Accessibility links

logo-print

في ذلك الصباح، كانت واشنطن تنهي احتفالاتها بعيد الشكر للعام 2010، وكانت معالم الشتاء الطويل قد بدأت تملأ كبد السماء، لكن ذلك الهبوط الحاد في درجات الحرارة لم يكن ليغير شيئا من قرار أولئك الرجال المؤمنين بقضية الدولة الجديدة في جنوب السودان، وهم يخوضون تجربة المشي على الأقدام بين مدينتي نيويورك وواشنطن.

قبل تلك اللحظة التي ألتقيت فيها هؤلاء النشطاء في الساحة الموازية للبيت الأبيض ومبنى الكونغرس، كان النشطاء السودانيون والسودانيون الأميركيون قد أنهوا لتوهم مسيرة قطعوا فيها 267 كيلومترا مشيا على الأقدام، وخاضوا على امتداد 20 يوما كاملة مسيرة بدأوها ذات صباح خريفي بارد من أمام مقر المنظمة الأممية في نيويورك قاصدين مقر الكونغرس في الضاحية الشرقية من العاصمة واشنطن، على أن يكملوا مسارهم ذلك باستقبال في البيت الأبيض، حيث سيسلمون رسالة للرئيس باراك أوباما لمطالبته بدعم حق الجنوبيين في السودان في إعلان دولتهم المستقلة عن الشمال.

يمزج بين العلمين المحمولين على كتفيه، علم تلك الأرض التي ينحدر منها في جنوب السودان، وعلم هذه البلاد التي حققت له رغبته في الحياة الكريمة

وأنا أرى خطواتهم الأولى على أرصفة واشنطن في ذلك الصباح البارد جدا لم تتوقف الأسئلة في خاطري عن تلك المشقة الهائلة التي تكبدها هؤلاء الرجال خلال هذا المسار وخلال هذا الموسم الموغل في انخفاض درجات حرارته.

في مقدمة المجموعة يسير "سيمون دينغ" وهو لا يتردد في أن يمزج بين العلمين المحمولين على كتفيه، علم تلك الأرض التي ينحدر منها في جنوب السودان، وعلم هذه البلاد التي حققت له رغبته في الحياة الكريمة وأعطته حقه في المواطنة الكاملة.

وعندما اسأله من أين يستمد هذه القوة في الاحتمال والإصرار في إرادته يعود بي إلى ذاكرته البعيدة وهو يقول إنه شخصيا عاش فترة طفولته في عبودية كاملة في السودان وإنه يدرك حجم التطلع الذي يسكن نفوس الجنوبيين في التحرر وفك الارتباط بالشمال وإن المسالة استمرت عبر كامل تاريخ الدولة المستقلة في السودان أي ما يزيد على نصف القرن بقليل.يقول سيمون وهو يستعيد معي قصة طفولته البعيدة.. إنه قطع المسافة من نيويورك إلى واشنطن لثاني مرة في حياته دعما لحق الجنوبيين في الحرية والكرامة وإنه لن يتوقف عن المشي لأجل الاستقلال في جنوب السودان.

يعود بي إلى ذاكرته البعيدة وهو يقول إنه شخصيا عاش فترة طفولته في عبودية كاملة

يروي سيمون قصته الشخصية في قدومه للحياة في أميركا بعد أن استقدمته عائلة أميركية وأكمل تعليمه هنا وحصل على الجنسية الأميركية لكنه لا يزال يحمل في قلبه تلك الذاكرة التي لا تفارق تفكيره ولذلك اختار عن وعي وإصرار كاملين أن تكون قضية جنوب السودان القضية المركزية في حياته هنا في واشنطن.

يرفع العلم الأميركي وينتظر موعده في اليوم الموالي في مبنى الكونغرس بشغف كبير ويقرر أن يقضي ليلته بالقرب من المبنى حيث سيتم استقباله في ساعات الصباح الأولى من طرف أعضاء مجلس الشيوخ المؤيدين للاستقلال في جنوب السودان.

وهو يتحدث عن تلك الـ20 يوما بلياليها في طريق نيويورك واشنطن يستعيد سيمون معي تلك المحبة الكبيرة التي وجدها من طرف سكان المدن التي عبرها في الطريق وكيف كانوا يعرضون عليه وعلى مرافقيه في المسيرة الأكل والمبيت وبعض الدفء والراحة في بيوتهم قبل النهوض لاستكمال مسيرتهم.

سيمون، من جانبه، يجد في ذلك فرصة مناسبة لمزيد من الحديث عن قضيته وعن أحلامه في دولة جديدة في جنوب السودان وعن حق الناس هناك في الحرية والكرامة... وحديث آخر كان لا يتوقف عنه سيمون.. إنه لا يتعب بأن يذكر الأميركيين بأن هناك واجبا إنسانيا على الجميع القيام به بدعم هؤلاء الجنوبيين ومساعدتهم على تحقيق الحياة الكريمة وإقامة دولتهم المستقلة بعد نصف قرن من الحروب والنزاعات المتجددة مع الجزء الشمالي من السودان.

عزيمة سيمون هذه يستمدها من شركائه في الرحلة والفكرة.. إنهما الرفيقان عبد الجبار شرف الدين آدم.. وجار النبي عباس.

لم يظهر ناشط السلام الأميركي السوداني أي نوع من علامات التعب بل إنه أخبرني في ذلك الصباح أنه سيتوقف في مبنى الكونغرس قبل أن يواصل مساره في الساعات الموالية إلى مدينة "بالتيمور" في ولاية "ميريلاند" المجاورة للعاصمة واشنطن حيث سيكون هناك ضيفا على منتدى ينظمه نشطاء سلام في المدينة لدعم حلم الدولة في جنوب السودان.

عزيمة سيمون هذه يستمدها من شركائه في الرحلة والفكرة.. إنهما الرفيقان عبد الجبار شرف الدين آدم.. وجار النبي عباس.

يقول عبدالجبار الناشط السياسي الشمالي المعارض لحكومة الإنقاذ في الخرطوم والمؤيد لحق الجنوبيين في دولة مستقلة وهو يأخذ نفسا عميقا جراء الرحلة الطويلة.. خمسون سنة كاملة والناس يقتلون في الجنوب لا لسبب سوى نسبهم العرقي أو انتمائهم القبلي المختلف عن انتماء حكومات الشمال.

يكرر عبد الجبار بصوته العالي وبانفعال واضح التأكيد على أن هذه المأساة يجب أن تتوقف بشكل فوري ويجب أن تكون هذه واحدة من القضايا التي يجب أن يدعمها كل العالم وأوله طبعا الناس هنا في مدينة الحريات وهو يشير بأصبعه إلى مبنى الكونغرس مركز التشريع في الولايات المتحدة.

شريك آخر رافق "سيمون" في الرحلة.. إنه ذلك الناشط القادم من وراء البحار خصيصا لمشاركة سيمون في رحلته الطويلة.

جار النبي عباس شاب في نهاية العشرينيات من العمر آمن بقيمة الحريات والحياة الكريمة وناصر الجنوبيين في مسارهم لأجل استقلالهم واختار أن يقتطع تذكرة سفر ويحضر إلى نيويورك من مدينة إقامته في العاصمة القطرية الدوحة ويخوض تجربة السير على أقدامه في أميركا لدعم الحرية في الجنوب.

مسار الأزمات والحرب في التعامل مع هذه القضية يجب أن ينتهي

بكثير من اليقين يقول عبد الجبار: بعد مئة يوم سينظم الاستفتاء في جنوب السودان وهو على يقين بأن أهل الجنوب انتظروا طويلا جدا هذه اللحظة التاريخية في حياتهم وأنهم سيقررون مصيرهم بأيديهم وهم يختارون الاستقلال عن الشمال، وأن مشاركته في هذه المسيرة تهدف إلى إظهار أن كثيرا من الناس يؤمنون بحق الجنوبيين في الحياة الكريمة، وأن مسار الأزمات والحرب في التعامل مع هذه القضية يجب أن ينتهي، وأنه جاءت اللحظة التي يحقق فيها الجنوبيون الحلم الذي انتظروه وسط أمواج متلاحقة من الأزمات والصدامات مع الشمال والهجرات البعيدة وقصص اللجوء المأساوية إلى دول الجوار.

كان للرجال الثلاثة شريك رابع في الفكرة والمسيرة إنه المتطوع "آرثن ممبوغريت".. هذا الإفريقي الأميركي تحامل على كل أثقال العمر التي يحملها على كتفيه وشارك في بعض مراحل المسيرة وساهم في التواصل مع العابرين والسائلين عن المسيرة وأهدافها من الأميركيين على طول الطريق.

يقول آرتن إنه وهو يشارك النشطاء المسار من نيويورك إلى واشنطن سمع الكثير من القصص والمآسي التي حدثت في الجنوب واقتنع أكثر بأنه بات من واجب الأميركيين أن يدعموا الجنوبين في سبيل تحقيق الحياة الأفضل لأطفالهم لأن مسار التاريخ لا يجب أن يكرر دورته في حياة الأبناء كما فعل مع الآباء.

قرأوا رسالتهم المكثفة بمعانيها وبرجاءاتها وبقصص إنسانية لافتة عايشوها في رحلة المرور من نيويورك إلى واشنطن

مضى الرجال الأربعة في طريقهم إلى نقطة التلاقي بنشطاء آخرين أميركيين وسودانيين عند مدخل مبنى الكونغرس.. منصة للخطابة وضعت هناك.. وكثير من أبناء جنوب السودان المقيمين هنا في الولايات المتحدة كانوا في انتظارهم هناك كرموز للسلام وكأبطال تحملوا هذا العناء على امتداد 20 يوما لأجل إيصال فكرة الدولة في جنوب السودان إلى أذهان الأميركيين ولأجل لفت أنظار المشرع الأميركي إلى ضرورة دعم حلم أبناء جنوب السودان.

في الصباح الموالي.. كان سيمون ورفاقه الثلاثة ضيوفا على الكونغرس.. قرأوا رسالتهم المكثفة بمعانيها وبرجاءاتها وبقصص إنسانية لافتة عايشوها في رحلة المرور من نيويورك إلى واشنطن وأخبروا الحاضرين في القاعة أنهم سيقطعون مرة أخرى المسافة من مبنى الكونغرس إلى البيت الأبيض مشيا على الأقدام لتسليم رسالتهم للرئيس باراك أوباما.

تلك الرسالة حملت أحلام رجال صبروا طويلا على أتعاب مسار طويل قبل أن يصلوا واشنطن لكن إيمانهم بتلك القضية المتجذرة في نفوسهم زادهم إصرارا على المزيد من العمل لأجل جعل مسألة الاستقلال في جنوب السودان قضية في تفكير واشنطن وكان لهم ما أرادوا.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG