Accessibility links

logo-print

في ذلك المساء، كان يفترض أن أكون على موعد مع عائلتي الكريمة لتناول العشاء في المطعم الايطالي المفضل للعائلة في مدينة "بورك " بالقرب من واشنطن بمناسبة عيد ميلادي الذي لا أذكر كم رقمه لكن ادارة المحطة طلبت مني أن اسافر على عجل الى كابل لتغطية الانتخابات البرلمانية الأولى في تاريخ افغانستان.

اعتذرت من زوجتي كما هي العادة دوما عن الغياب عن دعوة اعرف جيدا أنه لا يجوز الغياب عنها، وتكرمت هي بإيصالي الى مطار دالاس ليكون احتفالي بالمناسبة السعيدة في سماء الاطلسي؛ وأنا اقطع الطريق الى بلاد الافغان عبر محطات ثلاث واشنطن لندن ثم دبي واخيرا كابل .

ومن الصدف الجميلة ايضا، أن زملاء مهنة افاضل تكرموا بتحضير عشاء خاص لي في دبي بمناسبة عيد ميلادي، لكن القنصل الافغاني في واشنطن الغى كل اسباب الفرح التي يمكن ان يحتفل بها قلبي بعد أن اعطاني رسالة مختومة تؤكد موافقة القنصلية على اعطائي التأشيرة لدخول كابل فقط لأن عطلة نهاية الأسبوع لم تكن تسمح له بوضع التأشيرة على جواز سفري.

تأخرت عن طائرتي في واشنطن بسبب حادث مرور على الطريق السريع فلزم الامر انتظار رحلة أخرى باتجاه لندن، ومن حسن حظي أن هناك رحلة أخرى سوف تنطلق بعد اربع ساعات، فوجدت في المناسبة فرصة لقراءة ما تحمله حقيبتي في العادة من كتب وصحف واطلقت العنان بعيدا لخيالي في تصور مجموعة القصص التي سأعمل على تنفيذها في ربوع افغانستان التي باتت تعرفني وأعرفها بصورة جيدة بعد عدة رحلات قطعتها إلى هناك .

عندما وصلت لندن احتجت الى اعادة ترتيب تواقيت رحلاتي فيما تبقى لها من محطات، لأن التوقيتات تغيرت وكان علي أن اشرح قصة التأشيرة بكل تفاصيلها لمسؤولة طيران الامارات في مطار هيثرو المزدحم جدا عادة برحلاته وبانشغال موظفيه بكثير اسئلة المسافرين التي تطاردهم من غير توقف .

وجدنا الحل أخير في الوصول إلى دبي والتوجه مباشرة الى مكتب الخطوط الجوية الأفغانية والبحث معهم في مسالة ترسيم التأشيرة على جواز سفري، وبدأت المرحلة الثانية من رحلتي في اتجاه كابول .

في مطار دبي الذي أعرفه جيدا حيث قضيت هناك بعضا من سنوات العمر، قطعت المسافة الى مكتب الخطوط الأفغانية اين طلب مني انتظار الصباح الموالي لمعالجة القضية لكن الالتزامات المرسومة مسبقا من ادارة المحطة لمهمتي في كابل لم تكن تسمح بانتظار الصباح الآتي .

وغادرت الى كابول في رحلة الثانية صباحا عبر مطار دبي في جهته المخصصة للدول الآسيوية المجاورة للإمارة .

بين الطائرة والأخرى نسيت أن افرح بعيد ميلادي حتى وإن كان أحد زملاء المهنة لم ينس أن يحضر لي باقة ورد الى المطار ونحن نرتشف قهوة سريعة على رصيف قاعة الاستقبال بالمناسبة .

باقة الورد تلك الوحيدة التي ذكرتني بأن لي عيد ميلاد كالآخرين، ومن حقي أن احتفل به. كانت شؤما علي وأنا اركب طائرة "اريانا" باتجاه كابول والنظرات تحاصرني من كل عين، والسؤال يقيم فيها عن هذا الرجل الذي يحمل حقيبة كومبيوتر وباقة ورد ويستحيل أن اشرح للجميع أني احمل هذه الورود احتفالا بعيد ميلادي الذي كان يفترض أن احتفل به مع عائلتي بالقرب من بيتنا واتلقى فيه هدايا اطفالي المحببة الى قلبي، والتي هي في العادة رسائل يخطونها بأناملهم الصغيرة وحروفهم المعبرة والتي لا ازال احتفظ بأغلبها بدرج مكتبي الصغير.

اخير اصل كابل لكن هذا الوصول على رحلة شاركتني فيه مراسلة شبكة سي ان ان الدولية "كريستين انامبر "التي اضطرت أن تخفي بعضا من ملامح وجهها من وراء وشاح ابيض لفت به شعرها، و في ذلك مجرد واحد من شروط العمل النسائي في شوارع كابل بالنسبة للمراسلات الصحفيات الأجنبيات .

لم يكن ذلك الوصول هادئا كما تمنيت، لأن سلطات المطار قررت أن تأخذ مني جواز سفري وأن تعطني بدلا عنه وثيقة موقعة من رئيس جهاز الأمن هناك تسمح لي بإظهارها لا دارة الفندق ولمصالح الأمن في العاصمة الأفغانية عند الطلب.

لم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة بعد هذا القرار الذي برره الموظفون بحاجتهم إلى اجراء اتصالات مع سفارة كابل في واشنطن لمعرفة قصة عدم وضع التأشيرة على جواز السفر من المصدر نفسه، بل كانت المشكلة في كيفية الحصول على الاعتمادات اللازمة في الساعات الموالية من مكاتب القوات الدولية ووزارتي الداخلية والخارجية الأفغانية حتى استطيع بداية عملي في البلاد.

لم تعترف ادارة الفندق الوحيد في المدينة بالوثيقة الأمنية واضطرت للبحث عن بيت للضيوف يأويني في تلك الليلة على أن ابدأ في اليوم الموالي اتصالاتي مع سلطات كابل لاستعادة جواز سفري .

لم يكن هذا هو الخبر السيء الوحيد الذي ابدأ به رحلتي إلى افغانستان؛ بل إن حقائبي لم تصل هي أيضا على نفس الرحلة .

واجهت واقعا جديدا في كابل لم التق به في كل سفراتي السابقة الى هناك وابواب موصده في كل الاتجاهات وعملي معطل لساعات وربما لأيام وكان علي أن اتعامل مع هذا الواقع بالكثير من الصبر والهدوء لكن المشكلة دائما ان واجبات المراسل الصحفي في هذا النوع من المناطق المضطربة في العالم لا تعرف مفاهيما من طيبة الصبر والانتظار، فكل شيء يجب أن يحدث على عجلة وفي توقيته المطلوب.

كانت ساعات عصيبة في كابل انستني تماما أن لي عيد ميلاد ومن حقي أن احتفل به كما يفعل الآخرون؛ بل الآخرون جميعا .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG