Accessibility links

logo-print

حركتها دائمة وتوقفها قليل بين قاعة محاضرات واخرى واجتماع واخر ورنة هاتف عاجلة وأخرى قادمة وجدت متسعا من الزمن لتسمع بعضا من أسئلتي.

إنها الدكتورة "ماريا كرولي" رئيسة الفريق الاميركي المشارك في مؤتمر الزهايمر العالمي في دورته الخامسة عشر في صيف العام الحالي بواشنطن.

ماريا المزدحمة الجدول على مدار الساعة وهي واحدة من الاسماء الأميركية اللامعة في معركة الكفاح ضد مرض الزهايمر الذي فتك حتى الآن بذاكرة خمسة ملايين من الأميركيين و60 مليون آخرين في أجزاء مختلفة من العالم تنتظر مع شركائها في المؤسسة الاميركية للزهايمر وصول خمسة آلاف من خيرة الأطباء والباحثين والمختصين في معالجة هذا المرض من 65 دولة من جهات العالم قاطبة للقاء في واشنطن وتبادل الخبراء والتجارب حول أحدث الطرق الممكنة للقضاء على هذا المرض الذي يهدد الملايين الآخرين في العالم في مستقبل الأيام.

أسئلتي كانت جاهزة سلفا وأخبرتها بغالبها في اتصالاتنا الهاتفية المتقطعة والمتكررة بين وقت وآخر عن خطورة المرض وعن الآمال التي يمكن ان تحققها أعمال هذا المؤتمر في نفوس اليائسين من الناس الذين فقدوا الاتصال بذاكرتهم الفردية والعائلية والجماعية وباتوا يعيشون على مساعدة الاخرين في تناول ابسط حاجاتهم في الحياة.

أول ما تقول به ماريا ان العالم يجب أن يلتفت الى حقيقة انتشار هذا المرض بين سكانه ويدرك المخاطر التي تهدد حياة المصابين به وتثير مسألة أن رعاية المرضى المصابين بالمرض في الوقت الحاضر تكلف خزائن الدول الغربية وحدها مليارات الدولارات وهو الامر الذي تدعو الى اعادة النظر في أسلوب واستراتيجية التعامل معه من خلال توجيه الاهتمام أكثر إلى دعم البحوث العلمية المختصة وتخصيص المزيد من الاموال لهذا الغرض وذلك بالنظر للنقص الواضح في هذا الجانب.

هنا انقل ماريا إلى سؤال آخر يتعلق بسر اختيار واشنطن مقرا لانعقاد هذا المؤتمر حيث تجد هذه الباحثة والطبيبة ذات الأصول اللاتينية أن الحكومة الأميركية الحالية تولي اهتماما غير مسبوق لمرض الزهايمر لكنها مع ذلك تقول إنها وفريق العمل الملازم لها يتطلعون الى مزيد من الدعم من الادارة الاميركية كما يتمنون أن ينجح شركاؤهم من الأطباء والباحثين والجمعيات غير النفعية المتهمة بلفت انتباه كافة حكومات بقية العالم الى مخاطر الزهايمر على الأفراد والمجتمعات.

في لطفت لافت اعتذرت ماريا لتغادر مجلسنا لتحيلني بعد ذلك الى زميلها في المؤسسة الاميركية للزهايمر الدكتور داني هارتلي وهو طبيب متخصص في المرض ويراس وحده البحوث والدراسات في المؤسسة ويتحرك هنا في قاعات مركز المؤتمرات بواشنطن على مدار الساعة وفي كل اتجاه خدمة لكل الشركاء الباحثين القادمين للمشاركة في هذا الحدث العالمي واستجابة لكافة طلبات الاعلامين المتابعين لأعمال المؤتمر .

هارتلي في هدوئه الدائم يعتقد ان مؤتمر واشنطن سينجح في تقديم بعض الإجابات الحاسمة عن مستقبل التعاطي مع المرض مع وجود فرضية علمية يمكن ان تتأكد بين الباحثين قريبا جدا تقول بان بعض الفحوص الطبية المتقدمة بإمكانها أن تساعد على معرفة احتمال الإصابة بمرض الزهايمر قبل 20 سنة من حدوثه وهو ما يوفر الفرصة للتعامل مع المرض على الأقل إن لم يتمكن الأطباء من الخلاص منه نهائيا فانهم حينها سوف يملكون القدرة على إبطائه ومنع تطوره بسرعته الطبيعية كما هو شائع في الوقت الحاضر.

الدكتور هاردلي يرى في هذه الخطوة تقدما كبيرا إلى الأمام ذلك لأن المريض اليوم يكتشف إصابته في المرحلة المتقدمة من المرض وهو الامر الذي يجعل من العلاج لا يتعدى الاعراض لأن المرض حينها سيكون واقعا قائما ولا حيلة للفكاك منه ولا يكون امام الاطباء والاهل سوى التعامل مع واقع لا يملكون أمامه اي خيار اخر غير القبول به.

الدكتور هاردلي الذي قاسمني قهوة الصباح في مقهى المؤتمرات المخصص للإعلاميين قدمني لصديق آخر من أصول شرق اوسطية وتحديدا من مدينة حلب السورية الدكتور زفان خورشيشيان.

زفان وصلت عائلته إلى العاصمة الأميركية قبل 50 سنة وكان من أوائل الاطباء الذين اختاروا التخصص في الزهايمر قبل 30 عاما و تنقل في جميع المناصب في المؤسسة الأميركية قبل ان يختار التقاعد في السنوات الاخيرة لكنه لايزال حتى الان يراس الفريق العلمي الاميركي الذي يصدر دورية ابحاث الزهايمر في واشنطن

زفان يقول لي عن بداياته تلك إنه قبل 30 سنة وجد الأطباء أنفسهم أمام حقيقة انتشار المرض بين كبار السن من الأميركيين، لكنه أشار الى نسبة الإصابة به بين الناس في تزايد مستمر مما دفعه و شركاؤه الى الحركة في سبيل إنشاء هذه المؤسسة المختصة وطلب الدعم من الجهات الحكومية والخاصة بهدف تمويل الابحاث العلمية التي تهدف الى جعل العالم بلا زهايمر.

ضيوفي الثلاث الذين تشرفت بالحديث اليهم في هذا المؤتمر العالمي غادروني الى أعمالهم المكثفة بعد ان أحيوا في آمالا كبيرة في إمكانية ان يسمع العالم قريبا أخبارا توصل الباحثين إلى علاج يحفظ للملايين ذاكرتهم التي تسمح لهم بنعمة معرفة العالم من حولهم.

من جانبي وانا أكمل ارتشاف قهوة الصباح تذكرت دموع ذلك الصديق العزيز الذي كان يحدثني بكل الألم الممكن في القلب عن أمه التي أصابها الزهايمر في ظرف قياسي من الزمن وكان يحمل آمال العالم على كتفيه بان يسعد قلبها بحفيدها، وعندما رزق بابنه البكر حمله سريعا الى أمه في بيتها والدمع يملأ عينيه فرحا وابتهاجا لكن رد فعل والدته التي عاشت عمرا كاملا حالمة بهذه اللحظة ردت عليه في هدوء وبرودة وحياد مميت من أنت وماذا تريد مني ولم تحرك ساكنا أمام الرضيع الذي كان يتحرك أمامها.

إنها امرأة بلا ذاكرة وذلك هو ما يفعله في العادة الزهايمر في كل ضحاياه وفي كل مكان .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG