Accessibility links

logo-print

كان الصديق العزيز إيدموند غريب يحاول رفع معنوياتي وشحذ همتي لكتابة المزيد من رواياتي ومؤلفاتي وأنا اشكو له قلة الوقت المتاح في زحمة الحياة ورعاية أولادي.

اختار إيدموند أن يستعيد معي جزءا من ذاكرته الشخصية البعيدة وهو يسرد على مسامعي وآخرين من الأصدقاء قصة تقول إن والده سأل يوما جبران خليل جبران عن حجم مداخيله من مؤلفاته في الوطن العربي، وللرجلين من المحبة ما يسمح لهما بالخوض في هكذا نوع من النقاش.

كان جبران يسأل والد الصديق إيدموند وينتظر منه أن يضع رقما لتوقعات أرباح جبران من مؤلفاته وكانت المفاجأة أن يقول جبران إنه لم يستفد ولا دولارا واحدا من منشوراته في الوطن العربي على كثرة ما كتب جبران، وعلى كثرة ما بيع من مؤلفات الراحل الكبير.

هذه اللحظة الدافئة التي آنسني فيها الدكتور غريب أحيت في ذاكرتي تلك اللحظة التي وقفت فيها بجانب تمثال الكاتب اللبناني الأميركي جبران خليل جبران في قلب واشنطن.

شاهد بالفيديو: تقرير رباح فيلالي لقناة الحرة:


أقف أمام مجسم لوجه الرجل يصوره في لوحة رائعة على هيئة طير يحلق بجناحين، ووجدت أن الرجل كان فعلا في فكره ورؤيته حالة من التحليق المتصل في عالم يبدو أنه حالة انفصال كاملة عن الواقع عندما يفكر فيه العاديون من الناس، لكن جبران اختار أن يقيم هناك ومن هناك اختار أن يتواصل مع بقية العالم.

من الصعب تصور حجم المسافة الفاصلة بين الموقعين، لكن كلا الطرفين قرر أن يستمر في مقامه. فجبران لم يغير من قناعاته، ولا العالم فكر أن يتغير خطوة واحدة إلى الأمام عما كان سائدا من منظومة قيمه في زمن حياة جبران أو في عالم ما بعد رحيل جبران.

في ذلك الزمن كان جبران يبدو نقطة ضوء متفردة جدا في كل الذي يحدث حوله وازداد ضوء الكاتب الكبير إبهارا وسحرا من بعد رحيله وكأن الذي كان يدعو إليه يزداد سحرا وتدفقا كلما بعدت المسافة بين الزمن الذي كتب فيه جبران وأزمنة الناس التي تأتي من بعد ذلك.

لم يكسب جبران دولارا واحد مما كتبه في الوطن العربي، لكن لم يفت أدب جبران أن يكون له حضور في مسار كل الذين يكتبون باللغة العربية في كامل الأجيال التي جاءت أو حتى تلك التي عاصرت الكاتب الذي حاول جاهدا وفي عظمة لافتة أن يجمع بين ثقافة الشرق التي تمثل الجذور الإنسانية والثقافية والاجتماعية للكاتب، وموطن مهجره الولايات المتحدة.

فأجاد الرجل، وهو يمد ذلك الشطر بين بحر ومحيط، أعني بذلك البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي في كل الذي كتب. بصورة جعلت منه فخرا للأميركيين من جهة، كما هو فخر أبدي لكل سكان الشرق الاوسط وشمال إفريقيا. وفي كل ذلك لم يكن جبران أكثر من رسالة إنسانية اختارت أن تنتصر لقيم الصفاء والنبل وتكبر عن كل الخرائط في الجغرافيا والأزمنة في التاريخ والألوان في الأعراق والانتماء في الأديان والاختلاف في الأسماء.

كان جبران نصير الإنسان في أجمل تجلياته وفي أعظم أشكال ارتفاعه. ذلك هو الإنسان الذي كتبه جبران ودافع عنه ودعا إلى الايمان به والانتصار له في كل ما كتب من فكر وأدب وباللغتين العربية والإنجليزية.

هذه المعاني عبرت جميعها تفكيري وأنا أسمع وأستمتع بتلك المداخلات التي ألقيت على مائدة عشاء في جامعة ميريلاند وسط حضور لافت من أكاديميين وباحثين وقارئين لأدب جبران.

روح جبران حضرت ذلك المساء، فكره، رؤيته للإنسان والحياة و العلاقات الإنسانية بل أن الموضوع الذي اختارته الجامعة في العشاء السنوي ذلك كان أكثر إثارة للتفكير عندما نعرف أن الحديث يدور عن العولمة في أدب جبران.

وهل ثمة من هو أكثر عالمية في تفكيره وفي كتاباته؟ يقول لي الدكتور سهيل بديع، رئيس كرسي جبران خليل جبران في جامعة ميريلاند.

يتكئ على عصاه ويستحضر في بريق عينيه كثيرا من روح جبران وهو يجيب عن أسئلتي في تلك اللحظة ويكرر على مسامعي أن جبران تجربة إنسانية ومعرفية تزداد الحاجة إليها إنسانيا بحجم الأزمات التي تعبر العالم اليوم بكل تناقضاتها وتصادمات المصالح والعقائد فيها.

وحده جبران اختار أن ينتصر لكل ما هو مشترك في مسارات الإنسانية جميعها ولذلك هو حالة فريدة يحتاج الجميع إلى العودة إليها وسماع رؤيتها لأنها حالة تتحدث عن المشترك فيما بيننا وعن الذي يجب أن يفعل في مسارات حياتنا لأن الغاية في حياة وأدب جبران هي الإنسان بل كل الإنسان.

حالة الجمال التي تصحب شخص الدكتور سهيل ولا اتفارقه تملأ المكان أيضا بحضوره البهي بين الجميع، ويضيف إلى ذلك البهاء في الحضور تلك اللمسة الشخصية منه في دعوة الحضور إلى إعادة قراءة أدب جبران من زاوية جديدة وفي المكان يعرض على الحاضرين مجموعة من كتب الراحل جبران وآخر اصدارات الدكتور سهيل وبين الرجلين تلازم في الهوية والجغرفيا والمسارات والوطنين وفي المعنى الذي يسعى كل منهما إلى تحقيقه في الحياة.

كثير من الحضور تحدثوا عن الكيفية التي عبر من خلالها جبران حياته. أولئك الأكاديميون الذين جاءوا من أجزاء مختلفة من العالم العربي، والذين حضروا من لبنان موطن جبران، وأولئك المدرسون في الجامعة المنظمة للحدث والآخرون المحبون لحروف جبران والمسكونون بمعانيها الإنسانية السامية والراقية.

كرسي جبران في جامعة ميريلاند تقليد تتميز به الجامعة وتريد له الاستمرار والبقاء، ولأنه جبران وبكل هذا الزخم الذي خطه في تاريخ بلدين ووطنين، ومن ورائهما الإنسان بصورة عامة، يجد هذا الكرسي مزيدا من الدعم المعنوي والمالي من محبي فكر الراحل. وفي تلك دلالة أخرى على أن جبران كتب حتى يعيش فيما بعد حياته، وحتى تحقق معاني حروفه قدرته على الاستمرار في الحياة بيننا حتى وإن كان الفاصل الزمني بين الحياتين هو أجيال ومسارات مختلفة في التاريخ الإنساني.

وأنا أقف عند تمثال جبران في قلب واشنطن وجدت أن الرجل حالة من الاستمرار تفخر بها أميركا كأحد معالمها، ويفخر بها المهاجرون العرب وأبناؤهم وأحفادهم على مر التاريخ، بأنها علامة فارقة في إسهامهم الفكري والأدبي في مسار الأمة الأميركية ويفخر به العرب من وراء الأطلسي لأنها عقل عربي أسس لهذه المعاني والقيم الإنسانية النبيلة العالية وخطها في حروف وحدها تملك القدرة على الاستمرار عبر التاريخ على اختلاف المراحل والأجيال والحضارات.

في حروف جبران تتحقق كل هذه المعاني التي أحاول صياغتها في تفكيري في تلك اللحظة العابرة محاولا التعبير عن ما يجوس في خاطري من إجلال وتكريم وتقدير لمقام جبران الرفيع.

حين عدت إلى مكتبي في ذلك المساء كان مديري يدفع إلى طاولتي بخبر نشرته مصالح البريد في أميركا تعلن من خلاله اعتزامها إصدار طابع بريدي لجبران تكريما للرجل مسارا وعبقرية وموقفا وإنسانا وحروفا.
تزاحمت المعاني بعقلي في اللحظة تلك، ووجدت أن الرجل الذي خط مواقفه الإنسانية في حروفه الخالدة جعل من الإنسان مركز القضية في تفكيره، لذلك من الإنصاف أن يعود الإنسان إليه في المراحل التاريخية المتعاقبة في الوطنين، في ذلك الوطن العربي الذي يحتاج إلى روح جبران أكثر من أي جزء آخر من العالم بالنظر إلى حجم الأزمات التي تعصف به، وفي هذا الوطن الكبير الذي فتح قلبه وذراعيه لملايين البشر من أصقاع العالم المختلفة وجعل منهم جميعا أمة واحدة تتساوى في حقوقها وواجباتها، وفي قدرتها على الحلم والسعي، ولا فرق بين أبيض وأسود فيها، إلا بما أحسن صنيعا

في ذلك تحقيق لكل المعاني التي كتبها جبران وقبل ذلك تحقيق لكل القيم الإنسانية الاصيلة التي أرادتها جميع الأديان، ولكنها لا تتحقق إلا في ظل إنسانية مطلقة للإنسان.

هنا فقط يكبر الوعي فينا بالقيمة الفنية لجبران وبعظمة الرسالة الإنسانية تلك التي خطها الرجل وأنصرف ليرتاح مطمئنا أن رسالته قد وصلت.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG