Accessibility links

التعديل الوزاري في الجزائر.. الخفايا والرسائل المبطنة


عبد العزيز بوتفليقة

عبد العزيز بوتفليقة



قبل ستة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية في الجزائر، أدخل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تعديلا على طاقم حكومته، التي غادرها 13 وزيرا دفعة واحدة خصوصا الوزارات السيادية التي غير بوتفليقة وزراءها ووضع على رأسها أكثر المقربين منه.

وقد حملت التغييرات تعيين الطيب بلعيز، الرئيس السابق للمجلس الدستوري وزيرا للداخلية، والطيب لوح، وزير العمل السابق وزيرا للعدل، فيما عين رمطان لعمامرة، المفوض السابق للسلم والأمن في الاتحاد الإفريقي وزيرا للخارجية خلفا لمراد مدلسي الذي عينه بوتفليقة رئيسا للمجلس الدستوري.

كما شمل التعديل تعيين الفريق قايد صالح رئيس أركان الجيش نائبا لوزير الدفاع مع احتفاظه بمنصبه الأول، علما بأن بوتفليقة نفسه هو وزير الدفاع وفقا للدستور الجزائري.

هذه التغييرات أثارت العديد من الاستفهامات حول التوقيت الذي اختاره الرئيس على بعد ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وكذا بعد بدء تعافيه من الأزمة الصحية التي أبعدته عن تسيير شؤون الدولة لأربعة أشهر.

وذهبت بعض التأويلات إلى التأكيد على أن إقدام الرئيس على هذه الخطوة، إنما مرده إلى الضعف الذي سجله الوزراء المغادرون في قطاعاتهم، مما جعل بوتفليقة يعوضهم بشخصيات أخرى يغلب عليها الطابع التكنوقراطي.

غير أن موسى تواتي، رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية يرى أن التعديلات الأخيرة تهدف إلى "تكريس المحافظة على الثروة التي اغتنى منها البعض وعدم متابعتهم قضائيا" معربا عن اعتقاده بأن "هذا سيؤدي إلى خلق فوضى" في البلاد.

وأضاف تواتي الذي ترشح لانتخابات الرئاسة سنة 2009، في تصريحات لموقع "الحرة"، أن "هناك عدم احترام للدستور والقوانين وإرادة الشعب، والمؤسسات الموجودة ليس لديها شرعية شعبية، مما قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي في الأشهر القادمة".
التعديل يستهدف الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2014، لأن بوتفليقة أبعد كل الأطراف المعارضة لمرشح الرئاسة

أما المحلل السياسي عبد العالي رزاقي فيرى أن التعديل يستهدف الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2014، لأن بوتفليقة أبعد كل الأطراف المعارضة لمرشح الرئاسة، وأبعد الوزراء المحسوبين على المخابرات، وجاء بطاقم أهم ما فيه يثير الانتباه، على حد قوله.

وقال رزاقي لموقع "الحرة" إن بوتفليقة جاء برئيس للمجلس الدستوري في سيناريو "شبيه بما حدث عام 1999 عندما جيئ بمحمد بجاوي رئيسا للمجلس الدستوري لانتخاب الرئيس بوتفليقة. كما جاء أيضا بوزير للعدل وآخر للداخلية، وهؤلاء كلهم يساندون مرشح الرئاسة".

ومن جانبه اعتبر جيلالي سفيان، رئيس حزب جيل جديد، أحد رموز المعارضة في الجزائر أن "التعديل يبين رغبة الرئيس وكل من حوله البقاء في الحكم بأية وسيلة"، مشيرا إلى أن الرئيس أحاط نفسه بأقرب المقربين منه على رأس كل الوزارات المهمة التي لها صلة مباشرة بالانتخابات.

السباق نحو "المرادية"

ولعل التخمين الأبرز الذي طغى على الساحة السياسية الجزائرية بعد هذا التعديل، ذلك المتعلق ببدء السباق نحو قصر المرادية، مقر الرئاسة، لخلافة بوتفليقة.

واتفق المحللون والسياسيون الذين تحدثوا إلى موقع "الحرة" على ربط الحركة الأخيرة لبوتفليقة بثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول ترشحه لولاية جديدة رغم حالته الصحية. والثاني تمديد عهدته الانتخابية بسنتين، رغم أن الدستور الحالي لا يسمح بذلك. أما الثالث فهو تأييد مرشح من مقربيه وقطع الطريق أمام معارضيه.

وفي هذا السياق يقول عبد العالي رزاقي إن "هناك نية لدى الرئيس للترشح إما لعهدة رابعة في حال تعافيه أو أنه يقوم بتعديل الدستور كي يعدل المادة المتعلقة بمدة الولاية الرئاسية، وبالتالي يضيف إلى عهدته عامين".

وأضاف أنه إذا استمر مرض بوتفليقة وصعب عليه الحكم، فإن حاشيته "تفكر في أن تعين رئيسا من بينها، ولهذا جاءت بهذه الحكومة".
مرض بوتفليقة أربك الحياة السياسية في الجزائر

مرض بوتفليقة أربك الحياة السياسية في الجزائر

ولخص رزاقي الوضع السياسي الراهن في الجزائر بالقول إن "اللعبة السياسية في الجزائر أغلقت والهدف الأول هو منع علي بن فليس من الترشح لأن الذين جيئ بهم هم من خصوم بن فليس، وحتى الوزراء المحسوبين عليه تم إقصاؤهم".

وكان علي بن فليس أبرز منافس لبوتفليقة خلال انتخابات 2004، وهو الذي كان أحد المقربين منه، وشغل منصب رئيس الحكومة في فترة سابقة، وكذا رئيس ديوان الرئاسة في عهد بوتفليقة، قبل أن يتحول إلى خصمه السياسي الأبرز.

وتسعى عدد من جمعيات المجتمع المدني وبعض الشخصيات السياسية إلى إقناع بن فليس بالترشح للانتخابات القادمة لخلافة بوتفليقة، غير أن هذا الأخير لم يقرر بعد رسميا الترشح من عدمه.
ربط التعديل بصراع بوتفليقة مع خصومه قراءة تعتمد على نظرة ضيقة وأعتقد أنها ظرفية ولا تؤثر مباشرة على التعديل الحكومي

ويقدم الدكتور فني عاشور أستاذ الإعلام والمحلل السياسي قراءة مختلفة لخلفيات هذا التعديل، إذ يعتبر أن ربطه بصراع بوتفليقة مع خصومه "قراءة تعتمد على نظرة ضيقة تضع الرئيس في مواجهة مجموعة من الخصوم المباشرين، وتربط هذا بفترة مرض الرئيس".

وقال عاشور "أعتقد أن هذه القراءة ظرفية ولا أعتقد أنها تؤثر مباشرة على التعديل الحكومي".

هل انتهى دور الاستخبارات في السياسة؟

ولم يكتف بوتفليقة بتعديل وزاري فقط، بل أسبقه بتعديل في هرم المؤسسة العسكرية، من خلال قراره حل مصلحة الشرطة القضائية التابعة لهيئة الاستعلامات والأمن (المخابرات)، ونقل الإشراف على مديرية أمن الجيش ومديرية الصحافة والاتصال إلى قائد أركان الجيش، الفريق قايد صالح الذي عينه نائبا لوزير الدفاع.

وفي هذا السياق يقول رزاقي إن بوتفيلقة أراد أن يتخلص من خصومه وأيضا أراد أن يتحصن هو ومن يخلفه من خلال السيطرة على المؤسسة العسكرية، "بإلغاء الهيئات التابعة للاستخبارات الجزائرية التي ظهرت خلال فترة مكافحة الإرهاب، وكانت تتحكم في البوليس السياسي والإعلام وفي تعيين الرئيس والنواب".

ويعتقد المتحدث أن هيئات الأمن العسكري استغلت مرض الرئيس وشرعت في فتح ملفات الفساد، وهي التحقيقات التي كان بعض الوزراء المحسوبين على الرئيس مستهدفين من ورائها.

وقال رزاقي "عندما تلغى هذه الهيئات وتحال تبعيتها إلى وزارة الدفاع فهذا يعني التحكم الكامل في السلطة والهدف الأساسي هو ضمان استمرار النظام".

وهذه بعض التغريدات حول التعديل الوزاري الأخير:

ومن جانبه يقدم فني عاشور قراءة أخرى لهذه التغييرات، ويحاول إخراجها من إطار الانتقادات السلبية التي وجهت لها، إلى ما يسميه "النظرة الإيجابية الواسعة".

ويقول عاشور إن "هناك جانبا إيجابيا في هذه المسألة إذا أخرجنا هذه التعديلات من النظرة الضيقة، إذ أنه لأول مرة تضع الرئاسة يدها على المؤسسة العسكرية بشكل مختلف على ما كان في السابق".

وأضاف أن التعديل أبعد هيئات القضاء العسكري عن التحقيق في قضايا فساد كثيرة برزت في الساحة السياسية في الفترة الأخيرة، وهو ما من شأنه أن "يحمي المؤسسة العسكرية والأجهزة التابعة للدولة حتى تأخذ العدالة مجراها".

ماذا بعد التعديلات؟

وبغض الطرف عن القراءات التي صاحبت التعديل الوزاري، فإن العديد من المراقبين يعتبرون أن ما قام به بوتفليقة كان بمثابة الرسالة التي أراد أن يبعث بها إلى المشككين في قدرته على إدارة البلاد بسبب الوعكة الصحية التي ألمت به منذ 27 أبريل/نيسان الماضي، والتي اضطرته إلى الغياب عن المشهد السياسي.

غير أن المنتقدين لبوتفليقة يعتبرون أنه لم يعد قادرا على تسيير شؤون الدولة بسبب وضعه الصحي.

وقال جيلالي سفيان إن "الرئيس مريض ولا يمتلك القدرة على حل المشاكل اليومية للجزائريين، مع أزمة اقتصادية في الأفق، زيادة على مطالب المجتمع. هذه الرهانات تتطلب رئيسا جديدا قادرا على مواجهتها".
نحن الآن في مفترق الطرق، إما أن تدخل الجزائر عهد بناء دولة القانون، وإما أن ينتصر الرئيس بهذه السياسة وقد ندخل في دوامة جديدة ونفق طويل وأخشى أن تكون النهاية كارثية

وأضاف قائلا "نحن الآن في مفترق الطرق، إما أن تدخل الجزائر عهد بناء دولة القانون بمشاركة الطبقة السياسية لمناقشة المشاكل ومحاولة إيجاد حلول لها، وإما أن ينتصر الرئيس بهذه السياسة. والمجتمع لن يقبل بهذا الاستبداد الجديد. وقد ندخل في دوامة جديدة ونفق طويل وأخشى أن تكون النهاية كارثية".

أما موسى تواتي فيعتقد أن بوتفليقة غير مؤهل لخوض حملة انتخابية، مضيفا أن "النظام اليوم في حالة انسداد لأن الانتخابات أصبحت غير مجدية والشعب استقال من الحياة السياسية".

ويذهب المحلل عبد العالي رزاقي إلى أبعد من ذلك، إذ أشار إلى أن الذين "يخططون لاستلام السلطة بعد الرئيس مخطئون في تقديراتهم لأن الاحتجاجات ستبدأ في الجزائر في 28 من الشهر الجاري من جانب الشباب الذي لا يعمل، وهناك أيضا تحرك على مستويات أخرى واحتجاجات كبيرة، والتزوير لم يعد ممكنا، وربما ستثار مشكلة جديدة ويتأزم الوضع ويؤدي إلى انفجار".

وعلى خلاف ذلك، يعتقد فني عاشور أن الوضع في الوقت الحالي أصبح أكثر هدوءا، وأن "هناك نوعا من الاستقرار وعودة المؤسسات إلى العمل مع عودة بوتفليقة مثل الرئاسة وقيادة الأركان، وأيضا عودة النشاط إلى الساحة السياسية".

وحول مستقبل الحياة السياسية في الفترة التي ستسبق الانتخابات القادمة، قال عاشور "إما أن نتوجه إلى دولة مدنية تسمح بعودة المواطنين أو أننا سنظل في الترقيعات في الحياة السياسية التي تعتمد على البيروقراطية والأجهزة بدل أن تعتمد على مشاركة المواطن".

يذكر أن الولاية الرئاسية الحالية لبوتفليقة تنتهي في أبريل/نيسان 2014، ولم يعلن الرئيس البالغ من العمر 76 عاما موقفه من الترشح لولاية جديدة من خمس سنوات حتى الآن، علما بأنه يتولى السلطة منذ عام 1999.
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG