Accessibility links

logo-print

ما هي الحدود الممكنة بين حرية التعبير والمقدسات الدينية؟


سلمان رشدي الذي صدرت بحقه فتوى إهدار دم من الإمام الخميني سنة 1989

سلمان رشدي الذي صدرت بحقه فتوى إهدار دم من الإمام الخميني سنة 1989



أعلن الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1989، رواية الكاتب سلمان رشدي "آيات شيطانية" مسيئة للإسلام، وأصدر فتوى إهدار دم صاحبها. وعاش رشدي وعائلته إثر تلك الفتوى متخفيا لمدة تسع سنوات. وفي 18 سبتمبر/أيلول الماضي، صدر له كتاب بعنوان "جوزف انتون" يروي فيه سيرة حياته خلال سنوات التخفي في أكثر من 600 صفحة.

وبعد مرور أكثر من 20 عاما على فتوى إهدار دم رشدي، هل كانت هذه الفتوى خطأ؟

"لا يوجد شيء اسمه فتوى صحيحة وفتوى خاطئة. الفتوى هي رأي فقيه بقضية ما"، هذا ما قاله أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورجتاون بواشنطن جوناثان براون لموقع "راديو سوا" عبر الهاتف، مضيفا أن "الفتاوى عموما غير ملزمة في الإسلام".

أما العلامة علي الحكيم فقال عبر الهاتف لموقع "راديو سوا" "تفسيري لفتوى الإمام الخميني، لا تعني اذهبوا واقتلوه. إنه فهم خاطئ حصل وبني عليه".

وأضاف الحكيم، وهو دكتور بالدراسات الإسلامية، "عندما حصل التراجع عن العمل بهذه الفتوى، لم يكن تراجعا عن فتوى. إن أصل الحكم الذي صدر عن الإمام الخميني هو أن هذا يستحق القتل فيما لو انطبقت عليه تلك القاعدة والتي هي: مسلم ازدرى نبيه. أما لو لم تنطبق عليه تلك القاعدة حينئذ لا يخضع لهذه القاعدة على الاطلاق ولا يخضع لحكم القتل".

ما هي السلطة التي تبيح لفقيه إصدار فتوى بإهدار الدم؟

أجاب أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية رضوان السيد على هذا السؤال قائلا إن فتوى إهدار الدم "في الأصل موجودة عند الشيعة وليست موجودة عند السنة". وأضاف في تصريح لموقع "راديو سوا" عبر الهاتف، "الفتوى عند السنة غير ملزمة، الحكم القضائي هو الملزم. بمعنى أن أي فتوى يصدرها أي عالم مهما بلغت أهميته عند السنة، فاتباعها اختياري ولا يستطيع أحد أن يلزم أحدا بفتوى معينة"، غير أنه أردف قائلا "ولكن ظهر لدى السنة نوع آخر من أنواع التكفير وهدر الدم لدى السلفيين الجهاديين والسلفيين المتشددين. هؤلاء فتواهم ملزمة لهم".

وأوضح أنه "عند الشيعة، الفقهاء الكبار لهم مقلدون وكل فتوى عندهم تعتبر حكما. وبالتالي أتباع هذا الفقيه مثل أتباع الإمام الخامنئي أو الإمام السيستاني... عليهم أن ينفذوا الفتوى التي يصدرها مهما كان نوعها".

ولكن ليس كل من انتقد الدين الإسلامي صدرت بحقه فتوى قتل أو إهدار دم. فقد قال براون "أبو العلاء المعري، على سبيل المثال، سخر من كل الديانات وليس فقط من الإسلام، ومات ميتة طبيعية".
وليدعم فكرته، سرد براون بيت شعر للمعري جاء فيه "... اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين وآخر ديّن لا عقل له".

غير أن تداخل حرية التعبير مع المقدسات أضحت مؤخرا معضلة تؤثر سلبا على الكتاب والمفكرين. فقد "قتل بعض المفكرين المسلمين وشرد بعضهم بسبب فتاوى المتشددين من السنة والشيعة، ومن السنة أكثر من الشيعة"، قال السيد، مضيفا أن الكاتب المصري فرج فودة على سبيل المثال لم يمس بالنبي، ولكنه كان مع القول بفصل الدين عن الدولة، فهوجم كثيرا، إلى أن "استنتج واحد متطرف يقال إنه من الاخوان المسلمين أن دمه مباح، فقام بقتله في مصر في مطلع التسعينات من القرن الماضي".

ولفت السيد إلى وجود عشرات الكتاب الذين أقيمت دعاوى عليهم مثل نصر حامد أبو زيد بدعوى أنه مرتد وينبغي تطليقه من امرأته، وأوضح أن هذا الأمر بدأ من أيام طه حسين في عشرينات القرن الماضي واستمر حتى اليوم.

وقال "عندنا مشكلة مع حرية الفكر وكثير من إثارة المخاوف لدى هؤلاء الكتاب وإثارة التحدي في الوقت نفسه، وهذا إلهاء. أولا، إساءة للإسلام ولرؤيته لدى المسلمين وفي العالم. وثانيا، إلهاء عن قضايا أساسية ومهمة هي التي ينبغي أن نحتج فيها وأن نشتغل فيها وأن ندافع فيها أو نهاجم فيها".

وتطرق السيد إلى الاحتجاجات التي رافقت الفيلم المسيء للإسلام، ولفت إلى أنه بدلا من النزول إلى الشارع وإحراق وإتلاف الأملاك وقتل الناس، كان يمكن الاحتجاج قانونيا؛ وقال "لذلك عندما أقرأ ما كتب في الصحف والمجلات الأجنبية عن ما سمي Muslim rage أشعر بالخجل الشديد لأن هذا رد في غير محله، ولا يخدم أبدا قضية الدفاع عن الإسلام ولا الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم".

الحكيم: الإسلام لا يتعارض مع حرية التعبير

من ناحيته، أكد الحكيم أن حرية التعبير لا تتعارض مع المقدسات في الإسلام، وأشار إلى وجود خلط بين حرية التعبير وبين تناول المقدس بسوء. وقال "المشكلة هنا ليست حرية رأي بل حرية تصرف".

وعزا الحكيم تهديد المفكرين إلى أن المدرسة العربية "هي بحد ذاتها مدرسة لا تقبل الرأي الآخر بسهولة" قائلا "هذا لا علاقة له بالإسلام، بل بالطبع المشرقي العربي، مسلما كان أم مسيحيا"، مشيرا إلى أن "الإرهاب الفكري الذي عندنا هو إرهاب مجتمعي تلبس بلبوس الدين".

غير أن براون قال "إن العلماء المسلمين، باعتقادي، يريدون تخويف الناس كي لا يشعروا بأنه يمكنهم إهانة النبي بحرية... وبرأي هؤلاء العلماء أنهم يطبقون أحكام الشريعة الإسلامية. وهم لا يعتقدون أن حرية التعبير تعطي للناس الحق في إهانة النبي".

وقارن براون بين ما يحدث حاليا وما كان يحدث في السابق، قائلا "إذا تعرض شخص للإسلام أو للقرآن في القاهرة عام 1000 أو في اسطنبول عام 1700، ربما لا يكترث به قضاة الشريعة إلى أن يشكو منه الناس، فيساق إلى القضاة، ولا يُقتَص منه إلا بعد أن يُسرف في إساءته".

وفي هذا السياق، قال السيد "لا شك أن عندنا عطلا أو عطبا أو مرضا ينبغي علينا أن نواجهه نحن المسلمون بشجاعة، وإلا يستطيع كل واحد أن يردنا إلى المسار الذي يختاره هو لنا عن طريق إثارة قضية ما وإلهائنا بحيث نقتل أنفسنا أو نقتل الآخرين، فنسيء إلى ديننا، ونسيء إلى مجتمعاتنا بدون مبرر"، مضيفا "هذا كله بسبب الهوام الفظيع بأن ديننا في خطر. ديننا ليس في خطر. نحن مليار ونصف المليار، من الذي يستطيع تهديد ديننا؟ هذا الوهم أن الدين في خطر أثارته جماعات كثيرة لبلوغ أهداف معينة وسيطر الآن على مجموعات من الشبان في مختلف العالم العربي والإسلامي. وأي سيء النية يستطيع أن يلهينا أسبوعين أو ثلاثة أو شهر بحجة الدفاع عن الدين فنفقد كثيرا من الأرواح والممتلكات وتزداد خصومتنا مع العالم. نحن لا نريد أن نخاف من العالم ولا نريد أن نخيفه".

وستظل فتوى الإمام الخميني ضد الكاتب سلمان رشدي وغيرها من الفتاوى مرتبطة بالصراع الدائر بين الحق في حرية التعبير واحترام المقدسات الدينية.
وفي هذا الإطار، قال رشدي لصحيفة ديلي تليغراف خلال إطلاق كتابه الجديد "ما حدث لي مجرد مقدمة ستتلوها العديد والعديد من الحلقات المماثلة."
  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG