Accessibility links

logo-print

هل يؤثر تدخل حزب الله في سورية على الشيعة في المنطقة؟ شارك برأيك


العلم السوري النظامي مرفوعاً في احتفال لحزب الله - أرشيف

العلم السوري النظامي مرفوعاً في احتفال لحزب الله - أرشيف

على الرغم من أهميتها على المستويات كافة، لم تلق صور دبابات الجيش النظامي السوري وضباطه وجنوده في قلب مدينة القصير الرواج نفسه الذي لاقته صورة آخرى التقطت في لبنان.
هذه الصورة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي وشقت طريقها إلى القنوات الفضائية، بدا فيها رجلان بثياب مدنية يوزعان الحلوى على السيارات المارّة على خطي سير شارع قيل إنه في الضاحية الجنوبية لبيروت. وترتفع في الشارع الاعلام الصفراء لحزب الله، وقد رفع الرجلان لافتات تشرح سبب الاحتفال بتوزيع الحلوى: "القصير سقطت".

عناصر من حزب الله يشيعيون قتيلا سقط في سورية

عناصر من حزب الله يشيعيون قتيلا سقط في سورية

ليس في الصورة والمعلومات عنها ما يؤكد أن الرجلين من حزب الله أو من الطائفة الشيعية أصلاً. ومع ذلك، لم يشكك أحد من اللبنانيين، بأن هذا الشكل من الاحتفاء بمجريات حرب تجري في بلد آخر، يمكن أن يحدث في الضاحية الجنوبية التي تقع تحت النفوذين السياسي والأمني لحزب الله.

عوملت الصورة بوصفها تعبيراً عن فرح الطائفة الشيعية بما حدث في القصير، بما أن حزب الله يعتبر ممثلاً للأعم الأغلب فيها، وبما أنه يقاتل في القصير، وقد سقط له عشرات القتلى والجرحى في الحرب الدائرة هناك.

كما أنه بعد إعلان دخول جيش النظام السوري إلى المدينة وانسحاب مقاتلي المعارضة منها، سمع في العاصمة اللبنانية وضاحيتها صوت إطلاق الرصاص، وهذه عادة لبنانية للتعبير عن الإبتهاج، ولم يشكك أحد، مرّة ثانية، بأن مطلقي النار ينتمون إلى الطائفة الشيعية بدورهم.


كما يظهر شريط مصور بكاميرا هاتف نشر على يوتيوب، مسيرة ابتهاج كبيرة من الدراجات النارية الصغيرة الشعبية جداً عند المراهقين في مناطق الضاحية، يحتلفون رافعين اعلام النظام السوري، ويصدح عالياً صوت الامين العام لحزب الله حسن نصر الله وهو يقول إنه "بكلمتين فقط (منه) ستجدون عشرات الآلاف من المجاهدين يتوجهون إلى الجبهات".

تعليقات مشاهدي الشريط (أو الصورة) لا تتورع عن اطلاق أقذع الشتائم، ليس لحزب الله، بل للشيعة. هكذا، يتلاشى الخيط الفاصل بين الحزب وبين الطائفة التي ينتمي إليها الحزب، لكنه لا يختصرها كلها سياسياً ودينياً واجتماعياً.


تظاهرات في لبنان مؤيدة لحزب الله اللبناني والنظام السوري

تظاهرات في لبنان مؤيدة لحزب الله اللبناني والنظام السوري

فالمزاج الشعبي العربي يكاد لا يفصل بين الطائفة الشيعية وهي من الطوائف الأكثر عدداً في لبنان، وبين حزب الله. ومنذ اندلاع الأحداث السورية، ووقوف حزب الله إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، ومن ثم اعلانه المتدرج بأنه منخرط في الحرب العسكرية حليفاً له، والشيعة يتهمون بأنهم يخوضون الحرب ضد السنة، وتساق بحقهم تهم وشتائم لا تعد ولا تحصى على الإنترنت بالتحديد، بحكم انتمائهم إلى المذهب الشيعي، وعلى افتراض أن الطائفة كلها تقف خلف الحزب في الحرب.

في المقابل، هناك مناصرون لحزب الله يردّون على الشتائم الطائفية بمثلها، لتشتعل حرب افتراضية سنية – شيعية تستخدم فيها أسوأ الأوصاف وأشدها عنصرية وإساءة كل للآخر.
كما أن الكثير من مناصري حزب الله أنفسهم سوّقوا للحرب بصفتها دفاعاً عن الشيعة وعن مقدساتهم، بخاصة مقام السيدة زينب في ريف دمشق، حيث باتت عبارة "زينب لن تسبى مرتين"، بمثابة صوت المعركة الذي لا صوت يعلو عليه.

التشاؤم والرغبة بالهجرة

وإذا كانت الحرب الطائفية الإفتراضية على درجة عالية من الخطورة، فإن الأخطر منها، التوتر الكبير والمتنقل الذي يشهده لبنان منذ اندلعت الأحداث مؤخراً، وراح يتسع وتزداد وتيرة أحداثه، مذ بدأت جثث قتلى حزب الله تعود من سورية وتشيع في القرى الشيعية في محافظتي الجنوب والبقاع. حيث يتلقى ذوو القتلى "التبريكات والتهاني" بمقتل ابنائهم، في استخدام لتعابير من أدبيات الحزب.
وهو توتر وصل إلى ذروته مع قصف الضاحية مؤخراً بصاروخين مجهولي المصدر، والتخوف المستمر من استهداف المناطق ذات الغالبية الشيعية بالسيارات المفخخة والمتشددين الانتحاريين، مما جعل عناصر حزب الله ينتظمون في نوبات حراسة ودوريات وسلاحهم ظاهر للعيان، حسب الأنباء الواردة من لبنان.

أنصار حزب الله اللبناني يتظاهرون دعما للنظام السوري

أنصار حزب الله اللبناني يتظاهرون دعما للنظام السوري

كما ان المعارك تكاد لا تتوقف حتى تندلع مجدداً في طرابلس شمالاً، بين مقاتلي الحزب الديموقراطي العربي المؤيد لحزب الله والنظام السوري، والذي يتمركز في منطقة جبل محسن ذات الغالبية العلوية، وبين المسلحين السنة في منطقة التبانة، ومعظمهم من الإسلاميين.
وبينما تعود مشاهد الحرب الأهلية، يبدي اللبنانيون تشاؤماً من كل أحوال البلد. وتحفل كتابات كثيرة، إما في مقالات أو على صفحات التواصل الإجتماعي بهذا التشاؤم، وبالرغبة العارمة بالهجرة من البلد عند من لا يجد نفسه طرفاً في الصراع الذي يرى المتابعون أنه ما زال في بدايته، وانه ما إن يندلع فلا أحد يدري كيف سينتهي.

انتهى الإستقرار النسبي الذي شهده لبنان بعد اتفاق الدوحة بين الاطراف السياسية اللبنانية في مايو/ أيار من عام 2008. وبيان الجيش اللبناني الذي يعتبر المؤسسة الحيادية الوحيدة في لبنان، يكاد يكون بمثابة تحذير أخير من الخطر المقبل على البلد.

والجيش الذي يمثل "هيبة" الدولة، غالباً ما يجد نفسه مكبلاً وعاجزاً عن الحسم على الأرض بسبب التعقيدات السياسية والطائفية التي تلف البلد والتي تجعل الجيش دائماً عرضة للتشظي إذا ما اتهم بالانحياز إلى طائفة ضد أخرى.

وفي دولة بلا "هيبة"، مع مجلس نواب مدد ولايته بسبب خوفه من الاوضاع الامنية، ومع حكومة مستقيلة، ورئيس حكومة مكلف تشكيل حكومة جديدة وهو غير قادر على القيام بذلك منذ اكثر من شهرين، يبدو المشهد معقداً أكثر من أي وقت مضى. وتدخل حزب الله في الحرب السورية ليس تفصيلاً عابراً في هذا المشهد.

لعبة خسارة – خسارة

حتى الآن، لم يعلن أي طرف لبناني، ومن ضمنه حركة أمل الشيعية حليفة حزب الله، المشاركة بالقتال في سورية. في المقابل، فإن مشاركة الحزب باتت علنية وسبباً للتفاخر عند قيادييه ونوابه.

عرض عسكري لمقاتلي حزب الله

عرض عسكري لمقاتلي حزب الله

هل الطائفة الشيعية هي التي تقاتل في سورية لأن الحزب يختزل تمثيلها؟
يقول النائب نهاد المشنوق لموقع قناة "الحرة" إنه "بالرغم من الجهود الكبيرة لمنع اختزال الحق الحصري بتمثيل الطائفة الشيعية في حزب الله، إلا أن هناك صعوبة بالغة في هذا الأمر".
ويرى المشنوق، وهو عضو كتلة المستقبل التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، أن "من يساعد في عدم اختزال صورة الشيعة بالحزب، هو أن المرجعيات الشيعية الدينية والسياسية في لبنان لم تصدر عنها موافقة علنية على تدخل حزب الله في الحرب، مثل رئيس المجلس النيابي نبيه بري (رئيس حركة أمل) ورئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني ونائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان، اضافة إلى الاصوات المدنية الشيعية التي أطلقت وتطلق منذ اندلاع الحرب السورية المواقف الرافضة لسياسة حزب الله أو لاشتراكه في الحرب.
مهما حاول حزب الله تجميل صورة حربه في سورية، فإنه لن ينجح، فقد وضع الشيعة اللبنانيين في مواجهة سنة لبنان وسورية وعلى اشتباك معهم

مع ذلك، فإن المشنوق يعتبر أن "الشعوب العربية تتعاطى مع الشيعة بصفتهم كلهم مع حزب الله".
ولا تبدو الدول بعيدة عن شعوبها في هذا الشأن. مجلس التعاون الخليجي اعتبر حزب الله منظمة ارهابية في الآونة الأخيرة، ومملكة البحرين بدأت ما اسمته حصر مصالح حزب الله في المملكة تمهيداً لإجراءات قانونية بعد أن أدرجت المنامة الحزب على لائحتها للإرهاب.
إلى ذلك، يقول المشنوق إنه "بات من الصعب على الشيعة أن يأخذوا تأشيرة دخول إلى الكثير من البلاد العربية".

والدول العربية، والخليج في مقدمها، سوق عمل مرغوب للبنانيين، والشيعة من ضمنهم. وهي فرصة تعدم بالنسبة للشيعة كلهم، وليس لعناصر الحزب بالتحديد. "الخناق الاقتصادي يضيق أكثر فأكثر على الطائفة بذلك"، يقول المشنوق.
في المقابل، يشير الصحافي اللبناني قاسم قصير في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "ثمة أوساطاً اعلامية وسياسية ودينية تمزج بين دور حزب الله في سورية وبين الطائفة الشيعية ككل. وتعتبر هذه الأوساط ان ما يقوم به الحزب يعبر عن موقف الطائفة، مما يدفع هؤلاء إلى اصدار مواقف تدين الطائفة الشيعية وليس للحزب. وهذا أمر غير صحيح".
هناك انعكاس سلبي على الصورة برغم ان نصر الله حاول أن يقول إن المشكلة ليست مع السنّة أو الحركات الإسلامية بل مع التكفيريين. لكن هذا الخطاب لم ينجح في منع انعكاس الصورة السلبية على الشيعة، وبعض ابناء الطائفة الشيعية يدفعون ثمن هذا الامر

ويرى قصير إنه "على المستوى العام هناك انعكاس سلبي على الصورة برغم ان نصر الله حاول أن يقول إن المشكلة ليست مع السنّة أو الحركات الإسلامية بل مع التكفيريين. لكن هذا الخطاب لم ينجح في منع انعكاس الصورة السلبية على الشيعة، وبعض ابناء الطائفة الشيعية يدفعون ثمن هذا الامر".

من جهته، يرى المشنوق أنه "مهما حاول حزب الله تجميل صورة حربه في سورية، فإنه لن ينجح، فقد وضع الشيعة اللبنانيين في مواجهة سنة لبنان وسورية وعلى اشتباك معهم".
إلا أن قصير، من جهته، يشير إلى أن "حزب الله يقول إن صراعه في سورية سياسي وللدفاع عن محور معين (حلف الحزب مع إيران والنظام السوري)، لكن هناك جهات تريد تحويله إلى صراع طائفي من خلال استخدام السيارات المفخخة والصواريخ وغيرها والقول إن السنة يتعرضون لهجوم يصفونه بأنه صفوي فارسي".

وفي قراءة سياسية للمسألة عينها، يقول المشنوق إن "حزب الله يلعب رهاناً ايرانياً مئة في المئة. لكنه لن يربح. وعلى المدى الطويل سينعكس هذا الامر على وضع الطائفة الشيعية في لبنان والعراق وسينعكس على طبيعة التمثيل الشيعي في البلدين. ويتابع: "حزب الله أخذ خياراً تاريخياً واستراتيجياً خاطئاً سيتسبب بمزيد من الفتنة والدم بصرف النظر عن الارباح والخسائر. هي lose lose game، (لعبة خسارة - خسارة) كيفما قلبتها".

لكن الشريط الذي ظهر مؤخراً وانتشر بسرعة فائقة لا يوحي بأن حزب الله يخوض حرباً لأسباب سياسية. يظهر في الشريط مسلحون يرتدون بزات عسكرية وقد موهت وجوههم، وهم يؤدون طقساً دينياً صرفاً، يقبلون في خلاله راية سوداء كتب عليها عبارة "يا حسين" قبل أن يرفعوها على أعلى مئذنة مسجد كتب في بداية الشريط أنه في القصير، على وقع صرخات "هيهات منا الذلة"، و"لبيك يا حسين"، ونحن أبناء الإمام علي".. وعلى وقع صوت الرصاص الذي يطلقه عناصر الحزب في سماء سورية ابتهاجاً.

  • 16x9 Image

    جهاد بزي

    صحافي لبناني خريج قسم الصحافة المكتوبة في كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة  اللبنانية. عمل في جريدتي "السفير" اليومية و"المدن" الإلكترونية وكتب في دوريات عدة قبل أن ينضم إلى MBN Digital وهو القسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN.

XS
SM
MD
LG