مصادر غير رسمية".

أحكام عشوائية

وموازاة مع وجود معتقلين دون تهمة أو محاكمة، فإن القضاء العراقي يواجه اتهامات أخرى تتعلق بالتجاوزات في حق المساجين الذين صدرت في حقهم أحكام لا تتطابق مع القوانين الدولية أو مع القانون العراقي.

وقال رئيس لجنة المعتقلين السعوديين في العراق إن القضاء العراقي "متهم بعدم الشفافية في التعامل مع ملف المعتقلين وهو الأمر الذي نجم عنه تفاوت في الأحكام".

وقدم البليهد أمثلة على أحكام تمت وفق "المادة 10 جوازات من قانون العقوبات العراقي" حكم بها على 23 سعوديا بأحكام تتراوح بين 10 و20 سنة، رغم أن هذه الأحكام اعتمدت على المادة نفسها.

وأشار إلى أن القانون العراقي ينص على أن لا يتجاوز الحكم وفق هذه المادة "الستة أشهر كحد أقصى ولا ترتفع الأحكام إلا في حالة إعلان الطوارئ التي لم تعلن في العراق".
أخذت اعترافات سعوديين في سجون غير رسمية لا تخضع لإشراف وزارة العدل مثل سجن اللواء 52 الذي تم إغلاقه بمرسوم جمهوري من الرئيس جلال طالباني

وأضاف أن العديد من السعوديين "أخذت اعترافاتهم في سجون غير رسمية لا تخضع لإشراف وزارة العدل مثل سجن اللواء 52 الذي تم إغلاقه بمرسوم جمهوري من الرئيس جلال طالباني".

وأوضح أن "كل الاعترافات التي أخذت في هذا السجن لاغية قانونا، والمشكلة أن الكثير من السعوديين حكم عليهم بالإعدام بناء على هذه الاعترافات".

تضارب في الأرقام

ولا تتوفر أرقام رسمية ونهائية حول عدد المعتقلين من جنسيات عربية في العراق، بسبب ما يصفه المتابعون لهذا الملف بتكتم الحكومة العراقية على العديد من الجوانب المتعلقة به.

وتشير بعض الأرقام التي تنشرها تقارير مختلفة إلى أن عدد السجناء العرب في العراق بلغ 462 سجيناً وبينهم 65 مصرياً و 100 سوري و90 سعودياً و12 تونسياً و15 جزائرياً و23 ليبياً و22 أردنياً و19 سودانياً و24 يمنياً و40 فلسطينياً و13 مغربياً ولبناني واحد.

غير أن رئيس لجنة المعتقلين السعوديين في العراق أكد أن عدد السعوديين الذين كشفت عنهم الحكومة العراقية هو 61 سجينا، مشيرا إلى وجود "العديد من السعوديين في سجون سرية لم يتم إدماجهم في القائمة ولم تعترف بهم الحكومة العراقية رسميا".
شهادات من داخل السجون نقلت صورة لمعاناة المعتقلين

شهادات من داخل السجون نقلت صورة لمعاناة المعتقلين


في حين قال المسؤول الجزائري إن عدد الجزائريين 11 شخصا، من بينهم تسعة أشخاص وجهت لهم تهمة الدخول غير الشرعي إلى العراق واثنان يخضعان للمحاكمة بتهمة الانتماء لمجموعات إرهابية.

مصير المساجين

وفي ظل هذه الأوضاع ما زالت التساؤلات تثار حول مصير المعتقلين العرب في سجون العراق، خصوصا في ظل الاحتقان السياسي الذي يطبع المشهد العراقي.

ويقول الناشط الحقوقي فوزي أوصديق إن الحكومة العراقية لديها ثلاثة خيارات في التعامل مع هذا الملف، بحسب أنواع المحبوسين، فإما إطلاق سراح من لم تتم إدانته أمام جهات قضائية، أو توفير أماكن احتجاز لائقة للمدانين بالإرهاب، أو إرسال من أدينوا بجرائم تتعلق بالنظام العام إلى بلدانهم لاستكمال العقوبة.

ومن جانبه قال وزير حقوق الإنسان العراقي إن حكومته وجهت دعوات لكافة الدول العربية التي لديها معتقلين، في شكل زيارة مفتوحة لعائلاتهم وذويهم وعلى نفقة الحكومة العراقية، وهو ما اعتبره "بادرة حسن نية" في سبيل حل الملف نهائيا.

غير أن أوصديق يرى أن معظم المساعي العربية في ملف معتقليها لدى العراق عبارة عن "فرقعات إعلامية وهي بمثابة اسفنجة لامتصاص الغضب الداخلي لهذه الدول، أو أحيانا لكي تستغل وتوظف سياسيا وليست مساعي جدية ولا ترتقي إلى النية الصادقة لتبادل المساجين بين هذه الدول".
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG