Accessibility links

logo-print

سلمان روبرت أميركي من أصل إيراني وصل واشنطن قبل ربع قرن. عمل في عدة مطاعم بالعاصمة الأميركية لفترت طويلة، لكنه اختار في الوقت ذاته أن يكافح على جبهة اخرى فأضاف الى رصيده في الحياة الكثير من المعارف التي استطاع تحصيلها عن طريق الدراسات في جامعات فرجينيا وحياته حينها توزعت بين العمل نهارا والدراسة في ساعات المساء.

في لحظة فاصلة من حياته وجد طريقه إلى مباشرة مشروعه الخاص في تجارة السيارات المستعملة في منطقة واشنطن الكبرى، وتحول الرجل إلى علامة نجاح مسجلة في السوق المحلية.

سلمان أستعاد هذه المحطات من ذاكر ته الشخصية معي وهو يكرم على منصة الاحتفال السنويالذي يقوم به منظمو حملة أغطية لصالح أطفال سورية في منطقة شمال فرجينيا وما جاورها من محيط العاصمة واشنطن وميريلاند.

سلمان وأفراد عائلته تبرعوا للأطفال السوريين في مخيمات اللجوء بتركيا بما يزيد عن ألفي غطاء. حين سألته عن شعوره، قال إنه لا يفعل أكثر من رد الجميل إلى بلاد فتحت أمامه أبواب الرزق الواسعة وأعطته الكثير من فرص النجاح وأخدت بيده في الساعات القاسية من رحلة تحقيق ذاته.

ر فض سلمان أن يقول كلمة في مناسبة تكريمه واكتفى بصمته وهو يغادر المنصة.

تلك المنصة التي وقف عليها رجال ونساء آخرون جمعتهم هذه القضية الانسانية للعام الثاني على التوالي ونجحوا في إضافة مشهد من الجمال إلى الحياة في هذا الجزء من الساحل الشرقي الأميركي.

وقبل عام أطلق ناشطون أميركيون في منطقة واشنطن الكبرى دعوة عبر الصحف المحلية وشبكة الأنترنت لجمع أغطية شتوية للأطفال السوريين المقيمين في ملاجئ دول الجوار السوري.

حملة شكلت الحدث الاجتماعي والإنساني في هذه المنطقة خاصة وأن إطلاقها تزامن مع موسم الأعياد في نهاية العام فكانت المناسبة فرصة للكثير من العائلات للانخراط في التطوع ونجح المتطوعون في العام الاول في جمع ثمانين ألف غطاء لصالح الأطفال السوريين وتكفل بعض الميسورينمن التجار الأتراك والأميركيين بتحمل نفقات إيصال الأغطية إلى الأطفال في المخيمات علها تكون عونا لهم لمواجهة موسم الشتاء الطويل والبارد جدا.

في العام الثاني روج المتطوعون لحملتهم عبر طرق الأبواب والتنقل من حي سكني إلى آخر ومن عمارة إلى أخرى. وجعلوا الهدف هذه المرة جمع مئة وعشرين ألف غطاء. وكان لهم ذلك في مناسبة عيد الشكر حيث نجحوا في جمع 125 ألف غطاء.

في ذلك المساء غطى البرد كل الفضاء في شمال فرجينيا واستعدت المدينة لموسمها الشتوي البارد عندما التقى الناشطون والمشاركون للاحتفال بالنجاح الذي الذي حققوه ولتكريم رموز اجتماعية حولت جهدها إلى بهجة في عيون أطفال سوريين رمت بهم الظروف التي تشهدها بلادهم الى حياة الخيام.

على مائدة العشاء التقى الناشطون على اختلاف أعراقهم وأصولهم وأديانهم يتشاركون الإيمان بهذا المسعى الانساني النبيل الذين اختاروه لأنفسهم ولأطفالهم.

على تلك المائدة تبادلوا قصصهم المؤثرة والطريفة، منها تلك التي رواها أحد أبرز المتطوعين في الحملة. فهو احتفظ بغطاء رافقه طوال دراسته الجامعية في خزانته الخاصة، وأختار أن يقدمه هدية لابنته عند دخولها الجامعة.

لكنه وجد ابنته ترتب ذلك الغطاء وتعده لتسلمهفي اليوم التالي لنشطاء الحملة في مقاطعة "فيرفاكس". واعتذرت من أبيها قائلة له إنها لم تجد في خزانتها ما هو أغلى عليها من هذا الغطاء وإنها حريصة على أن تعبر لأطفال سورية عن كبير تعاطفها معهم في محنتهم الحالية باعطائهم اغلى ما لديها. بينما الأب يروي حكايته، كان يمسح الدموع التي ذرفتها عيناه الملآنتان بالفخر.

كثير من الناشطين هنا وأنا أحدثهم عن سر انخراطهم في الحملة يقولون إنهم سافروا إلى تركيا واختاروا خلال وجودهم هناك أن يقضوا بعض الوقت مع الأطفال السوريين في الملاجئ وقرروا حينها عند العودة الى واشنطن إطلاق الحملة وان يعطوا الفرصة لكافة سكانها للمشاركة في هذا الجهد الإنساني.

كان لافتا في ذلك المساء أيضا تلك الفتاة التي اختارت مدخل الفندق لترسم لوحاتها في هدوء وسكينة غير آبهة بالحركة في أروقة مدخله. ترسم لوحاتها أمام اعين الحضور وعند تجهيزها تعرضها للبيع مباشرة.

إنها أمين كاباني هذه الرسامة الأميركية من أصل تركي قطعت مسافة ثماني ساعات بسيارتها من أقصى جنوب ولاية فرجينيا الساحلية الى أقصى شمالها للمشاركة.

آمين اختارت أن يكون فنها هو أداتها في التعبير عن مشاركة الأطفال السوريين آلامهم ومعاناتهم. ووجدت فيه رسالتها إلى بقية مواطنيها الأميركيين لتقول لهم إن هناك من الأطفال السوريين من يعيش أوقاتا صعبة جدا في الملاجئ وهو بحاجة الى التفاتة كريمة في هذا الوقت العصيب .

مشهد آخر عميق في دلالاته كان في نجاح الأطفال في جمع مبلغ مئة الف دولار لصالح أقرانهم السوريين مع رسالة محبة أخرى تقول بأمنياتهم بأن يخصص هذا المبلغ لشراء كتب تساعد الأطفال على القراءة حتى وهم يواجهون هذه الأوقات الصعبة في حياتهم .

نجح الناشطون في أن يوحدوا جهدهم في مسعى إنساني أضاف الكثير من ملامح التضامن والتضحية لأجل الآخرين في شمال فرجينيا كما نجحوا في جعل كل الذينحضروا إلى هذه المناسبة الاحتفالية يؤمنون بقوة التواصل في صناعة الفرق في حياة الانسان حتى وإن تباعدت المسافات بين الناس. فللإنسان قدرة هائلة على صناعة الخير هو يسعى الى ذلك. ويزداد الخير بهاء وصفاء وهو يحدث في سمو، بعيدا عن كل الفوارق التي تفصل بين الناس، طالما أن الغاية الإنسانية هنا هي بمستوى وروعة خدمة الاخر والعمل على مساعدته على تجاوز محنته وأوقاته العصيبة .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG