Accessibility links

هل يمكن استئصال ظاهرة التحرش الجنسي من الشارع المصري؟


التحرش الجنسي تحول إلى ظاهرة مقلقة في مصر

التحرش الجنسي تحول إلى ظاهرة مقلقة في مصر

"أنا حصل لي تحرش في آخر أيام شهر رمضان... كنت فاكره الجملة دي بعيدة عني ويمكن ميجيش علي اليوم أقولها بس قلتها". بهذه الكلمات المعبرة بدأت الفتاة المصرية شيرين تروي معاناتها مع التحرش الجنسي في أحد شوارع القاهرة.

وقالت شيرين، التي رفضت نشر اسمها الكامل، في حوارها مع موقع "راديو سوا" إنها قررت نشر واقعة التحرش بها على صفحتها على فيس بوك في ذات اليوم بعد أن رفض أحد رجال الشرطة تحرير محضر لها بالحادث، وسخر منها.

وأضافت شيرين، وهي تعمل أخصائية اجتماعية، أنها كانت تسير بأحد شوارع القاهرة ظهرا عندما قام أحد الشباب بلمسها من الخلف، وأفادت أنها قامت بتتبعه وبعد محاولات نجحت في الوصول إليه، وناشدت الأهالي مساعدتها في القبض عليه ولكنهم أقنعوها بأن تتوجه إلى قسم الشرطة لتقديم بلاغ، الأمر الذي فشلت فيه لرفض أحد عناصر الشرطة تحرير محضر لها متعللا بأن السلطات لديها قضايا أهم للتعامل معها.

وبعد عدة أيام من إحساسها بالقهر والظلم، قامت بمحاولة أخرى لتحرير محضر ضد من تحرش بها ونجحت هذه المرة، وبعدها قامت بتدوينة جديدة عبر فيس بوك قالت فيها "عملت المحضر وهيروح النيابة وأنا هفضل أتابع والضابط وعدني هيجيبه لحد القسم كمان يومين".

بيد أن السيدة ريم أحمد، التي قالت إنها تتعرض للتحرش بشكل يومي من قبل شباب قد لا يتعدون الـ14 من عمرهم أحيانا، لم يسبق لها اللجوء إلى السلطات.

وأضافت، وهي معلمة في الأربعين من عمرها ولديها ابنة واحدة، أن المضايقات تحدث في المترو وفي الشارع بل حتى في فصول الدراسة، مشيرة إلى أن المتحرشين بها "يتلفظون بكلمات بذيئة لا يمكن ترديدها، ولا يحترمون أحدا وأنهم لا يستهدفون فتيات أو سيدات معينات بل قد يتحرشون بالصغيرة والكبيرة والتي ترتدي لباسا محتشما سواء كانت محجبة أم لا والتي ترتدي ملابس قد تعتبر مغرية".

وأعربت عن القلق الذي يساورها عندما تغادر ابنتها المنزل، مشيرة إلى أن الظاهرة تعود لعدم تربية أولئك الشباب تربية حسنة، فضلا عن الفراغ الذي قد يعيشونه.

"الدولة مصدر التحرش"

واتفق خبراء ونشطاء في مجال حقوق المرأة ومهتمين بالتحرش الجنسي على أن الدولة المصرية كانت من أهم أسباب تفشي الظاهرة وذلك بعد أن استخدمت التحرش ضد ناشطات وصحافيات في مظاهرات ووقفات احتجاجية.

وقالت نهاد أبو القمصان، رئيس المركز المصري لحقوق المرأة، إن ما حدث أمام نقابة الصحافيين بالقاهرة في 25 مايو/أيار 2005 كان بمثابة رسالة إلى المواطنين فحواها "أن أجساد المرأة المصرية مستباحة في مقابل عدم المعارضة أو التدخل في شؤون الحكم".

واتفق معها فتحي فريد الناشط الحقوقي ومنسق مبادرة فؤادة Watch، وهي مبادرة حقوقية لمراقبة ورصد أداء الرئيس المنتخب تجاه قضايا المرأة وحقوق الإنسان، وقال إن "مؤسسات الدولة في هذا اليوم اتفقت على استخدام التحرش الجنسي كسلاح ضد المتظاهرات وقامت بهتك عرض الصحافية عبير العسكري ونوال علي محمد".

انحسار أم انتشار

وعما إذا كان التحرش في انحسار أم انتشار وتنامي، قالت أبو القمصان إن الظاهرة يمكن محاصرتها في وقت قريب وبسهولة لأن جريمة التحرش الجنسي تعتمد على صمت الضحايا وتراهن على الضغط الذي يمارسه المجتمع على الضحايا بفكرة لوم الضحية وأنها المتسببة في تعرضها للتحرش.

وأضافت "انتشار الظاهرة بهذا الشكل المزعج دفع الضحايا إلى التحدث والشكوى بالإضافة إلى الجهود التي قامت بها منظمات المجتمع المدني وكسرت حاجز الصمت، ستبدأ هذه الجريمة في الإنحسار بقدر ما ستعلي النساء أصواتهن والكلام عنها وبقدر ما تستجيب الحكومة عبر اتخاذ تدابير للحد من المشكلة، ونحن ما زلنا نعاني من حالة إنفلات أمني وعودة الأمن شرط أساسي للسيطرة على هذه الظاهرة".

وقد اختلفت معها إيناس إبراهيم رئيسة مجلس إدارة مؤسسة "باحثة البادية" المعنية بالمرأة والشباب، التي قالت إن "التحرش ظاهرة كانت موجودة واختفت أثناء الثورة تماما، كانت موجودة لكن في الخفاء، كان المتحرش يكون خائفا عندما يتحرش بالنساء أو الفتيات".

وأضافت إبراهيم "بعد 18 يوما اعتقدنا أن الظاهرة انتهت تماما من الشارع المصري لكن فوجئنا بعد ذلك بهجمة شرسة، وانتشر التحرش في كل مكان وتحول من الخفاء إلى العلن". وأفادت أن ما يزيد الطين بلة هو ظهور "ظاهرة التحرش الجماعي في الأعياد فتنزل مجموعات من الشباب يقومون بتحرشات جماعية، يشدون البنات من لباسهن ومن أذرعهن، ويخبطوهن (يضربوهن) في أماكن حساسة في أجسادهن".

وكشفت إبراهيم أن لدى مؤسستها، التي أطلقت مع عدد من المنظمات حملة "واجه التحرش" في الرابع من سبتمبر/أيلول 2012 وتستمر ثلاث سنوات، "عندنا أرقام مخيفة، لدينا إحصائيات تشير إلى أن 40 في المئة من السيدات في مصر وعندنا إحصائيات أخرى تشير إلى أن 80 في المئة من الشابات يتعرضن للتحرش".

وقد كشفت دراسة أعدها المركز المصري لحقوق المرأة عام 2008 بعنوان "غيوم في سماء مصر" أن 83 في المئة من المصريات و98 في المئة من الأجنبيات تعرضن بالفعل للتحرش الجنسي بأشكاله المختلفة.

وكشفت دراسات أخرى أن الغالبية العظمى من النساء لم يفعلن شيئًا عند تعرضهن للتحرش الجنسي، حيث أن اثنين في المئة فقط من النساء المصريات أبلغن عن التحرش الجنسي في أقسام الشرطة. ويميل عدد كبير من الرجال والنساء إلى إلقاء اللوم على الإناث.

البنود التي تعاقب على جريمة التحرش الجنسي في قانون العقوبات المصري

البنود التي تعاقب على جريمة التحرش الجنسي في قانون العقوبات المصري



مواجهة التحرش


وعن الحلول وطرق مواجهة التحرش، قالت أبو القمصان إن "قانون العقوبات المصري به ثلاث مواد تتناول بعض أشكال التعدي الجسدي لكنها ليست كافية في ظل انتشار الظاهرة"، مضيفة أن بعض ممارسات التحرش لا تأتي ضمن الجرائم التي تضمّنها قانون العقوبات، وأن هناك حاجة لإجراء تعديل تشريعي يشمل مختلف كافة أشكال التحرش.

وفي نفس الإطار، قالت إيناس إبراهيم، وهي محامية بمحكمة النقض "عندنا مواد في قانون العقوبات تجرم التحرش لكن للأسف هذه المواد غير مفعّلة، ومواد أحيانا يتم التلاعب بها، وأحيانا نقول إن المتحرش صغير في السن فنأخذ ذلك بعين الاعتبار"، وأضافت "نحن مجموعة من المحامين أسسنا لجنة قانونية متعلقة بالموضوع في طريقها للإعداد لقانون خاص بالتحرش الجنسي".

وأوضحت أن القانون "سيتم تقديمه إلى البرلمان الجديد، وهو قانون تكون فيه عقوبة الحبس وجوبية، والعقوبة من جلسة واحدة ضمانا لتحقيق الردع العام"، و"لدينا مطالب في الدستور متعلقة بضرورة النص على المواطنة الكاملة، بمعنى أن المرأة والرجل إنسان لا فرق بينهما في المعاملة الدستورية، وبوجود باب في نصوص الحقوق والحريات في الدستور يضمن حقوقا أكثر عدالة للمرأة المصرية".

ويتم التحرش الجنسي في مصر عموما عن طريق ملامسة النساء والتلفظ بعبارات إباحية، وقيام رجال بكشف أعضائهم الخاصة للنساء. وأحيانا يمارس هذا السلوك في الشوارع أو وسائل النقل العامة، بالإضافة إلى الأماكن السياحية و المعاهد التعليمية الأجنبية.

وقال فتحي فريد إن التصدي للظاهرة يمكن أن ينجح من خلال الإعداد والتنظيم لحملات توعية وحملات إعلامية لتوضيح مخاطر الظاهرة والعمل على التصدي لها بالإضافة إلى استصدار تشريع عاجل من قبل رئيس الجمهورية بمساعدة الخبراء النفسيين والاجتماعيين للحد من التحرش في الشارع المصري.

وقالت إبراهيم إن حملة "واجه التحرش" تنظم فعاليات متنوعة تشمل تدريبات لرجال الدين لأن "المنبر الديني مهم جدا فجميع الديانات تنص على كرامة المرأة وعلى ضرورة صيانتها"، وتدريبات للإعلاميين لتغيير الخطاب الإعلامي والإهتمام أكثر بقضايا التحرش الجنسي وقضايا المرأة عموما.

كما قالت إن هناك تدريبات نفسية للشباب ستؤهلهم وتعيد القيم والأخلاق فيهم، مشيرة إلى أن العامل النفسي يعتبر أحد أسباب التحرش لأن "الشاب في الغالب يكون فقيرا، عاطلا عن العمل وعنده عوامل نفسية تؤدي إلى التحرش، كما يكون عنده شعور بالنقص والغضب ولديه غريزة غير مشبعة، وهو يرغب في الزواج لكن بسبب ظروف اقتصادية معينة فهو غير قادر على ذلك. أيضا هناك التدين الشكلي إلى جانب ضعف دولة القانون".

وشددت إبراهيم على أن أهم تأهيل سيكون مع الفتيات حتى يتمكنّ من التصدي للتحرش "عندنا مشكلة كبيرة في المجتمع المصري لأن بناتنا يخجلن من القول إنهن تعرضن للتحرش فمن الضروري أن يعلمن أن عليهن التعبير عن رأيهن وغضبهن"، وأشارت إلى أنه تم إنشاء لجنة مساندة قانونية مجانية لغير القادرات لكي تتابع قضايا التحرش.

وقالت إنه سيتم مساعدة ضحايا التحرش عبر تخصيص رقم خاص سيتم الإبلاغ عنه، وتعليمهن طرقا للدفاع عن النفس ومواجهة التحرش "لكي تكون المواطنة المصرية حازمة وأن تبادر بالتصدي للمتحرش بها قبل أن يعتدي عليها، وإذا تحرش بها فعلا فنحن سنساعدها كمؤسسة عبر مساندتها قانونيا ورفع الدعوى واستصدار حكم قانوني وضمان تنفيذه".

واختتمت إبراهيم حديثها بالتأكيد على أن الظاهرة يمكن القضاء عليها عبر إدانة شخص واحد بتهمة التحرش الجنسي وجعله عبرة للآخرين ما سيؤدي إلى تحقيق ردع كامل في الشارع المصري.
  • 16x9 Image

    هيثم فارس

    درس العلوم السياسية وتخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ثم التحق بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية للعمل بمجلة السياسة الدولية كباحث في العلوم السياسية، ثم انتقل للعمل في عدة صحف محلية وإقليمية كمراسل وصحفي محترف.

  • 16x9 Image

    بديعة منصوري

    التحقت بموقع راديو سوا منذ أيامه الأولى في مارس/آذار 2003، حيث عملت على الترجمة وتحرير الأخبار وإجراء المقابلات، وساهمت في تغطية عدد من الأحداث المهمة في الولايات المتحدة، وتكتب في قضايا المرأة.
    تتابع دراسة الإعلام في جامعة جورج ميسون الأميركية.

    يمكن الاتصال بها على البريد الإلكتروني التالي: bmansouri@radiosawa.com

XS
SM
MD
LG