Accessibility links

كل مرة كان يطلب مني السفر إلى جنوب السودان لتغطية الحرب هناك كانت نيروبي تدخل قهرا على خط رحلتي في الذهاب والعودة معا. وفي كل مرة، كان يطلب مني التوجه إلى الصومال كانت نيروبي معبري الإجباري للوصول إلى مقديشو تلك العاصمة التي تفتقد الى دولة ترسم معالمها وتشكل ملامحها وعندما غابت الدولة بالكامل عن هناك، وحلت القبائل ورجال السلاح ليضعوا القوانين التي يرونها مناسبة لتحقيق مصالحهم.

وللمفارقة أنه وفي أكثر من مرة عندما كنت أقصد العاصمة السودانية الخرطوم لتغطية الاضطراب السياسي الدائم هناك، كنت أيضا أحتاج للعبور عن طريق نيروبي إلى هذه الأجزاء الافريقية التي تجيد صناعة الازمات السياسية بقدرة تدعو دوما للسؤال والحيرة.

وسيكون مثيرا للدهشة أكثر أن أستدعي تفصيلا آخر عما يربطني بنيروبي. ففي فترات الحرب الطويلة في جنوب السودان، كنا نفتقد إلى وسائل الإرسال التلفزيوني من مناطق الجنوب حيث الحياة لاتزال في عهودها الباكرة من تاريخ الوجود الإنساني في هذا الكوكب.

كنت أحتاج إلى العودة لنيروبي لإرسال تقاريري إلى واشنطن، والأمر فيه من المشقة الكثير حتى يتحقق هذا. كانت الحياة في حواشي هذه العاصمة الافريقية تكاد تنعدم ولا تحدث إلا عندما نعود إلى هذه العاصمة الافريقية المزدحمة بأزمات الجيران بالإضافة طبعا إلى أزماتها الداخلية العرقية والسياسية والاقتصادية الدائمة .

ذلك تماما هو ما فعله القدر بنيروبي عندما جعلها تتوسط منطقة مشتعلة باستمرار، وجيرانا وجدوا الطريق دوما إلى الحرب ولكنهم لم يجدوا الطريق إلى السلام.

وفي نيروبي حدث أن اجتمع فرقاء الصومال لأكثر من مرة وهم يجتهدون في سبيل التوصل إلى سلام يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم بدلا من الحياة في البلد الجار بصفة لاجئين أو ضيوفا على الحكومة الكينية في أحسن الأحوال.

وفي نيروبي أيضا اختارت الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل جون قرنق أن تقيم واحدا من أكبر مكاتبها في القارة السمراء، وهناك أيضا يتجمع أكبر عدد من الهاربين من السودان ومن الصومال بحثا عن السلام في عاصمة متعبة في الأصل بأوجاعها الداخلية، لكن ومع ذلك كانت هذه المدينة تجد دوما الطاقة والطريقة المناسبة لاحتواء هؤلاء الهاربين من بيوتهم والباحثين عن مساحة أمن في حياتهم.

ومرة أخرى تتدخل نيروبي وبروحها الداعمة للسلام دوما وتؤمن في واحد من منتجعاتها السياحية على حدود البلاد مع السودان مكانا آمنا لفرقاء الحرب في شمال وجنوب السودان ولمدة قاربت العام، في سلسلة مفاوضات سلام ماراثونية انتهت أخيرا بالتوقيع على اتفاق سلام شامل انتهى أولا إلى مرحلة انتقالية من خمس سنوات، قبل أن يقرر الجنوب الاستقلال الكامل عن الشمال في دولته القائمة والكاملة السيادة بدءا من كانون الثاني/يناير 2011.

وحدها الجغرافيا كلفت نيروبي كل هذه التكاليف ..

عندما تجوب هذه المدينة تصدمك الصورة المركبة للحياة هناك: فنادق راقية على ضفاف مدن من الصفيح والأكواخ القصديرية، وبطالة عالية وأناس يقفون صباحا ومنذ الساعات الباكرة في طوابير طويلة يقرؤون كتبهم وصحفهم في صمت يشبه صمت الخشوع في الصلوات وهم يستعدون للذهاب لأعمالهم في مطلع كل يوم.

المشهد ذاته يتكرر أمامك مضاف إليه مشاهد اولئك السياح الذين يصلون إلى هنا من مختلف جهات العالم بحثا عن الدفء الذي لا ينقطع في هذه المدينة في عز موسم الشتاء الطويل في أوروبا. ورغم تلك المعاناة في هذه المدينة تجد في قلبها دوما متسعا لتقول لكل من يصل إلى مطارها كلمتها الشهيرة جدا " كريبو" والتي تعني " يا مرحبا ..يا مرحبا ".

في ذلك اليوم الشتوي كنت أبحث في مقديشو عن أي خيط يمكنني للوصول إلى رئيس جديد للصومال الذي انتخبه شركاء الحوار الصومالي في نيروبي وانتهى بحثي الطويل عبر التواصل الهاتفي مع مستشاره لشؤون الإعلام الذي وعدني بترتيب اللقاء قريبا لكنه عاد ليقول لي إن صحة الرئيس وقتداك "عبد الله يوسف احمد" لا تسمح له بالسهر الطويل وهو يضطر عادة للنوم باكرا ولذلك نرجو منك الحضور في موعد أقصاه صلاة العصر في اليوم الموالي في نيروبي. وعند بلوغي العاصمة الكينية سيتم نقلي بمعيه فريقي للتصوير إلى مقر الإقامة المؤقتة لرئيس البلاد.

إنها نيروبي مرة أخرى من تملك الإجابة لأسئلتي عن حاضر ومستقبل الدولة الجار الصومال.

هناك فقط وأنا أبحث عن خيوط وملامح الدولة المرتقبة في جنوب السودان، كان يمكن لي أن ألتقي بآلاف من الجنوبيين القادمين إلى برالأمان في نيروبي.

تساءلت مع نفسي لأكثر من مرة واحدة: هل تملك هذه المدينة ما يكفي من القوة والطاقة ما يكفيها لمواجهة أزماتها الداخلية المتراكمة من جانب، وأزمات جيران ها من جانب آخر.

يقول لي ديبلوماسي افريقي في مكتب منظمة الإيجاد وهو اختصار " الهيئة الحكومية للتنمية "الذي خصص لمتابعة مسار مفاوضات السلام بين شمال وجنوب السودان، إن في نيروبي دائما ما يكفي لسد جوع الجيران الأفارقة. وهو قول يؤكده لي أحد القساوسة في المدينة وأنا أساله عن كيفية عمل الكنائس المحلية لمساعدة الجنوبيين، فيرد في ثقة كاملة أن في قلوب المؤمنين الكينيين ما يكفي دائما من المحبة لجيرانهم القادمين من الجنوب.

ليس ذلك وحده ما تفعله نيروبي لأجل جيرانها، إنها تستقبلهم وتأويهم وتأخذ بأيدي أطفالهم إلى المدارس والجامعات. وتفتح أبوابها للبحث عن السلام المفقود. وهناك يلتقى الفرقاء والغرماء المتحاربون في أحراش دول الجوار، حيث يضعون رشاشات القتال ومدافع الموت ويتحدثون عن السلام.

هذا ما تفعل نيروبي بسحرها في هؤلاء المتحاربين المتصادمين في بلدانهم والباحثين عن السلام في فنادها ومنتجعاتها.

هذه الصورة الجميلة ليست كل شيء يمكن أن يقال ع ما فعلته الجغرافيا بنيروبي بل هناك صورة أخرى موازية كلفت الكثير هذه المدينة المتعبة بواقعها المرير والمتعلقة بالجانب الأمني في كينيا.

لم أكن لأعرف حجم الضغط الذي يعانيه الكينيون في سبيل تأمين عاصمتهم. لو ذلك القدر الذي واجهته وأنا أعود من مقديشو لمقابلة الرئيس الصومالي، حيث كنت بصدد تصوير خاتمة تقريري في قلب نيروبي عندما وجدتني أواجه وبصورة مفاجئة وحدات الشرطة لتطوقني من كل جانب وتطلب مني التوقف فورا عن التصوير قبل أن تطلبني مرافقتها في سيارتهم إلى مقر وزارة الداخلية.

الحظ كان معي لأن قائد فريق الشرطة لم يكن يتحدث الانكليزية، وهو ما دفع زميلي المصور الكيني ايمانويل للتدخل لشرح الموقف ويلطف قليلا من حدة الموقف.

على كرسي مريح قليلا قضيت بعض الوقت قبل أن يطلب مني التوجه في الطابق الخامس من مبنى الوزارة في قلب نيروبي أحد الضباط الكبار في الوزارة لأجيب عن كثير من الاسئلة التي تتعلق بوجودي في نيروبي .

قدمت للرجل كل الوثائق التي طلبها، وكل الهواتف التي يحتاجها للتواصل مع الجهات الحكومية المحلية التي منحتني التصريح بالعمل في العاصمة وتأشيرة الدخول إلى البلاد.

في تلك اللحظة كان يبدو أن كل الذي أملكه معي لم يكن يكفي لطمأنة مسؤولي وزارة الداخلية قبل أن يطلبوا مني توفير عنوان إقامتي بعد إخلاء سبيلي، على أن يعاودوا التواصل معي لكن إلى حين ذلك لا يسمح لي بالتصوير ولا بإعطاء اي مقابلات لمحطتي في واشنطن، وعلي أن التزم بالبقاء في غرفتي بالفندق وانتظار الاتصال من مكتب وزير الداخلية.

ايمانويل الذي تحول إلى كل شيء بالنسبة إلي في نيروبي أفهمني أن مسؤولي بلاده لا يعارضون عملي في عاصمتهم ولكن لديهم تحفظاتهم نتيجة لسوابق أمنية في تاريخ المدينة ومخاوف تأتي من دول الجوار، وهم حريصون على سلامتك أولا.

لم يكن يفصلنا وقت كبير عن موعد ليلة رأس السنة في ذلك الشتاء من عام 2004 وكان من حولي في الفندق أغلبهم سياح انكليز جاؤوا للاحتفال برأس السنة الميلادية وسط غابات وبين سواحل كينيا. لذلك فكر ايمانويل أن يكون وقتي هذا المستقطع فرصة لي لاكتشاف سواحل بلاده وقضاء بعض الوقت على الشاطئ. لكن لسوء حظي لم أكن من ذلك النوع من الصحافيين الذي يجيد البحث عن أسباب الراحة عندما يكون في بلد هو للاضطراب بامتياز .

انتظرت طويلا قبل أن يأتيني هاتف وزير الداخلية للحضور إلى مكتبه وهناك استعدت جواز سفري والحصول على موافقة خطية منه تسمح لي بالعمل في البلاد، مع اعتذار دبلوماسي لطيف وشرح طويل للموقف الأمني في البلاد.

لاحقا وبعد كل الذي حدث في تاريخ كينيا من هجمات إرهابية مصدرها الجار الصومال، أدركت معاني كلمات المسؤول الأمني ونيروبي تشكل هدفا متكررا للجماعات المتطرفة القادمة من الجوار وهي تستهدف المجمعات التجارية وفنادق إقامات الكينيين الأجانب .

كل هذا حدث قبل أن يكتشف العديد من زملاء المهنة العاصمة الكينية كموطن آباء وأجداد الرئيس الأميركي الجديد حينها باراك أوباما عندما توجهت أعداد كبيرة منهم إلى تلك الضاحية من العاصمة الكينية لمقابلة ومحاورة العائلة الكبيرة لأول رئيس من أصول افريقية للولايات المتحدة.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG