Accessibility links

logo-print

عندما نبحث في ذاكرتنا عادة ما تقفز تلك الأشياء العزيزة على القلب أولا أو تلك الملامح البعيدة المقيمة في طفولة باكرة قد تكون كتابا لطفولة بهية أو قد يكون عزف قيثارة على شرفة بيت غادره أصحابه بعيدا و لم يعودوا أبدا. قد تكون أغنية رددتها الجدات في مجالسهن المسائية التي تحدث بعيدا عن أعين الرجال أو قد تكون خياطة أو طرزا لقطعة أثاث تدفئها أصابع الأم الحانية في زاوية قصية من البيوت الأولى في قلوبنا وعادة فإن تلك البيوت وحدها هي من تختار الإقامة الأبدية في أسرار أرواحنا.

أستيقظ يوما في لقاء على جلسة شاي بين مروان أحمد هذا الإعلامي المتعدد الصنائع والذي اختار لنفسه أن يكون سفيرا للثقافة العربية في أميركا، وشريكته في الفكرة ومعناها الناشطة الأميركية المغربية خديجة غزار. قالا بصوت واحد في تلك اللحظة إن واشنطن هذه العاصمة الفاتنة الملامح والعميقة الهدوء بحاجة إلى مهرجان للثقافة العربية يعلن مدويا في سمائها.

في لحظة إعلانها تلك، كانت الفكرة تبدو مغرية جدا للسماع وللاستمتاع بها لكن تنفيذها على الأرض يحتاج الى جهد خرافي وإلى الكثير من الداعمين لها ماديا وروحيا، وأخيرا برغبة الحضور قصد النجاح في نقل الفكرة من عالم الطموح إلى واقع الناس.

لمروان تجربته السابقة في مدن أميركية أخرى، لكنه حديث العهد بالحياة هنا في واشنطن ومع ذلك قرر أن يغامر بمساعيه بين كل الأصوات والوجوه التي يرى أنها يمكن أن تكون رافدا إضافيا في سبيل تحقيق هذه الفكرة في حياة عرب العاصمة الأميركية وما جاورها من ولايات الساحل الشرقي.

ولأن العادة جرت أن تكون مهرجاناتنا العربية عبارة عن غناء ورقص فقط، كانت الفكرة هنا أن يكون مهرجان واشنطن من و جهة نطر خديجة ومروان نافدة كبيرة يطل من خلالها أبناء العائلات العربية المولودين في أميركا على ثقافة الأجداد والموروث الروحي والفني والغنائي المقيم هناك في ذلك الشرق البعيد وفي ذلك الجزء الشمالي من قارة افريقيا.

وحتى هذا لم يكن هو كل الطموح في مشروع المهرجان؛ بل إن الطموح يتجه إلى تحويله لتجمع عربي كبير لأبناء الجالية يحقق التواصل والتعارف فيما بينهم أولا ثم مع بقية مواطنيهم الأميركيين من الأصول الأخرى. ولذلك وجب في المهرجان أن يتضمن كل صنوف ومظاهر الحياة العربية من طبخ ولباس وأغنيات ورقصات وطرز وخياطة وحتى تلك المجالسة المصنوعة تقليديا والتي تزين في العادة غرف الجلوس العائلية في البيوت العربية.

وجد الثنائي خديجة ومروان من يسعد بالفكرة من أبناء الجالية ويريد لها أن تتحقق كالمتطوعة سعاد صديقي وآخرين، ووجدوا من يدعم تنفيذها على خشبة المسرح المفتوح حتى لو تطلب الأمر الكثير من التضحيات المضاعفة. ولكن متى كانت الأفكار الجريئة تتحقق بالقليل من الجهد؟

ملامح المغامرة في المهرجان كانت تطل بعينيها في وجه صاحبيها و خاصة ذلك السؤال الذي يثير كل الأرق الممكن فيهما وهو كيف ستكون الاستجابة بين سكان منطقة واشنطن الكبرى لفكرة المهرجان في طبعته الأولى؟

فكرة أخرى ساهمت الأيام في بلورتها وهي تزامن يومي المهرجان مع احتفالات عيد الأضحى وعودة العائلات من إجازاتها الصيفية وبداية الموسم الدراسي وبالتزامن مع موسم الأعياد هنا في الولايات المتحدة، فازدادت الفكرة لمعانا وبريقا وهي تجد لنفسها هذه الحيز المعنوي في قلوب وعقول عرب واشنطن .

في ذلك الصباح الخريفي وقبل عام مروان وخديجة يصلان الحظيرة المفتوحة في شمال فرجينيا قبل أن تصل آلاف من العائلات العربية و الأميركية إلى مساحة المهرجان احتفاء بطبوع ثقافية قادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

عندما كانت طائرة تعبر سماء الحظيرة أحيت في قلوب كثيرين رغبة السفر إلى أوطان يغيب عنها الأمان في الوقت الحاضر هناك بعيدا ارتفعت الموسيقى في فضاء الحظيرة بطبوع بعضها شرقي وآخر أفريقي من شمال وشرق القارة السمراء واختلطت الأنغام وتراقص الجميععلى ايقاعات أحيت الكثير من ملامح تلك الذاكرة المقيمة عميقا في نفوس الآباء وهي اكتشاف الأبناء في اللحظة تلك وفي المكان ذلك.

في الزاوية الأخرى من المكان نصب الناشط المغربي حسان سمغوني خيمته التي يستعرض في أجزائها أثاث البيت المغربي المصنوع في كل تفاصيله بأصابع مبدعة من تلك الديار التي تقيم في قلب حسان ولم تغادره أبدا .

هناك على طرف الخيمة، جلست الناشطة الاميركية ليندا كاي ميرس التي تحترف الرقص وهي تحدثني عن قيمة هذا الفن في مد جسور التواصل بين أطراف وثقافات العالم حتى وإن تباعدت.

لا تعرف ليندا الكثير عن ثقافة الشرق، لكنها وجدت في المهرجان ما يغنيها عن ترجمة ما كان يحدث أمام عينيها من رقصات وأنغام قادمة من هناك.

تقول والفرح يتراقص في عينيها إن هذا الرقص لغة إنسانية مشتركة تملك القدرة على تجاوز كل الفواصل الموجودة في حياة الناس وبناء جسر بين جزءين من العالم بعيدين في خرائط الجغرافيا، لكن هذه اللغة التي تقتحم الروح تعرف جيدا كيف تجعل الجميع يتشارك الإحساس الواحد وحتى الفرحة الواحدة في لحظة وهذه عبقرية الإبداع الفني الحقيقية.

حضرت إلى المهرجان مها الشامية الأصل والأميركية المولد والحياة وألبستها والدتها زينة العروس في يوم زفافها وعرضت على الحضور نماذج من تلك الفنون التي تبدع فيها سيدات الشرق وهن جالسات في بيوتهن حيث تحتاج الحياة من النساء هناك إلى عبقرية الابداع لتحقيق فرص الحياة في أجمل صورها في حياتهن وعائلاتهن وهن يفعلن ذلك فعلا ويوميا.

هكذا ترى ليندا هذه التي وجدت نفسها منغمسة بالكامل في روح المشرق والمغرب محبة واعجابا من خلال تعاونها مع المعرض الأميركي المغربي أن هذا الابداع يتم بكامل عناصره في البيوت وتستعين به النساء هناك لتحسين وضعهن الاقتصادي والاجتماعي و بوسائل عادة ما تكون محدودة وذلك وجه آخر لعبقرية الشرق كما تقول ليندا.

على ركح المهرجان أغنية عربية ورقصة مصرية قادمة من منطقة الصعيد؛ تلك الأرض بأهلها الطيبين، ورقصة أخرى من أجزاء متفرقة من السودان ذلك الوطن الجريج في ذاكرة أبنائه المهاجرين إلى هنا والذين اجتمعوا وتطوعوا لتأسيس فرقة للرقص السوداني أسموها "الطيور المهاجرة" حتى يظل الوطن الأم مقيما في قلوب المواليد الجدد.

ولم تغب أغنيات أخرى من المغرب وسورية ولبنان وبلاد الخليج، فالعرب جميعا هنا اجتمعوا وشكلوا مشهدا واحدا ممتعا لجميع الحضور من عرب وغير العرب في الدورة الثانية من مهرجان العرب في منطقة واشنطن الكبرى.

في تلك اللحظات من الإبداع الموزع في أطراف هذه الحظيرة المفتوحة في الهواء الطلق، اتسع الوقت أمام الثنائي خديجة ومروان للجلوس معا لتناول طبق كسكس مغربي كانت خديجة قد أعدته في بيتها الليلة الماضية وأحضرته للاستعانة به على يومها الطويل هذا.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG