Accessibility links

الخير أصل في الانسان


فريق الحملة التي وزعت الأغطية على المحتاجين في منطقة واشنطن الكبرى

فريق الحملة التي وزعت الأغطية على المحتاجين في منطقة واشنطن الكبرى

إنهم فتية آمنوا بقيمهم الإنسانية الجامعة لموطنين قدر لهم أن ينتموا إليهما.

وطن الآباء والأجداد بكل موروثه وزخمه الحضاري والثقافي والإنساني المقيم في ذلك الشرق البعيد، ووطن المهجر هذا والميلاد والحياة الولايات المتحدة.

آمنوا بهذا الانتماء المزدوج للثقافتين الشرق إوسطية الافريقية بعراقتيهما وبالأميركية بحداثتها وزخم القيم المميز لها، وبذلك الانتماء اختاروا الانتصار لقيمة جامعة للطرفين: إنها قيمة مساعدة المحتاج والبحث عنه في زوايا العاصمة واشنطن في موسم الشتاء الطويل والبارد.

الفكرة بدأت ذات يوم على موعد غداء جمع الأصدقاء الثمانية: أميرة وأمينة وحفيظة ومحمد ومصطفى وسليم وادم ومهدي.

جميع هؤلاء ينحدرون من دول شرق أوسطية أو من شمال افريقيا، وجميعهم أيضا ولدوا هنا في أميركا وتعلموا ودرسوا وتدرجوا في سلم المعرفة في جامعاتها. جميعهم تخرج من تلك الجامعات واندمج في الحياة المهنية وهو يحقق طموحاتها المعرفية والعلمية والمالية هنا في واشنطن وبامتياز .

ولأن الأمر كذلك، اجتمع هؤلاء الأصدقاء على فكرة جديدة تقول بإطلاق حملة إنسانية واسعة لجمع الأغطية الدافئة ولوازم أخرى لموسم الشتاء الشديد البرودة في واشنطن وتقديمها للمحتاجين.

أطلقت الفكرة في البداية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" واختير لها من الأسماء " مشروع ليالي دافئة"، وحققت من هناك استجابة واسعة بعد أن فضل الشباب المتطوعون تحمل تكاليف وأعباء الجولة الأولى من عملهم الخيري على حسابهم الشخصي وما طالت أيديهم من بيوتهم وعائلاتهم وأصدقائهم المقربين.

وجدوا في أنفسهم وموسم الشتاء الشاق يغرق واشنطن أكثر بلياليه الطويلة جدا وعواصف الثلج القاسية. وجدوا في أنفسهم الطاقة والحماسة اللازمتين لتوسيع الحملة وإطلاقها عبر البلاد بكاملها ووضع سقف للتبرعات المالية المرغوب في جمعها وكذلك الفترة اللازمة لتنفيذ خطتهم هذه.

كبرت الاستجابة بين الشباب الشركاء للأصدقاء الثمانية في منطقة واشنطن الكبرى التي تضم في العادة ولايتي فرجينيا وميريلاند إضافة إلى واشنطن على الساحل الشرقي، وتحقق المرغوب من مال ولوازم أخرى وتحول المشروع من جمع أغطية دافئة إلى جمع كل ما هو حاجة للمحتاجين في موسم الشتاء.

كثير من العائلات في واشنطن أخرجت ما في خزائنها من أغطية وألبسة شتوية وقفازات وجوارب ومواد غذائية تساعد المحتاجين عل مواجهة برودة الطقس وطول الليالي الخالية من الدفء .

لم تكن الاستجابة مقتصرة على سكان العاصمة وحدها بل كانت استجابة شملت كافة أنحاء البلاد حيث عملت العائلات من الولايات القريبة والبعيدة على ترتيب تبرعاتها وتجهيزها لتقدم للمحتاجين.

وحرصت مؤسسات على إرسال مواد غير مستعملة لعنوان الحملة إلى حد ضاق معه المكان بالتبرعات، وأعلن الأصدقاء الثمانية توقفهم عن استقبال المزيد من المساعدات في انتظار تحديد موعد جديد لحملة جديدة في قادم الأيام بسبب افتقادهم إلى مكان يخزنون فيه ما يصلهم من تبرعات.

على الطرف الآخر من الهاتف، تقول لي أميرة بيومي إنها وصحبها يحرصون على إعادة رد الجميل لبلد فتح أمامهم الأبواب جميعها وجعلهم يحققون الكثير من طموحاتهم وحان الوقت الآن لإعادة شيء من الجميل إلى هذه البلاد و هذا الإنسان.

اميرة هذه العشرينية التي لا تتوقف عن الحركة في كل اتجاه بمعية شركائها في المبادرة جعلت من كثيرين حولها في واشنطن يقترحون الإسهام في الحملة بأشكال مختلفة. وتشير إلى أن ما سمعته من كلمات ثناء وتقدير من طرف المحتاجين الذين تسلموا حاجاتهم في المرحلة الأولى من المبادرة شجعها على المزيد من التضحيات والسعي لأجل إنجاح المرحلة الثانية من الحملة وما قد يليها من حملات أخريات.

في ذلك الصباح من عطلة نهاية الأسبوع كنت أتابع تحركات الشباب الثمانية في قاعة اجتماعات استأجروها لغرض ترتيب وتجهيز التبرعات قبل تسلميها للمحتاجين في أجزاء المدينة المختلفة.

كثير من النشاط وكثير من الزهو لا يغادر وجوههم وهم يتبادلون مواقع العمل بين ترتيب الأغطية وتجهيز المواد الغذائية وتقديمها في أجمل صورة ممكنة لأولئك الذين هم بحاجة إليها في ضاحية ما من واشنطن.

كل ذلك يحدث قبل انصراف الشباب في مرحلة أخيرة لإيصال المساعدات إلى أصحابها في أماكنهم، فالمساعدات يجب ان تصل إلى الذين يحتاجون إليها في مواقعهم حيث يفضل هؤلاء الشباب أن يصلوا هم بأنفسهم إلى هؤلاء الناس وليس العكس.

ينطلق أفراد المجموعة بسياراتهم الشخصية في اتجاهات مختلفة حتى لو كانت درجة البرودة في المدينة في هذا التوقيت من مطلع العام الجديد 2015 منخفضة جدا والمدينة تتعافى لتوها من مخلفات أول عاصفة ثلجية للعام الجديد، ومع ذلك في قلوبهم كثير من الدفء يريدونه أن يصل إلى كل يد وقدم تعاني البرد في هذا الفصل.

يعرفون جيدا مقاصدهم ويعرفون جيدا أصحاب الحاجات و بابتسامات لا تفارقهم وبحرص معلن ولا يهدأ يكملون مهامهم حتى وبداية الليل تلوح في الأفق البعيد من سماء المدينة.

في لحظة استرخاء عابرة وهم يتناولون شيئا من القهوة في كؤوسهم المحمولة في سياراتهم، أطلب منهم أن يعبروا عما يشعرون بهم هذا المساء وهم ينجحون في تبديد الكثير من البرودة في قلوب هؤلاء المحتاجين الذي تختلف قصصهم باختلاف ظروفهم ومواقع حياتهم لكنهم جميعا يشتركون في الحاجة إلى المحبة وإلى المساعدة التي يمكن أن يقدمها الآخرون في موسم البرد هذا .

يقول لي الشباب أنهم حريصون على إظهار أفضل صورة لاندماجهم في الحياة العامة الأميركية وتقديم إسهامهم الإيجابي كجالية تحرص على التعايش في إيخاء ومحبة ومساواة مع كافة مكونات المجتمع الأميركي الأخرى.

يقولون لي أيضا إنهم تعلموا في أميركا أن القيمة العميقة للحياة تحدث والانسان يمارس العطاء، ولذلك فهم يصرون على استكمال هذا المشروع الحملة "ليالي دافئة "في كافة أجزائه السابقة واللاحقة. أضافوا لي أنهم حريصون على تمديدها على كافة فصول السنة وليس موسم الشتاء فقط لأن الذين يحتاجون إلى مساعدة هم بحاجة إليها عبر كامل مواسم السنة وليس خلال موسم الشتاء البارد وحده، فلكل فصل حاجاته الخاصة و أساسياته التي تستطيع أن تعين هؤلاء الناس على مواجهة مصاعب الحياة.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG