Accessibility links

أردوغان.. "سلطان عثماني" يواجه غضب جيل علماني


متظاهر في إسطنبول يحمل صورة مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة

متظاهر في إسطنبول يحمل صورة مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة

فجأة انقلب الهدوء الذي تميز به النموذج التركي في التنمية والديمقراطية إلى مظاهرات صاخبة وخرج الآلاف من الأتراك للتظاهر ضد سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم وعلى زعيمه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. مظاهرات جمعت أنصار البيئة في البداية وانضم إليها رموز من المعارضة السياسية لتتفاقم حدتها وتتحول إلى مواجهات دامية خلفت مئات الجرحى وخسائر بملايين الدولارات.

المظاهرات التي شهدها ميدان تقسيم ضد أردوغان فتحت الباب أمام أسئلة كبرى كانت نائمة، فهل الديمقراطية التركية كانت مجرد وهم جاء الربيع التركي ليكشف زيفها؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه رد فعل محدود للقوى العلمانية واليسارية التي رأت في رئيس الوزراء الإسلامي خليفة عثمانيا جديدا يحاول إحياء دولة الخلافة؟

الحديقة التي تخفي غابة الاحتقان..

في ميدان تقسيم وسط اسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا، حضر العنف والمواجهات وحرق السيارات ورفع الشعارات.. كما حضر الحب والفن ومطالب الحريات الفردية. شابات وشبان ممن تشربوا ثقافة الدولة الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك والمبنية أساسا على العلمانية، خرجوا ليرفعوا أصواتهم بالاحتجاج ضد ما يسمونه السياسة "التسلطية" لأردوغان والمطالبة باستقالته.

وهذا فيديو لإحدى المظاهرات التي شهدت مواجهات مع الشرطة:



أصل الحكاية حديقة صغيرة وبضعة أشجار، رفع دعاة البيئة شعار المحافظة عليها من زحف الإسمنت، فتحولت مع الوقت إلى كرة ثلج ضخمة تتبعها العالم ككل. فميدان تقسيم يضم حديقة صغيرة تعرف باسم "غيزي- تقسيم" تقرر في يونيو/حزيران 2011 إزالتها وإعادة بناء ثكنة عسكرية عثمانية جرى تدميرها عام 1940 في مكانها.

مشروع الثكنة يضم مركزا ثقافيا وشققا سكنية وفندقا وسوقا تجاريا ضخما، والهدف المعلن من المشروع الذي تنفذه بلدية إسطنبول ويقف وراءه حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا منذ 2002، هو تحويل الساحة إلى منطقة للمشاة ووقف حركة السيارات في وسط اسطنبول العملاقة التي يسكنها أكثر من 15 مليون نسمة. المشروع منذ اليوم الأول الذي تم الإعلان عنه شهد معارضة قوية من طرف أنصار البيئة والناشطين العلمانيين واليساريين الذين بادروا للدفاع عن الحديقة ذات الرمزية للعلمانية التركية، حسبما يذكر الكاتب اللبناني جو حمورة.

ويضيف الكاتب أن هذه الرمزية متأتية من أن المنتزه كان مركزا عسكريا ضخما للقوات العثمانية قبل أن يقوم أتاتورك بهدمه في إطار "حملته لقطع حاضر تركيا العلماني عن تاريخها العثماني-الإسلامي الذي كان يصفه بالتخلف".

هناك تراكمات تغلي تحت السطح، وتذمر شعبي واسع بصمت، وما قضية تغيير حديقة تاريخية في اسطنبول إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والفتيل الذي أشعل الانتفاضة لأسباب كثيرة
هذه الصورة يعتبرها الباحث العراقي عبد الخالق حسين فقط الجزء الظاهر من المشكل الأعمق، في نظره، فهناك "تراكمات تغلي تحت السطح، وتذمر شعبي واسع بصمت، وما قضية تغيير حديقة تاريخية في اسطنبول إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والفتيل الذي أشعل الانتفاضة لأسباب كثيرة".

ويضيف الباحث أن حكومة أردوغان "تمادت في الاستبداد، والتضييق على الحريات الشخصية، وتقليص العلمانية، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية تدريجيا، رغم أنها وعدت في البداية أن تحرص على العلمانية والحريات الشخصية". كذلك، يضيف عبد الخالق "زجت حكومة أردوغان المئات من الضباط والصحفيين والكتاب العلمانيين في المعتقلات بتهمة التآمر على النظام الديمقراطي، وتم وفصل الكثير من القضاة وتعيين المتعاطفين مع أيديولوجية حزب العدالة والتنمية مكانهم".

هذه الأمور أصبحت حسب الباحث تهدد النظام العلماني الذي "تشرب الشعب التركي بثقافته منذ مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة وإلى الآن، مع التزامه بتعاليم الإسلام المعتدل كدين وليس كسياسة".

أما بعض المتتبعين لما يجري في تركيا فلم يستبعدوا نظرية المؤامرة على النموذج التركي كما يقول محمد معروف الشيباني في هذه التغريدة:



ربيع ديمقراطي أم سحابة احتجاج عابرة؟

أسباب تظاهرات ميدان تقسيم التي يصفها عبد الخالق حسين "بشرارة الربيع العربي التي وصلت إلى تركيا"، تضيف إليها الإعلامية البحرينية ريم خليفة سببا أساسيا وهو شخصية رئيس الوزراء التركي نفسه، إذ تذكر الكاتبة أن استطلاعا للرأي أجرته جامعة "بلجي" في اسطنبول في الثالث من يونيو/حزيران 2013 على الانترنت وتجاوب معه ثلاثة آلاف من المتظاهرين على مدى 20 ساعة، بين أن الهدف لم يكن حزب العدالة والتنمية لكن زعيمه أردوغان.

التصعيد مستمر من الطرفين، الحكومة برئاسة أردوغان لا تريد أن تقدم تنازلات والمعارضة أو المقاومة كما تسمي نفسها تريد مزيدا من الحريات والديموقراطية
نتائج الاستطلاع أوضحت أن 81 في المئة من المتظاهرين يعرفون أنفسهم أنهم يدافعون عن الحريات، و92 في المئة أكدوا أن السبب الأبرز في الاحتجاج هو موقف أردوغان الاستبدادي، و91 في المئة أوضحوا أن الدافع الآخر في الخروج هو وحشية الشرطة التركية في التعامل مع المتظاهرين في الأيام الأولى.

وتنقل ريم خليفة عن الكاتب التركي قدري غورسيل قوله إن تركيا "بلد حيث لا يوجد فصل بين السلطات، وحيث الضوابط والتوازنات التي لا تعمل ويتم تقييدها عبر وسائل الإعلام، وجميع القوى في يد رجل واحد يريد تغيير تركيا وفقا للتطلعات الإسلامية التي في ذهنه". هذه التطلعات جعلت مئات الآلاف من الشباب الأتراك يخرجون لإسماع رفضهم لهذا الرجوع على الماضي العثماني البعيد.

وإلى جانب الشباب وأنصار حماية البيئة خرجت في مظاهرات تقسيم كل فئات المعارضة السياسية والثقافية لمشرع حزب العدالة والتنمية التركي، كان هناك من يعرفون بالفوضويين الأتراك وأيضا المثليون الجنسيون والمعارضون لقرار البرلمان التركي تخفيف استهلاك الكحول والحد من ترويجه، وكل الحركات والأحزاب اليسارية والشيوعية الراديكالية، وهي بمعظمها محلولة قانونيا وممنوعة من العمل إضافة إلى مجموعة من الفنانين المستقلين من ذوي الميول العلمانية.

هل سيسقط أردوغان؟

كل تلك العواصف من الاحتجاجات والاعتصامات لم تهز شعرة من رأس أردوغان الواثق، حسب المراقبين، من شعبيته في الشارع التركي. فإلى آخر لحظة ظل يؤكد أن "حكومته وأنصارها أحبطوا مخططا أعده خونة ومتآمرون لزعزعة استقرار تركيا".

ورفض أيضا كل الدعوات المنادية باستقالته، فهو يعتبر نفسه رئيس حكومة جاءت بها صناديق الاقتراع النزيهة ولا يمكن أن ترحل إلا بنفس الطريقة، أي الانتخابات..أما التظاهرات فالحل الأمثل للتعامل معها هو "الحزم والتهديد ولا تنازلات" كما يؤكد فائق بولوت المحلل السياسي التركي.

بولوت يصف الوضع الحالي في تركيا بأنه مواجهات مستمرة وإن اتخذت أشكالا أخرى، إذ قال في اتصال مع راديو سوا "التصعيد مستمر من الطرفين، الحكومة برئاسة أردوغان لا تريد أن تقدم تنازلات والمعارضة أو المقاومة كما تسمي نفسها تريد مزيدا من الحريات والديموقراطية".

أردوغان في دفاعه عن نفسه وعن إنجازات حكومته يعود للغة الأرقام الواضحة، فيذكر الأتراك أن حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى السلطة في 2002 على خلفية أزمة مالية وعدم استقرار سياسي بعد تدخل الجيش في الحياة العامة، استطاع في ظرف 10 سنوات أن يضاعف دخل الفرد ثلاث مرات بفضل نمو اقتصادي فاق ثمانية في المئة في 2010 و2011، كما عمم ارتياد المدارس والخدمات الصحية، وكبح جماح المؤسسة العسكرية، وأنهى كل الديون التركية للخارج مما جعلها حرة في تقرير مصيرها، بل وفاعلة في تقرير مصير بعض الدول المجاورة كسورية مثلا.

هناك من حاول توظيف المظاهرات لاعتبارات أيديولوجية للنيل من مسيرة حزب العدالة والتنمية، الذي حقق للشعب التركي ما لم يحققه غيره
أرقام أردوغان وإنجازات حكومته، جعلت الكثير من المراقبين والمهتمين بالشأن السوري يقللون من مظاهرات ميدان تقسيم، ويعتبرون أنه من المغالاة وصفها بالربيع التركي، ومن بين هؤلاء عبد الله أيدوغان مدير مركز "ستا" التركي للدراسات والأبحاث بالقاهرة الذي اعتبر في تصريح له أن التظاهرات التي انطلقت في الآونة الأخيرة في أنحاء متفرقة من تركيا، إنما "عكست حجم الديمقراطية الممارسة في الداخل التركي".

وأضاف أيدوغان في بيان للمركز الذي يديره، أنه "على الرغم من انطلاق هذه المظاهرات سلمية في بدايتها، إلا أن هناك من حاول توظيفها لاعتبارات أيديولوجية للنيل من مسيرة حزب العدالة والتنمية، الذي حقق للشعب التركي ما لم يحققه غيره، فضلا عن محاولة البعض تصفية الحسابات السياسية بين المعارضة والحزب الحاكم".

ووصف رد فعل المعارضة بالمغالي، فالحكومة في نظره كانت تريد فقط إعادة رسم ميدان تقسيم بصورة "أفضل مما كانت عليه مع ربطه بتراث تركيا وموروثها الحضاري العريق الضارب في القدم، فالميدان كان مقرا قديما للثكنات العسكرية العثمانية، فهو جزء لا يتجزأ من ذاكرة التاريخ التركي القديم".

ونفى أيدوغان أن يكون ما يجري في تركيا انتفاضة أو ثورة جديدة أو ربيع تركي كما تصفه وسائل الإعلام بل وأكد أن "الربيع التركي بدأ منذ تولي رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان، السلطة بعد نجاح حزب العدالة والتنمية عام 2002".

نفس الرأي يشاركه فيه بعض المغردين على شبكة تتويتر إذ يعتقد عبد الواحد عاشور أن الديكتاتوريات هي التي تواجه الربيع والحال ان تركيا غير ذلك:



المظاهرات هدأت حدتها لكن تهديدات أردوغان لا زالت تتعالى بأنه قادر على حشد الملايين، أما المعارضة فتحاول لملمة كياناتها الصغيرة ذات الامتداد الشعبي المحدود، لكن وسط هذا وذاك هناك جيل من الشباب أكيد لن ينسى بسهولة قيم العلمانية التي غرسها أب الدولة التركية أتاتورك عميقا في نفوسهم.

هذا الوضع يطلق عليه المحلل السياسي فائق بولوت تسمية "الصراع من جولات"، فالجولة الأولى كسبتها المعارضة بنزولها للشارع والجولة الثانية استطاع فيها أردوغان أن يثبت أنه لا زال قويا ويحكم.. ويبقى الصراع مفتوحا على جميع الاحتمالات
  • 16x9 Image

    عز الدين الهادف

    حصل عزالدين الهادف على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. اشتغل صحافيا بمجلة "نيشان" ثم رئيسا للتحرير ، وعمل مراسلا للعديد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية مثل "الشروق" التابعة لدار الخليج، و"الحياة" اللندنية في صفحة ميديا، وإذاعة هولندا العالمية قبل أن يلتحق بموقعي قناة "الحرة" و"راديو سوا" في واشنطن.
    شارك عزالدين الهادف في العديد من الدورات التدريبية حول الإعلام والتواصل، وفاز بجائزة المنظمة الهولندية "بريس ناو" لصحافة التحقيق.

XS
SM
MD
LG