Accessibility links

حكاية امرأة.. حكاية وطن


مراسل قناة الحرة رابح فيلالي في جنوب السودان

مراسل قناة الحرة رابح فيلالي في جنوب السودان

كنت دائم التساؤل وأنا أعبر شوارع عاصمة جنوب السودان "جوبا" عن ذلك المشهد الذي يطبع الأرصفة والطرقات هناك.. نساء من أعمار مختلفة يبعن المشروبات الساخنة والمأكولات الخفيفة في محلات صغيرة بنيت من قطع خشبية على أرصفة شوارع العاصمة الفتية.

المشهد بجلال معانيه يثير في نفسي كثيرا من الأسئلة خاصة وأن هؤلاء النسوة عادة ما كنت أقابلهن في الساعات الأولى من كل صباح وأنا أتنقل بين أطراف المدينة.

في العادة هن وحدهن من يعلنّ بدء الأيام الجديدة في جوبا لأنهن يستهدفن الزبائن القاصدين أعمالهم في ساعات الصباح الباكر وزبائن آخرين يتهيأون للانتشار في المدينة فيما تبقى من اليوم.

شاهد تقرير مراسل "راديو سوا" رابح فيلالي عن المرأة الجنوبية أعده من جوبا:

سارة.. فتاة عشرينية تمثل حال المرأة الجنوبية

سارة.. فتاة عشرينية في خفة ونشاط ظاهر للنظر تملأ فضاءها الذي خصصت له زاوية من الشارع الرئيسي في المدينة الذي ينتهي على حدود القصر الرئاسي الذي بنته حكومة الجنوب مباشرة بعد إعلان التوصل إلى اتفاق السلام مع حكومة الشمال العام 2005 والذي يقع هو الآخر على مسافة قريبة جدا من تلك الربوة التي تعتلي المدينة حيث أقيم ضريح و مزار للزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق.

وسط هذا الطريق الذي تتكثف حوله معان تاريخية في الجنوب تقيم سارة هذا الفضاء الذي يخصها لوحدها تبيع فيه للعابرين ما يحتاجون إليه من مشروب الشاي المشروب الرئيسي للجنوبيين إضافة إلى ما يحتاجون إليه من أطعمة خفيفة يسيرة التحضير وخفيفة الحمل.

بعض زبائن سارة يفضل أن يتوقف في فضائها وهي لأجل ذلك على استعداد دائم لتنفيد رغبات زبائنها من خلال كراسيها الصغيرة الحجم وطاولاتها المتحركة لهذا الغرض، وكثير من الزبائن يفضل أن يتوقف عند الرصيف بسيارته ليحصل على الخدمة المطلوبة سريعا وينصرف إلى شؤونه.

اختلاط النسب بين الشمال والجنوب

في حكاية سارة كثير من الأوجاع.. خلف ذلك الوجه المبتسم دوما. حكاية أخرى تماما.. هذه الفتاة المختلطة النسب بين الشمال والجنوب بين أب شمالي يعمل في تجارة الألبسة في جوبا وأم جنوبية.. لكن ولأسباب صحية يعجز الوالد عن إعالة أفراد أسرته وتجد نفسها سارة مضطرة لتحمل مسؤولية العائلة بحكم كونها البنت البكر في العائلة.

سارة خرجت إلى الشارع مثلها مثل مئات من النساء الجنوبيات لبيع المشروبات والوجبات الخفيفة في مشهد يميز جوبا عن باقي مدن السودان بشطريه وكثير من دول القارة السمراء.

في حالة سارة الإنسانية قصة وجع، ذلك لأنه لا وظائف متاحة للنساء في جوبا ولا فرص تعليم ممكنة لهن.

وفي حالات نساء أخريات كثير من الشجاعة تظهر وهن يسردن قصصهن في المأساة بعضهن مطلقات وجدن أنفسهن في مواجهة مسؤوليات إعالة صغارهن وبعضهن الآخر وهن كثيرات وجدن أنفسهن يدفعن ثمن الحروب المتلاحقة في الجنوب على امتداد نصف قرن من الزمن حيث مات أزواجهن في هذا الصراع مع الجار الشمالي في واحدة من الحروب التي لا تكاد تهدأ مع الجيران حتى تندلع من جديد وبعض آخر من هؤلاء النسوة وجد في وضع آخر لايقل مأساوية عندما انقطعت الصلة بينهن وبين أزواجهن اللاجئين إلى دول الجوار.

مليونا قتيل في الحرب بين الشمال والجنوب

قتلت الحرب بين جنوب السودان ما لا يقل عن مليونين من الضحايا وهجّرت ملايين آخرين وخلفت من وراء كل ذلك أوضاعا إنسانية مأساوية في حياة سكان الدولة الفتية في الجنوب.

في واحدة من مظاهر هذه المأساة يقول "جوزيف باتيستا" الصحافي الجنوبي العامل في المحطة الإذاعية التي أقامتها الأمم المتحدة في العاصمة الجنوبية في مرحلة ما بعد اتفاق السلام إن واحدة من مظاهر هذه المآسي هو الخروج القسري للنساء إلى الأرصفة والطرقات لبيع الحلويات والمأكولات وهن لا يملكن لذلك بديلا.

تحرص النساء البائعات هنا على تحضير المأكولات المعروضة للبيع في ساعات متأخرة في بيوتهن قبل خلودهن للنوم على أمل اليقظة في ساعة مبكرة في اليوم الموالي فيما تفضل أخريات العمل في إطار مجموعات مشتركة في محل واحد حيث تتفرغ إحداهن لخدمة الزبائن وتعمل الأخريات في جانب خلفي من المحل على تجهيز المطلوب من شراب وغذاء.

المرأة الجنوبية تحملت أعباء الحرب بكل ضراوتها

تقول الجنوبيات إنهن سعيدات بأقدارهن فهن من تحملن أعباء الحرب بكل ضراوتها مع الجار الشمالي وهن من تحملن مهام التربية والعمل في الحقول لرعاية أطفالهن بينما الرجال يقاتلون في مساحات الجنوب الواسعة وهن من تحملن أعباء التربية والتعليم والتدريس لأطفالهن في ظروف في غاية الصعوبة والقساوة حيث لا مدارس، وكان العراء هو الفضاء الوحيد المتاح والبديل.

وعندما تستعد الدولة الجنوبية في جوبا للإعلان عن نفسها حينذاك تجد هؤلاء النسوة في أنفسهن ما يكفي من الطاقة والاستعداد لتحمل أعباء التحول الجديد في تاريخ البلاد ومواجهة أعباء بناء الدولة الأحدث في القارة الإفريقية.

ليس لهؤلاء النساء كثير من الوقت لأنفسهن ولا للأخد بأي من متع الحياة في أوقاتهن؛ فهن وبدءا من ساعات الشروق الأولى وصولا إلى ساعات الغروب في المساء وفيما بعد ذلك هن أمهات لأطفال صغار ويافعين ينتظرون عودتهن بفارق بسيط أن أغلبهن لا يحتجن إلى طبخ غداء لصغارهن لأنهن عادة ما يأخدن معهن ما زاد من طعام عن حاجة الزبائن لأطفالهن في نهاية أيامهن الشاقة جدا.

الأمهات يرسلن أطفالهن إلى الشمال للتعليم

كان لي سؤال آخر إن كان بيع الشاي على الرصيف في جوبا يؤمن لهؤلاء النساء ما تحتاج إليه عائلاتهن.. بعضهن ضحكن عاليا وهن يسمعن السؤال مني وبعض آخر منهن تنهد في حزن ظاهر وأخريات كشفن لي عن مفاجآت مدوية وهن يبحن بما في قلوبهن من آلام وأوجاع.

في بعض الإجابات الصادمة واحدة منهن تقول إنها أرسلت طفلتها عند شقيقتها في الدولة المجاورة أوغندا على أمل أن تحصل على فرصة تعليم في حياتها ولكنها لا تستطيع أن توفر ما يكفي حاجة طفلتها ومصاريف دراستها هناك ولذلك فهي في غالب الوقت ترسل كافة مداخيلها إلى الدولة المجاورة وهي لا تتمنى أكثر من أن تعجل الحكومة الجديدة في جوبا في بناء مؤسسات تعليمية تسمح لطفلتها والأطفال الآخرين بالعودة إلى عائلاتهم وترفع عنها وعن العائلات الأخرى هذا الغبن القائم في حياتهن.

إجابات أخرى تقول صاحباتها.. إنهن يرضين بما تيسر لهن من مداخيل وأنهن لا يملكن إلا الرضا بهذا والعيش بما تيسر حتى لو كانت الحياة هنا في المدينة تظهر للغرباء أنها لا تحتاج إلى تكاليف عالية جدا لكنها بالنسبة لسكانها غير مقدور على تكاليفها وذلك بسبب قلة مداخيلهم في بعض الحالات أو انعدامها في غالب الأحيان ما يضطر هؤلاء النساء إلى البحث عن فرص حياة أخرى من خلال العمل في الأراضي والسعي لتأمين حاجيات العائلات من خضار وفواكه.

أطول حروب القارة السمراء

استمعت إلى كل هذه القصص وأنا أفكر في نفسي لأجد أن كأس شاي على الرصيف فتح لي الطريق واسعا للوقوف على واحد من أكبر وجوه المآسي التي خلفتها الحروب المتلاحقة بين الشمال والجنوب في السودان على امتداد نصف مما جعلها توصف بين الأفارقة بأنها أطول حروب القارة السمراء في تاريخها الحديث.. وذلك يقال عن قارة هي رمز للحروب وعدم الاستقرار في دولها وبامتياز.

لحظتها فقط لم يعد لكأس الشاي الذي شربت أي طعم للحلاوة حتى لو اضطررت إلى وضع كل السكر الموجود في المحل فيه.. فطعمه لم يكن سوى وجع وألم وحسرة على شعوب أكلت أعمارا و أجيالا من أبنائها في نزاعات جانبية وكان الحل فيها قريبا من نظر صانعيها لكن للحروب جنونها الدائم.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG