Accessibility links

داعش تنقل حربها إلى النت.. خبايا تجنيد 'الذئاب المنفردة'


اشتداد المعارك الميدانية ضد داعش

اشتداد المعارك الميدانية ضد داعش

يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على تقنيات دعائية متطورة لتجنيد عناصره من مختلف القارات باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي ليفتح جبهة صراع مشتعلة لا تقل شراسة عن المواجهات الميدانية.

استفاد داعش من تجربة تنظيم القاعدة الذي حافظ على نشاط شبكاته على شبكة الإنترنت منذ عقدين، ليطور تقنيات تواصل أكثر تنسيقا دفعت دولا أوروبية إلى التعبير عن قلقها البالغ من أن تتحول الشبكة العنكبوتية إلى ساحة معركة رئيسية في الحرب على الإرهاب. والتقى مسؤولو حكومات أوروبية في اللوكسمبورغ منتصف الشهر الماضي لمناقشة سبل التصدي للتطرف على الإنترنت. وأعرب مسؤولون أوروبيون عن قلقهم من أن التجربة التي راكمها عدد كبير من قياديي داعش الذين نشطوا سابقا في خلايا القاعدة قد يتم استثمارها في تطوير الترسانة الرقمية لتنظيم الدولة الإسلامية.

تجنيد المقاتلين

درس الخبير في قضايا الإرهاب الرقمي جيف باردين أنشطة مجموعات جهادية على مختلف مواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي طيلة السنوات الثمان الماضية، وخلص إلى أن داعش يجند شهريا أكثر من 3400 عنصر عبر حملات الكترونية غاية في التنسيق. هؤلاء المجندون حسب باردين هم مقاتلون قادرون على القيام بأي أنشطة مسلحة دون أن تتمكن دول غربية من تتبع تحركاتهم لانشغالها بإعداد خطط ميدانية قد تمهد لهجوم بري محتمل.

تنكب مخابرات دول غربية على تحليل المعطيات الخاصة بأعضاء مجموعات جهادية وفك خيوط عملياتها والاندساس داخلها بشكل يسمح بتفكيك مكوناتها

وفي آخر بحث منشور له في مجلة "بيزنيس اينسايدر" الأسترالية، برر باردين عدم تحرك أجهزة استخبارات العديد من الدول لتطويق الشبكات المتشددة النشيطة على مواقع التواصل الاجتماعي بتركيزها على جمع أكبر قدر من المعلومات للوصول إلى رؤوس تلك التنظيمات: "إنها تنكب على تحليل المعطيات الخاصة بأعضاء مجموعات جهادية وفك خيوط عملياتها والاندساس داخلها بشكل يسمح بتفكيك مكوناتها ليسهل التعرف على هويات من يقف وراء تلك التنظيمات السرية".

لكن الخبير الأمني حث دول التحالف التي تحارب داعش على التمييز بين التجنيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي وجمع التبرعات المالية وتنسيق التحركات العسكرية التي تستطيع استخبارات دول معينة تتبعها، وبين الأنشطة التي تسعى إلى نشر أيديوليجية التنظيم المتشددة بين زوار الشبكات الاجتماعية من أي مكان في العالم، والتي تحتاج، حسب باردين، إلى تحرك سريع للتصدي لها بإغلاق حسابات من يقف خلفها وتعطيل خوادم تلك المنتديات بشكل نهائي.

وتسير المعالجة القانونية للأنشطة المحرضة على العنف على الإنترنت بشكل متواز مع إغلاق تلك الفضاءات الافتراضية حسب رئيس المركز المغربي للدراسات في الإعلام وحقوق الإنسان علي كريمي، الذي يعتبر اتفاقية بودابست الخاصة بالجريمة عبر الأنترنت الموقعة سنة 2001 إطارا يدعم التشريعات الدولية لمعاقبة المحرضين على العنف. ويتابع في تصريح لموقع "الحرة": عندما تشعر أي دولة أن هناك أطرافا تهدد سيادتها ومصالحها القومية فستسعى إلى اعتقال من يدير تلك التنظيمات رغم إدراكها لصعوبة ذلك لأن هذه الحركات ألغت مفهوم السيادة لكونها تتحرك عبر نواة عابرة للقارات تستطيع التخفي وتخطط في منطقة على أن يتم التنفيذ في نقطة جغرافية أخرى".

معارك الذئاب المنفردة

بعد سقوط مدينة الموصل العراقية في قبضته صيف هذا العام، لم يتوانى داعش في جعل العنف المتشدد رسالة حاضرة في كل التسجيلات المصورة التي عرضها توثق عمليات إعدام جماعية لجنود عراقيين وسوريين، إلى جانب تصوير اللحظات الأخيرة التي عاشها رهائن غربيون قبل قتلهم. ورغم حجب تلك الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي، تمكن عناصر التنظيم من جعل مواقع إخبارية تتحول إلى حلقات سجال دينية بين "من يشجب تلك الجرائم التي يراها متناقضة مع تعاليم الإسلام، وبين من يتوعد كل من قاتل داعش بدفع الثمن".

وأثارت هذه الانقسامات مخاوف ناشطين حقوقيين في الشرق الأوسط، وشبهها الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور في تصريح هاتفي لموقع "الحرة" بـ "معارك الكر والفر التي ستستمر لوجود من يريد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الكراهية وتجنيد من يتقاسم نفس الأفكار لتحقيق أهدافه". وتابع "يجد مستخدمو الشبكات الاجتماعية أنفسهم غير ملزمين باتباع المعايير المهنية الخاصة بنقل الأخبار وهنا يكمن الخطر لأنهم إذا ارتكبوا أي جرائم فستتم مساءلتهم بموجب القانون".

ومنذ أن توعد داعش بشن من وصفهم بـ"الذئاب المنفردة" لاعتداءات مسلحة في عدد من المناطق السياحية في لاس فيغاس ونيويورك، بادرت الشرطة الأميركية إلى الرفع من درجات التأهب الأمني لتفادي وقوع عمليات مسلحة قد ينفذها أشخاص يقضون ساعات طويلة خلف شاشات حواسيبهم يتنقلون بين منتديات المواقع الاجتماعية.

خطاب متشدد مناهض للغرب

ولتشجيع شبان أوروبيين على الانضمام إلى ساحات القتال، قدم عناصر من داعش الإجابة عن أسئلة غير متوقعة تخص نوع الأحذية التي يجب عليهم إحضارها، وطبيعة الوجبات الغذائية التي سيحصلون عليها.

"تملك هذه التنظيمات إمكانيات متطورة تجعل التصدي لها تحديا بالنسبة لدول غربية لأنها تستخدم خطابا عاطفيا يدعو إلى إقامة دولة إسلامية

وهو ما ليس مستغربا حسب الأخصائي النفسي في جامعة ماساشوستس جون هورغان الذي فسر تلك الخطوة بقدرة داعش على الوصول إلى قطاعات واسعة من الشباب لإقناعهم أن يكونوا جزءا من شيء أكبر مما يتخيلونه وأن ينضموا إليه الآن. وتظل التمثلات المناهضة للغرب الرسالة الأهم التي يتضمنها خطاب الحركات المتشددة حسب الباحث المغربي في الاتصال السياسي محمد العلالي. وانتقل مضامين هذا الخطاب حسب رأيه عبر التكنولوجيا التي تقدمها الهواتف النقالة التي صارت مرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي. ويتابع في حديث مع موقع "الحرة": "تملك هذه التنظيمات إمكانيات متطورة تجعل التصدي لها تحديا بالنسبة لدول غربية لأنها تستخدم خطابا عاطفيا يدعو إلى إقامة دولة إسلامية، وتبرز مدى جاهزيتها برصد كل الوسائل التقنية المتاحة للتأثير في الشباب من مختلف الشرائح الاجتماعية".

وطور مشرفو شبكات التواصل في داعش وسوم هاشتاغ في تويتر بكل اللغات للوصول إلى أكبر عدد من المغردين، ولم يتوقف نشاطهم عند هذا الحد، إذ لم يتوانوا أحيانا في قرصنة هاشتاغات متداولة خاصة ذلك الخاص بكأس العالم لكرة القدم، ومحاولة رسم "صورة ناعمة" لمقاتليه عبر عرض فيديوهات لهم يلهون مع أطفال في مدينة الرقة السورية أو يتناولون البيتزا في أحد مطاعمها.

وشجعت سهولة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة نشرها للمعلومات جماعات متشددة على اللجوء إليها وتحويلها إلى سلاح للتجنيد من أي مكان في العالم وفق تصور الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية نيك أوبرايان: "يتعلق الأمر بوسيلة تكنولوجية رخيصة الثمن ويسهل التحكم فيها سواء كان المستخدم مختبئا داخل مغارة في أفغانستان أو جالسا قرب حاسوبه المرتبط بهاتف يعمل بالأقمار الاصطناعية، فتغريدة على تويتر لا تكلف صاحبها أي شيء".

XS
SM
MD
LG