Accessibility links

عاصم قريشي.. صدفة الحب والزواج


عاصم قريشي في زيارته للولايات المتحدة

عاصم قريشي في زيارته للولايات المتحدة

في طفولته الباكرة كانت أحلامه أكبر من كل المكان الذي يحيط به وكانت حكاياته بين رفاقه تثير كثيرا من الأسئلة عن ذلك الحلم الذي يمكن أن يأخذ هذا الشاب اليافع بعيدا ..وكذلك كان الأمر لقد أخدت الأحلام الفنان السوداني عاصم قريشي بعيدا في دروب الحياة الى انتهت به إلى استراليا حيث يعيش ويبدع هناك .

عاصم صوت من السودان الكبير جاء إلى العالم حاملا على كتفيه كل أنواع العزف الموسيقي ليقدم للعالم التصوف السوداني في صورة جديدة تجعل منه أكثر قربا إلى ثقافاتهم وإلى أرواحهم وطريقه أقصر إلى قلوبهم مرفقا ذلك بإجادة عميقة للغة الإنكليزية التي تسمح له بترجمة معاني قصائده وكلما ته، وتقديمها لجمهوره المختلف في أعراقه و انتماءاته الحضارية والثقافية.

لم يكن هذا هو التحدي الوحيد الذي يواجه عاصم في هذه التجربة الاستثنائية بكل المقاييس، بل كان هو تحد آخر وهو يحاول أن يضع هذا الفن الذي جاء به من قرى ضفاف النيل السوداني إلى العالم الغربي. لقد وجد نفسه مطالبا بالانخراط في مسار أكاديمي طويل ليدعم الموهبة الفنية التي خصته بها السماء بالدراسة الأكاديمية الواسعة والمتنوعة حتى يستطيع أن يصل إلى جمهور أوسع بكثير من جمهور يجمعه به الحنين في الانتماء إلى الوطن الأم: السودان.

كثيرة هي العثرات والتحديات التي رافقت هذه الإطلالات من عاصم على المسارح الاسترالية في بدايته الأولى ولكنها عثرات ساهمت بصورة عميقة جدا في ترسيخ أقدام الرجل على أرض، وتعزيز إيمانه برسالته في الحياة وفي موهبته الكامنة في عزف أصابعه وتدفق حنجرة أصواتا وطبوعا مختلفة.

وحده يقف عاصم على أية منصة في أي مكان من العالم ووحده يكتب قصائده الممزوجة بذلك الطابع الصوفي الشعري المتجذر في ثقافة أهل السودان، ووحده تستغرقه اللحظة بالكامل وهو يقدم إبداعه لمستمعيه من مختلف الجذور ويكرر في كل مسرح يعبره أنه هنا دفاعا وإيمانا برسالة سلام يتعايش السلام من خلاله في محبة ووئام وقدرة على التواصل والالتقاء داخل القيمة الإنسانية السامية.

هذه الرسالة التي يؤمن بها عاصم تزداد أهمية وسطوعا عندما نجده يحاول جاهدا أن يقف عند نقاط التقاطع والالتقاء بين جذور الثقافات التي قدر لها أن ينتمي إليها بين ثقافة إسلامية صوفية النزعة جاء بها من محيطه العائلي الاجتماعي ومن مراحل التنشئة الأولى في حياته في السودان، وثقافة افريقية التي يقول بشأنها إن قدر أهل السودان افريقي وهذا يتضح جليا في الكثير من الطبوع الموسيقية التي يقدمها عاصم. تنضاف إلى هذا كله لمسة عربية واضحة مغناة خاصة في تلك القصائد المكتوبة بلسان عربي فصيح. ولعل أشهرها تلك القصيدة التي قدمها بإبداع في حفل أبوظبي العام الحالي "على كيفي"، والتي تشير في كل كلماتها إلى أزمة حرية الاختيار في الوطن العربي، وسرقة هذا الحق الأساسي من المواطن العربي في تحديد مصيره ومساره في الحياة، عن طريق أنظمة سرقت منه حتى حق التصرف في جبته بخياطتها أو تطريزها أو خلعها أو المحافظة عليها، انتهاء طبعا إلى سلبه صوته، عنوان الحياة لديه، وانتهاء إلى سلبه سيفه عنوان الكرامة في الذهنية العربية كما تقول بذلك أعراف التاريخ وتقاليد القبائل.

لم يكن هناك تواصل مباشر بيني وبين عاصم قبل تلك الليلة الشتوية الباردة في واشنطن التي وصلها من استراليا لإحياء حفل بين أبناء جاليته السودانية الأميركية، وتقديم مشروعه الفني والإنساني والاجتماعي الذي يعمل عليه مع شركاء آخرين من أبناء بلده لأجل دعم السلام في بلد يفتقد حاليا إلى كل فرص السلام الممكنة بين فرقائه في أجزائه المختلفة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، إضافة إلى مشروع كوني آخر يجتهد عاصم لنشره هذه المرة مع شركاء له من فنانين من أتباع الديانات السماوية الأخرى، والتي يقول بشأنها عاصم إنه يطمح أن يلتقي الناس جميعا تحت مظلة الإنسانية الواسعة، وهي المظلة الوحيدة الكفيلة بإنهاء كافة الخلافات بين هؤلاء، وتحقيق فرصة التعايش بين الناس في سلام. بل إنها الفرصة الوحيدة التي يمكن أن تساعد الناس جميعا على الوصول إلى أرضية وفاق، والانتصار للمحبة فيما بينهم.

على ركح مركز الجالية السودانية الأميركية، حرك عاصم كل الكامن من مشاعر أبناء بلده في ذلك الليل الشتوي البارد، وأعادهم إلى أغنياتهم الصوفية، واستعادوا معه تلك المدائح التي تشكل ذاكرتهم الفنية في مراحل الصبا الباكرة، وجميعهم غنوا معه طويلا وذكروا الله في محبة صافية.

وعلى ذلك الركح قال عاصم إنه وهو يغني هذه المدائح يرتقي عاليا عاليا جدا، وينصهر في جوهر اللحظة إبداعا ساميا ينتهي به في الآخر إلى معانقه الآخر.. كل الآخر إلى أن تصل فيه حالة الصفاء إلى فهم أجمل لعلاقته بخالقه، لأنه كما ورد يقول عاصم هو الأول والآخر.

لم يكتف ابن السودان بهذه اللمسات الروحية وحدها، بل قدم عزفا متفردا متنقلا بين القيثارة والكمنجة والعود، وهو في كل حالة من تلك الحالات يحرك الساكن جميعه في ذاكرة أبناء السودان الشغوفين لسماع المزيد من إبداع هذا الرجل الذي يصر في كل وقفة استراحة بين عزف مقاطعه على معانقة الجميع، وتذكيرهم بكل الذي يجمع بينه وبينهم في ذاكرة الطفولة الأولى المسكونة بالبيوت الأولى وطرق الغسيل على ضفاف النيل، وشراكة أهل النيل في كامل طقوس الحياة بجمالها ووعورتها.

لم يكن الركح من وجهة نظر عاصم مسرحه لتقديم فنه بكل طبوعه، بل كان أيضا مساحة إبداعه الأخرى في الدفاع عن مشروع فكري يؤمن به الرجل، ويدعو إليه في كل حركة من حركاته. ذلك هو ما كان عاصم يشير إليه وهو يقول إنه هنا في واشنطن بدعوة له من شركاء له من فنانين يهود ومسيحيين في إطار جولة واسعة في جامعات واشنطن وشمال فرجينيا لتقديم رؤيتهم المشتركة في دعم فكرة التعايش والسلام بين أتباع جميع الديانات داخل المنظومة الإنسانية المشتركة بين جميع بني الإنسان.

في وسط زحمة هذا الإبداع المتراكم من حول الرجل الذي يحاول الابتكار في عزفه ونقل الموسيقى الإفريقية إلى مساحات جديدة في المسرح العالمي، وهو ما تحقق له في أكثر من مناسبة بحصوله على جوائز عالمية في مهرجانات عالمية في سيدني وبوسطن ونيويورك وغيرهامن مدن العرب والغرب. لم يكن المجال من حول الرجل يتسع للالتفات لنفسه وهو الحامل دوما على كتفيه آلاته الموسيقية إضافة إلى مسعاه اليومي في كسب رزقه. فهل تأخر عاصم عن الحب؟

لم يكن هناك متسع للإجابة عن هذا السؤال، قبل أن يفاجئ الحب نفسه هذا الفنان المقيم عند أوتار عزفه على مدار السنة، فاجأه الحب وهو يأتيه في ذلك المساء الواشنطوني البارد وهي تتقدم منه بملامح الطفولة الأولى التي تسكنه، وبالذاكرة المشتركة وبذلك الطموح الكبير الذي تحمله في نفسها في أن تكون شريكته في مشروعه المتعدد الأوجه، وفي كثير أسفاره في جهات العالم المختلفة، وربما أيضا ستكون لها سندا في رفع أثقال اغترابه عن الوطن الأم والقرية الأولى وكسرة الأم وكل تلك المعالم من الذاكرة التي يتقاسمها في العادة أبناء الجزء من العلم المرهف الأحاسيس في العادة.

لم يجد عاصم في نفسه متسعا ليقاوم هذا الحب الذي حضر الى مقامه بطريقة صوفيه سامية تسكن العمق منه، واستمع إليه بكل نبضه وامتد لقاؤه ليطول بطول الليل في سعادة بالغة وغامرة. ولم يكن اليوم الموالي ليسمح بالكثير من التفكير في جمال فرصة اللقاء الفريدة هذه في حياة هذا الفنان الأسترالي السوداني المتفرد.

انتهي اليوم الموالي باتفاق قرره الشريكان معا بالزواج في اليوم التالي ولم يكن الزمن بين ليلة اللقاء ويوم الحوار سوى يوم وليلة، ليكون الحفل القادم لعاصم في الساحل الشرقي الأميركي هو لزواجه من شريكة ذاكرته العميقة وبنت الوطن الأم التي اختارت لنفسها أن تكون شريكة لهذا الفنان في أحلامه، في أن يجعل التصوف السوداني قصيدة شعرية وعزفا موسيقيا يصل به إلى كل الناس في كل أجزاء العالم الواسعة والمختلفة.

هاتف سريع من عاصم وأنا أرتب معه لموعد تصوير، يعاجلني الرجل ويخبرني أن لدينا فرصة لقاء رائعة في مدينة بالتيمور وسأكون أنا واحدا من بين 24 مدعوا لحفل زواجه تلك الليلة.

لوهلة أولى كنت أعتقد أن الأمر فيه مزحة، لكن عاصم أصر على أن الأمر جدي وهل هناك مساحة لمزحة من هذا الحجم في حياة فنان صوفي: الخيارات في السلوك وأسلوب الحياة.

مرة أخرى ينتصر عاصم لاختلافه الإنساني والفني وأسعد اصدقاءه في حفلة حضرت على عجل وأخدت عروسه الصدارة من المجلس، لكن عاصم حتى وهو هناك لم ينس أن يغني للسلام وللخالق الذي أعطاه الكثير من فرص الجمال في الحياة، ولم ينس أيضا أن يعزف على أوتار قلوب الجمهور القليل الذي حضر إلى المناسبة، وهو يستدعي من ذاكرته وذاكرتهم البعيدة تلك المعزوفات الدافئة الوقع على وقع الكمنجة التي يكرر القول دائما أن بداخلها طاقات موسيقية هائلة غير قابلة للنفاذ.

تجربة عاصم الفنية الراقية والإنسانية العميقة الأبعاد التي تستحق التأمل فيها بعيدا من حيث كون الرجل يحاول جاهدا أن يعطي مسحة من الجدية لفن عربي سقط في المستهلك اليومي وتغيب عنه معاني العمق. إنه يحاول أن ينتقل بالقصيد والعزف العربي إلى مساحة كونية واسعة تجتهد في سبيل الانتصار لقيم إنسانية عالية وسامية ومشتركة، ويسعى الكثيرون لتحقيقها في عالم مضطرب بامتياز. وفي ذلك يقول عاصم إنه يتمنى أن يقف على شرفة مكان عال ليقول للناس جميعا أن الحياة ممكنة بصورة أسهل وأجمل وهي تحدث في حالة من المحبة.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG