Accessibility links

logo-print

لا أرثيكِ يا زها!

مرّت الشمسُ فوق آثارها المنحنية على امتداد هذه الأرض، قبل أن تُسلّم خلال مغيبها على آخر تلك المجسّمات الناعمة في أقصى الغرب، حيث تنام.

وعلى الأوراق خطوطٌ مشبعة بالأنوثة، باتتْ تنتظر يداً تلامسها لتكون صرحاً تتكئ عليه إشراقةٌ جديدة. لكنّ مرور الشمس ذاك كان الأخير، بعد أن أخذ مفهوم "المنحني" من زها حديد مأخذاً؛ رسم خارطة جديدة لشرايين قلبها الذي استراح فجأة، ليخلّف دهشة في الأرض لا تقلّ وقعاً عن الدهشة التي تتركها تصاميمها.

عمل تشكيلي للصحافي العراقي حيدر المحرابي

عمل تشكيلي للصحافي العراقي حيدر المحرابي

أتعلمين يا زها كم أيقظتِ برحيلكِ هاجس الخسارة الذي لا ينتهي، وكم فتحتِ من شهية الأقلام لتنالَ من العراق، وتملأ -بحبرٍ بائتٍ- صفحاتٍ صفراء وحمراء وسوداء، بحديثعن وحشية هذا البلد الذي يقتل أبناءه، دون شرط الإقامة على ترابه! الجميعُ صار يا زها خبيراً بالتاريخ والرياضيات! خلطة سحرية غرضها إجراء تعدادٍ لعراقيي المهجر، وسيرة كل فرد منهم، ثم تصنيفهم إلى ناجحين وفاشلين، تحتفي دول المهجر بالصنف الأول، ويُعيّرُ العراق بالثاني.. معادلات رياضية "المطلوب إثباته" منها أنّ عراقيي الداخل حتى الناجحين منهم فاشلون، إذ لا قيمة لمنُتج الفنّان والعالِم والمثقّف والباحث والأكاديمي ما دام يحمل "صُنع في العراق"! ومن غير "بركة" المهجر لن يُطربَ أحدٌ لمسكينة الحيّ.

لقد طوّعتِ يا زها بمجهودكِ الحديد، وجعلتِ من الكتل الخرسانية الضخمة فتاة حالمة، تستلقي تارة، وتنحني بدلعٍ تارة أخرى، على اليابسة وفي الماء، وراحت تتسابق إليك الدول لتثبيت "واجب حضور" هذه القدرة الفريدة على أراضيها، بعلمٍ أو دون علمٍ أنّ فيها دماءً عراقية تدور وتفور. وبهذا، لا يمثّل رحيلك نهاية الطريق، بل كنتِ محظوظة جداً حينَ استجبتِ للنداء وأغلقتِ النافذة قبل أن يترهّل الاحتفال ويخبو كل هذا الصخب!

كنتِ كعراقية المولد والمنشأ علامة كبيرة لمبدعي الداخل. أولئك الذين يصرفون الكثير من الوقت -قبل وبعد أي عمل إبداعي- لتجنب الانفجارات والاغتيالات في كل مشوار يقصدونه، ويقضون وقتاً آخراً للتفتيش عن لقمة عيش تحفظ الكرامة. وما أشحّها! أولئك الذين يتبادلون أعمالهم ونتاجاتهم فيما بينهم كأنهم يقايضونها ثمناً للحياة، كي يتأكدوا مع بدء كل صباح؛ أنهم ما زالوا على قيد هذا التحدي المجنون.

لا أرثيكِ يا زها، لكنّي غاضب ممن زرع في بلدي بذرة الخسارة، وساهم في إمدادها بما يحييها، واستطاع خلال سنوات ثقيلة أن يشكّل صورة ذهنية لا تقبل الشك، أنّ العراق قاتل أبنائه، وأن الجهد "مدفوع الدم" صنعٌ محليّ، لا يستطيع منافسة السوق العالمية التي يحرّكها حبرٌ "أسود".

XS
SM
MD
LG