Accessibility links

logo-print

زواج المصلحة بين داعش والعشائر.. طلاق حتمي بعد حين


مسلحو داعش يرفعون علمهم في الأنبار العراقية

مسلحو داعش يرفعون علمهم في الأنبار العراقية

الوحدة.. أبعد ما تكون عن المتشددين الذين يذيبون حدود العراق ويهددون بحرب في المنطقة. علاقتهم أشبه بزواج المصلحة بين متحمسين دينيين متشددين وفصائل سنية مسلحة تسلك نهجا أكثر عملية.

أمامهم الآن عدو مشترك يتمثل في رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي الذي تتهمه الأقلية السنية في العراق بتهميشها والتضييق عليها.

الكل يتوقع أن تتشاجر هذه المجموعات يوما على شكل مستقبل الأراضي السنية بالعراق.

من سينتصر؟

ويلوح تساؤل حول من سيكون المنتصر، هل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي خرج من عباءة القاعدة ويهدف لإقامة خلافة إسلامية أم الفصائل السنية المسلحة المتعددة، التي تقاتل استنادا لروابط عشائرية أو عائلية أو عسكرية أو دينية وتحن إلى ما كان عليه الحال قبل الغزو الأميركي في 2003.

يتوقع كثير من الخبراء والمسؤولين الغربيين أن الغلبة ستكون للدولة الإسلامية في العراق والشام نظرا لتماسكها الداخلي وحيازتها لأسلحة متطورة ومبالغ نقدية ضخمة استولت عليها.

وهم يشيرون إلى ما حدث خلال الحرب الأهلية الدائرة في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، فقد اكتسحت القيادة الموحدة لتنظيم الدولة الإسلامية الجماعات الأخرى ورسخت نفسها باعتبارها القوة المعترف بها في غرب سورية.

ويلفتون النظر إلى أن حتى الانتفاضة السنية على القاعدة بالعراق في العقد الماضي لم تكن لتنجح لولا الضربة الحاسمة، التي وجهتها قوة النيران الأميركية.

وبدأت التصدعات تظهر بالفعل في التحالف الفضفاض بين الدولة الإسلامية في العراق والشام والقوى السنية الأخرى ما يوحي بأن الاحتكاكات الطبيعية القائمة بين الجهاديين والفصائل الأخرى ستزداد حتما.

ففي بلدة الحويجة العراقية دارت معارك ضارية بين تنظيم الدولة الإسلامية وعناصر من جيش رجال الطريقة النقشبندية، الذي يضم ضباطا سابقين بالجيش العراقي وتمتد جذوره إلى حزب البعث الذي كان يتزعمه صدام حسين.

واستمرت المعارك من يوم الجمعة إلى الأحد حين طالبت الدولة الإسلامية خصومها بمبايعتها وفقا لروايات سكان بالمنطقة. وسقط 15 قتيلا على الأقل في الاشتباكات.

الاحتكاكات قد تزداد

مثل هذه المواجهات قد تصبح واقعا جديدا بين السنة ما لم يتخذ قرار سياسي سريع إزاء الأزمة التي بدأت قبل أسبوعين عندما اجتاح مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق الشام الموصل وبسطوا سيطرتهم عليها في غضون ساعات ثم انطلقوا في شمال العراق وهيمنوا على مساحات شاسعة من الأراضي.

تلك الحملة التي هجر فيها الجيش مواقعه في حالة من الفوضى حددت آلية العمل بين الدولة الإسلامية والجماعات الأخرى.

وقال مسؤول أمني عراقي بارز له خبرة واسعة بالجماعات السنية المتشددة إن للدولة الإسلامية في العراق والشام حوالي 2300 مقاتل-من بينهم أجانب- هم الذين قادوا الهجوم السريع من الموصل إلى بلدات شمالية أخرى منها الحويجة إلى الغرب من كركوك الغنية بالنفط ومنها بيجي، التي تحوي أكبر مصفاة نفط عراقية ومنها تكريت مسقط رأس صدام.

وقال المسؤول لرويترز إن مقاتلي الدولة الإسلامية انطلقوا من الموصل أكبر مدينة بالشمال، والتي باتت تحت هيمنتهم في حين سيطرت الفصائل السنية الأخرى على معظم المناطق الريفية التي سيطر عليها السنة في الآونة الأخيرة وذلك لأن تنظيم الدولة الإسلامية يفتقر لأعداد كافية من المقاتلين.

ويبدو أن الجماعات المختلفة تتبع قيادة الدولة الإسلامية في المناطق الأكبر التي سيطرت عليها مثل تكريت وبيجي.

لكن حين يستقر النظام الجديد في الشمال العراقي السني –والحديث للمسؤول الأمني الكبير- فإنها "سرعان ما ستتقاتل فيما بينها".

ويتوقع أيضا مصطفى العاني الخبير الأمني العراقي الذي تربطه صلات جيدة بحكومات خليجية عربية أن تزداد الاحتكاكات.

وقال "إلى متى يمكن أن يستمر شهر العسل؟ الدولة الإسلامية في العراق والشام لا تحظى بقبول بين الناس لا اجتماعيا ولا سياسيا".

وإذا حدث تمزق في تحالف المقاتلين فقد تنشب معارك يمكن أن تجر المناطق السنية بالعراق إلى اقتتال داخلي دائم.

وقال الدكتور مهند حسام الدين الذي ترشح على قائمة تحالف العربية إن الدولة الإسلامية في العراق والشام ستأخذ موقفا يدعم رؤيتها للشريعة وهو ما سيرفضه أهالي المنطقة لأنهم يريدون حماية حقوقهم.

"لن ينتصر أحد"

يسترسل حسام الدين "أخشى على المناطق السنية. ستشتعل. ولن ينتصر أحد".

وقال إن الجماعات المقاتلة الأخرى حتى وإن لم تتمكن من دحر تنظيم الدولة الإسلامية فستتبع في النهاية أساليب حرب العصابات وسيظل بإمكانها إلحاق الضرر بالتنظيم مهما كان تفوقه من حيث السلاح.

وأضاف "هي مرتبطة بالأرض لكن تنظيم الدولة الإسلامية ليس مرتبطا بالأرض. والتنظيم لا يمكنه قتال عدو من كل الجهات".

وخلال جولة خليجية قام بها وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند لبحث الشأن العراقي قال للصحفيين في قطر الأربعاء إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يمكن أن يفقد السيطرة على مناطق سنية، إذا أمكن إقناع سكانها بالرجوع عن تأييدهم الضمني لهذا التنظيم المتشدد.

وتابع قائلا إن بعض الدول الخليجية العربية تبعث برسائل إلى الزعماء السنة المعتدلين في العراق حول الحلول السياسية الممكنة.

وتستند الجبهة في الوقت الحالي إلى دعامتين قويتين إحداهما الانتماء للأقلية السنية في العراق والثانية الشكوى من أن السنة عانوا التهميش والاضطهاد خلال رئاسة المالكي للحكومة.

وكلا الأمرين ساعدا الدولة الإسلامية في العراق والشام على كسب تعاون المناطق السنية ما لم يكن قلوبها. وكان كثير من شركاء تنظيم الدولة الحاليين قد تعاونوا مع القاعدة قبل أن ينقلبوا عليها في الفترة من 2006 إلى 2008 بعد أن استاءوا من أجندتها المتشددة.

وعندما تمردوا على القاعدة وجدوا دعما من قوة النيران الأميركية وحصلوا على وعود بالمصالحة مع المالكي وحكومته التي يهيمن عليها الشيعة، لكن المالكي لم يف بتلك العهود واستمرت قوات الأمن في القيام باعتقالات جماعية في مواجهة مخاطر المسلحين.

وعندما تفجر العنف في العامين الأخيرين استفاد تنظيم الدولة الإسلامية من تلك المظالم.

نهب وتهريب

يقول دبلوماسيون وخبراء في مكافحة الإرهاب إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يتمتع بنقاط قوة عديدة منها أنه لا يعرف الهوادة وثرواته تقدر بعشرات الملايين من الدولارات حصل عليها بخطط ابتزاز متطورة ومن فدى المختطفين وتهريب النفط وغيره. ومن نقاط قوته أيضا مهارات التواصل الاجتماعي اللافتة.

وقال الدبلوماسيون إن الدولة الإسلامية وغيرها من الفصائل نهبت مصانع سورية وفككتها وباعت معداتها.

وللدولة الإسلامية أيضا خطوط اتصال مفتوحة مع قواعد دعم في سورية المجاورة التي ظهر التنظيم خلال حربها الأهلية كقوة شديدة البأس. ويمنحها حصنها في بلدة الرقة قربا من تركيا التي تعد قناة يسلكها المتطوعون الأجانب كما يتيح لها الوصول لاحتياطيات النفط السورية التي تبيعها. وقد طرقت أسواقا مماثلة في العراق.

وما أنجزه التنظيم من إزالة معظم الحدود، التي رسمها الاستعمار الأوروبي منذ ما يقرب من قرن يعد مصدر فخر للمتعاطفين الإسلاميين، الذين لا يؤمنون بمسألة الحدود والذين يوفرون دوما مددا من المتطوعين الأجانب.

وفي العراق تكاتف التنظيم مع فصائل عراقية أخرى في الشهور الأخيرة. واستمد قوة من العمل معها أو من اختيار عدم ملاحقتها بسبب ضغائن سابقة مقاوما إغراء إسكات الأصوات البديلة.

من هذه الفصائل الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وجيش المجاهدين وجيش الراشدين وأنصار السنة. وكل هذه التشكيلات تجمع إسلاميين وضباطا بالجيش وشخصيات عشائرية ومهنيين شعروا بالتهميش بعد سقوط نظام صدام.

ومن الجماعات البارزة الأخرى جماعة جيش رجال الطريقة النقشبندية، التي خرجت من عباءة حزب البعث وأنشأها عزة إبراهيم الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في عهد صدام.

تعايش تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مع مثل هذه الفصائل في المناطق الصحراوية الشاسعة غربي بغداد، حيث انتفضت العشائر في أواخر كانون الأول/ ديسمبر وكذلك حين حقق تقدما مفاجئا هذا الشهر في الشمال.

وأتاح التمرد السني على المالكي في مدينتي الفلوجة والرمادي منذ بدايات هذا العام للدولة الإسلامية في العراق والشام دخول مناطق حضرية والسيطرة على أراض. وقاتل التنظيم بعدها القوات الحكومية في الأنبار. أحيانا إلى جانب جماعات سنية أخرى وأحيانا بالتنافس معها.

وفي الموصل كان التسامح سمة علاقة تنظيم الدولة الإسلامية بالفصائل المختلفة. ويتباهى أعضاء التنظيم بأنهم يجتذبون إليهم مقاتلين من خارج الدولة الإسلامية.
وقال مقاتل سني مؤيد للدولة الإسلامية "الجماعات الأخرى تبايع".

وقال عضو بالجيش الإسلامي إن المعادلة بسيطة "أهل الموصل سئموا قمع قوات المالكي".

الدولة الإسلامية تريد استفزاز إيران

المشهد يكاد يكون متكررا في تكريت وبيجي حيث يفرض المسلحون حصارا على أكبر مصفاة نفط عراقية.

وقال مسؤول أمني عراقي ثان إن الدولة الإسلامية هي الأفضل تسليحا في حين أن مقاتلي العشائر بمن فيهم عناصر الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين يعززونها بالرجال في عملية مصفاة بيجي.

وقالت خبيرة شؤون القاعدة بمؤسسة آي.إتش.إس لاستشارات المخاطر أنا بويد إن قرار الدولة الإسلامية في العراق والشام التكاتف مع الجماعات الأخرى خلال العام الأخير يدل على أن زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي يعي أثر التشتت والانقسام.

وإدراكا بصورة التشدد والصرامة البالغة المأخوذة عنها قامت الدولة الإسلامية بمبادرات من نوع مبادرات "القوة الناعمة" للظهور بوجه أكثر قبولا فقامت بأعمال خيرية وقدمت مساعدات غذائية وطبية، بل وأحيانا تجري منافسات على شد الحبل في الميادين.

لكن قسوة التنظيم تركت سجلا من الاقتتال الداخلي. ففي سورية شكلت الدولة الإسلامية في البداية تحالفات مع فصائل أخرى لكنها في أواخر عام 2013 شعرت بأنها بلغت قدرا من القوة مكنها من مهاجمة عدد من الجماعات المنافسة ومنها جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.

وفي العراق ربما يكون الحل بالنسبة للبغدادي الآن هو رفع مستوى العنف مع الشيعة لدرجة تدفع القوة الشيعية إيران للتدخل مما يضطر الفصائل السنية الأخرى إلى الانضمام إليه.

ويمكن لمثل هذا التطور أن يجتذب عددا أكبر من المتطوعين من دول خليجية سنية محافظة يعتقد أن لرسائل الفيديو التي يبثها تنظيم الدولة الإسلامية جمهورا مهتما على تويتر.

وعن التنظيم قالت بويد "يكمن الخطر في أنه رغم ميله للتنازع مع الجماعات السنية الأخرى فإن مكاسبه العسكرية قوية بحيث يمكن أن تجتذب تأييدا للدولة الإسلامية من خارج العراق وسورية".

وتحرص الدولة الإسلامية في العراق والشام على أن تكون لها اليد العليا على بقية الجماعات السنية الأخرى.

وحين سيطر التنظيم على ناحية العلم خارج تكريت يوم الأحد سئل أحد قادته أثناء تجوله بالمنطقة لماذا كلفت الدولة الإسلامية نفسها عناء السيطرة على هذه المنطقة السنية.

قال القائد إن الناحية تقع في منطقة استراتيجية أوسع تهيمن عليها فصائل مسلحة أخرى وإن التنظيم كان بحاجة لفرض نوع من التماسك. وأضاف "نعمل على تنسيق جهودنا وتوحيد هذه الجماعات".

المصدر: رويترز

XS
SM
MD
LG