Accessibility links

logo-print

هل يحتاج المثقفون والفنانون العرب إلى تمويل لأحلامهم الكثيرة؟


المشاركون في فيلم 74

المشاركون في فيلم 74

في الآونة الأخيرة بدت البلاد العربية كأنما لا تنتج إلا العنف. من دم إلى دم يتنقل الخبر بين شعوب بعض هذه الدول التي تكاد كلها تعيش الضوضاء عينها. معضلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، وصولا إلى تيه الهويات في عالم متحول شديد التعقيد.
ضجيج هائل ثقيل يطمس هدوء الباحثين عن أصواتهم وأحلامهم في قلب هذه المعمعة. وهؤلاء موجودون على مساحة البلاد العربية، أو على مساحة الكوكب الذي يهربون في اتجاهاته الأربع من أوطان تعمل بلا كلل على طردهم خارجها.
يحاولون، كتاباً وسينمائيين ومسرحيين وفنانين وشعراء وطلاب جامعات، أن يساهموا في التغيير بوسائلهم الخاصة في التعبير. لكن، وفي بلاد لم تجد سبيلها يوماً إلى مأسسة الإنتاج على أنواعه، من السينما إلى نشر الكتب، غالباً ما يجد المبدعون الشباب أنفسهم في أرض وعرة، بلا يد تمتد صوبهم لتساعدهم ولو قليلاً. وغالباً ما يكون العائق بين الشباب وما يريدونه مبالغ ضئيلة، لكنهم لا يقدرون عليها.
غالباً ما يبحث هؤلاء عن أبواب تمويل، أو منح دراسية تدفعهم إلى الأمام. وفي البلاد العربية العديد من المؤسسات والمنظمات التي تعنى بالشأن الثقافي، منها ما هو تابع مباشرة للحكومات، ومنها ما يتلقى تمويله من حكومات بالإضافة إلى جهات مانحة أخرى.
صندوق آفاق
من بين المهتمين بالشأن الثقافي العربي، شقت "آفاق" وهو الإسم المختصر للصندوق العربي للثقافة والفنون، طريقها الخاص واللافت بنظر الكثير من المتابعين لهذا الشأن.
فقبل سبع سنوات، أسس وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة الصندوق ومذ ذاك الحين يقوم الصندوق بتمويل مشاريع متنوعة في مجالات عديدة.

والصندوق الذي اشترط على نفسه من البداية ألا يكون ممولا من قبل حكومات، لديه شروط لقبول المتقدمين لأخذ منح منه، كما أنه يخضع الطلبات للتحكيم.
لكن ليس للمؤسسة شروط على مضامين الأعمال نفسها، كما لا تطلب تحميل هذه المضامين أعباء سياسية أو اجتماعية بالضرورة. حتى "الفن للفن" ليس مرفوضاً، كما تقول مديرة العلاقات العامة في آفاق زينة تقي الدين.
هدف "آفاق" هو أن تكون منفتحة على دعم كل أنواع العمل الثقافي المستقل. هناك مشاريع ذات مضمون فني بحت، كالرقص مثلا، لكن الكثير من الحاصلين على منح آفاق مأخوذون بأفكار رفع الوعي والعمل على التغيير الإجتماعي
وتشرح تقي الدين في اتصال مع موقع الحرة أن هدف المؤسسة هو أن تكون منفتحة على دعم كل أنواع العمل الثقافي المستقل. هناك مشاريع ذات مضمون فني بحت، كالرقص مثلا، لكن الكثير من الحاصلين على منح آفاق مأخوذون بأفكار رفع الوعي والعمل على التغيير الإجتماعي. وتضيف تقي الدين "المشاريع الوثائقية من كل المنطقة العربية سلطت الضوء على مسائل اجتماعية عديدة في هذه المنطقة. كذلك، المشاريع الموسيقية كالهيب هوب، إضافة إلى عروض الشارع التي تعيد انتاج المساحة العامة. وآفاق مهتمة أيضاً بالمشاريع الفنية التي تقدم التدريب وورش عمل وغيرها".
من العام 2007 وحتى اليوم، دعمت آفاق أكثر من 500 مشروع، اخترنا ثلاثة مشاريع منها تنتمي إلى ثلاثة أنواع مختلفة: كتاب وفيلم وثائقي وعمل مسرحي.
"قطعة ناقصة من سماء دمشق"
في عنوان الكتاب شعرٌ لا يمكن رائد وحش الفرار منه. الشاعر الفلسطيني اللاجئ في سورية وجد مخيمه، وحياته، في آتون نزاع قاس وهائل. قرر أن يعمل على "متوالية سردية".

يقول إن "القطعة الناقصة من هذه السماء، هي يوميات مخيم يعاني آثار الحرب والحصار، من خلال سرديات صغيرة عن عائلة جعلتها ظروف العسف والتوحش تعود إلى بداوتها وترحالها. إنه كتاب ألّف نفسه. وجدته مكتوباً في بيتنا، ممسرحاً، ولم يكن علي سوى نقله الى الورق عبر الإنصات إلى 45 شخصاً، هم أقارب هربوا من الموت في مناطقهم إلى بيتنا، لكنهم جلبوا حكاياتهم. وقتها صار مخيم "خان الشيح" الفلسطيني في الريف الغربي لدمشق مخيماتٍ. فيما بعد نزحنا نحن، وأخذنا حكاياتنا قبل الأغراض التي سنأخذها".
في ملخص "آفاق" نقرأ عن الكتاب أنه "يسّجل وقائع یومیة للحرب والثورة تنطوي على شهادات ومشاهدات شخصیة ونصوص بصریة ومحاورات عبر "التشات" مع ضحایا ومنفیین ومعتقلین سابقین یرون خلالها أحوال الفزع والعسف التي خبروها عن كثب".
يستخدم رائد الوسائط المتعددة في إنتاج كتابه. لكنه يعيدها كلها إلى صيغة باتت الآن تبدو الآن قديمة، وهي صيغة النص المكتوب. لماذا؟ يرى رائد أن "الكتابة هي الكتابة، ولا يمكنني الاقتناع بغير ذلك، صحيح أن النص يستفيد من مرويات الإعلام والنيوميديا، لكنه يقدم أسئلته الخاصة، كما أن هناك فارقاً أساسياً هو حضور المكان ومصائر كائناته. الوسائط المتعددة، على أهميتها تعكس مجانية الموت ورخص الكائنات وسهولة القتل والذبح أيضاً، عدا ذلك هي لا تستطيع أن تقدم رؤيا كالنص الأدبي. الوسائط المتعددة حتى الآن عربياً تدور في رصد الواقع بدون طرح أسئلة عليه ومحاولة فهمه".
الوسائط المتعددة، على أهميتها تعكس مجانية الموت ورخص الكائنات وسهولة القتل والذبح أيضاً، عدا ذلك هي لا تستطيع أن تقدم رؤيا كالنص الأدبي. الوسائط المتعددة حتى الآن عربياً تدور في رصد الواقع بدون طرح أسئلة عليه ومحاولة فهمه
رائد الذي أنهى كتابه تقريباً، يعيش في بيروت نازحاً من سورية، بانتظار سفر آخر سيحمله إلى ألمانيا حيث سيضع اللمسات الأخيرة على مشروعه قبل أن يعمل على نشره.
من الكتاب، اختار رائد هذا النص الدال إلى "قطعة ناقصة من سماء دمشق":
يوم أخرجتْ بنتٌ بلا رأس من تحت الأنقاض تابعتُ على «فيس بوك» حفلة إكمال التمثيل بجثتها. كانت المناحة التي تبكيها، وعربدة الغضب على سلاح جو النظام الفاشي الجديد الذي قصف منزلها، استمراراً لقتلها. رسام كاريكاتير انتقم لي، رسم البنت ذات الثوب الأزرق كاملة الرأس في صورة نعوتها، بينما رسم المتفرجين على صورة النعي ناقصي الرؤوس. الرسام أراد قول شيء تحريضي يخص سكوت الناس عن ذبح لا يقابله إلا حزن وغضب، دون أي فعل واضح. أنا رأيتُ في الرسم ثورة البنات التي أشتهي.
"وليمة الجرذان"
معز المرابط ممثل وأستاذ تعليم عال تونسي. مشروعه كان من جزئين، الأول ورشة عمل استمرت أربعة أشهر (أكتوبر/تشرين الأول 2012 إلى يناير/كانون الثاني 2013) للتدريب على الجزء الثاني من المشروع وهو مسرحية "وليمة الجرذان".
التدريبات على "وليمة الجرذان"

التدريبات على "وليمة الجرذان"

​عن حبكة العمل المسرحي يقول المرابط لموقع "الحرة": في فضاء ملهى قديم آيل للسقوط وسط المدينة، تعمل مجموعة من الممثلين الشباب على إعداد "مسرحية" استدرجتهم للعبها صديقة مدونة من دون أن تفصح عن كامل خيوط حبكتها. قبلت صاحبة الملهى تمكينهم من استغلال مكانها مقابل مشاركتها في الإعداد لعروض "كاباري" تعيد بها إحياء "جنتها" التي تحولت خرابا وأضحت مرتعا للجرذان. لاحقاً، تدرك المجموعة أنها كانت ضحية مؤامرة رهيبة وتقع جرائم قتل ويشتعل جو الريبة وتستعر حالة الطوارئ بعد زيارة مجموعات من "المحققين" من نوع جديد، منغمسين في مطاردة بلا هوادة لاسترداد "ملفات مفقودة". ومن وراء الستار تحتدم المواجهة بين مشروعين متضادين لمجتمع أضحى يتلظى بنار فتنة".

الحكاية ترميز لتونس ما بعد الثورة. المرابط يقول إنها "تسائل الهوية المتلونة والمتضاربة لتونس الجديدة وتسعى إلى تقديم طرح فني مجدد من خلال حبكة تستوحي عناصرها من عوالم فانتازيا الروايات والأفلام البوليسية وجمالية قوامها الأساسي الممثل كمصدر رئيسي للفعل الإبداعي".


"74"
في السبعينيات، كان العالم يموج بالحماسة. كل شيء في حينها كان خاضعاً للنقاش وللتشريح تحت خيمة الأفكار الكبرى.

لبنان الذي كان يستعد لحربه الأهلية التي ستنفجر بعد عام واحد من سنة 1974، كان يغلي بدوره. في ذاك العام قرر طلاب في الجامعة الأميركية في بيروت السيطرة على مبان فيها احتجاجاً على رفع الأقساط.
لقطة من فيلم 74

لقطة من فيلم 74


عن هذه الحادثة الموثقة، صنع رائد ورانيا الرافعي فيلمهما التوثيقي-الدرامي.

في غرفة واسعة لمبنى بيروتي عتيق، حكى ومثل وأدلى برأيه شبان وشابات من الناشطين السياسيين اللبنانيين الحاليين.

استعاد كل منهم شخصاً واحداً ممن قاموا بالتحرك الاحتجاجي العتيق، في ربط بين الأفكار التي كانت سائدة حينها، وإسقاطها على نهايات القرن الحادي والعشرين الذي شهد إبان تصوير الفيلم اندلاع الربيع العربي.


اشكالية التمويل
تنظر رانيا الرافعي إلى تجربتها مع آفاق بإيجابية كبيرة، وتقول لموقع "الحرة" إن "مسألة التمويل يجب أن تكون جزءاً من عملية مستدامة. لكن التمويل خطر لأن على المجتمع أن يخلق أدواته الداخلية لأجل الإنتاج الفني وهذا الأمر سيكون بمثابة إشارة إلى أن هذا المجتمع بحاجة إلى الفن وهو يستهلكه، ليس على مستوى النخبة فحسب، بل على كل المستويات".
مسألة التمويل يجب أن تكون جزءاً من عملية مستدامة. لكن التمويل خطر لأن على المجتمع أن يخلق أدواته الداخلية لأجل الإنتاج الفني وهذا الأمر سيكون بمثابة إشارة إلى أن هذا المجتمع بحاجة إلى الفن وهو يستهلكه، ليس على مستوى النخبة فحسب، بل على كل المستويات

لكن الرافعي تعتبر أن الطريق طويل، وتشدد على أنه "لا بأس بالإنطلاقة من خلال التمويل.

لكن ينبغي التفكير بطرق أخرى لجعل الفن قادراً على إنتاج نفسه بنفسه، ومنسجم مع مجتمعه وحاجاته. وللفنانين هنا مسؤولية كبيرة في البحث معاً عن هذه الآليات وكيفية تطويرها".
يقول معز المرابط إن المبدعين والمثقفين التونسيين بحاجة إلى تمويل لمشاريعهم، وبرغم المجهود المهم الذي تقوم به وزارة الثقافة في هذا المجال إلا أن آليات الدعم المتاحة لا تكاد تفي بالحاجة أمام انفتاح المشهد الفني والثقافي على أجيال جديدة من الفنانين والتعبيرات الفنية التي تبدو غير قادرة على إيجاد مكان لها في هذه المنظومة الثقافية البالية التي تحتاج إلى مراجعة".
أما رائد الذي يبدع في مجال الكتابة، حيث بات من العادي القول إن الكتاب العربي يعيش في أزمة دائمة، فيقول إن "حاجة الكاتب، الشاب والكهل وسواهما إلى دعم مادي بديهية". لماذا؟ "لأنه يحتاج إلى أن يشعر بشيء من الجدوى، أمام عبثية معركة الكتابة الخاسرة سلفاً".
XS
SM
MD
LG