Accessibility links

logo-print

من جلال الدين الرومي إلى ديفيد كينت.. الموسيقى لصناعة السلام


أصدقاء في وئام

أصدقاء في وئام

بيني وبين الناي حكاية قديمة تعود إلى بدايات العمر في تلك القرية التي لاتزال تقيم في القلب، كما هو الحال في كل الزمن .

في المدى البعيد ذاك، كانت تصحو في كل صباح على عزف ناي يطرب مسمعها به راعي غنم يصحبة نايه في كل حاله وترحاله،إلى أن تحول ذلك العزف الحزين إلى واحدة من علامات تلك القرية، بل وسببا لشهرتها حيث لا تخلو أحاديث الزائرين لها والعابرين عند حدود جبالها الوعرة، عن ذلك العازف الذي يهرب من وحدته وضجيج قطيع الأغنام من حوله إلى عزفه. وربما كان في ذلك تعبير عن نفس مزدحمة بأحلام كبيرة وكثيرة، لكن حدود القرية أرغمت صاحبها أن يقولها لحنا حزينا يرسله في تفاصيل السماء على اختلاف توقيت دخول وخروج قطيعه إلى القرية بين الصباح والمساء.

ولأن الناي له فعل السحر في النفوس وفي نفسي تحديدا، وجدتني أبحث عميقا فيما احتوته مكتبة القرية الصغيرة إلى أن تقاطعت عيناي مع ذلك الذي يقوله مولانا جلال الدين الرومي عن الناي.

"نار العشق هي التي نشبت في الناي، وغليان العشق هو الذي سرى في الخمر، والناي صديق لكل من افترق عن أليفه، ولقد مزقت أنغامه الحجب عنا، فمن رأى كالناي سما وترياقا، ومن رأى كالناي نجيا ومشتاقا، إن الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماء، والناي هو الذي يروي قصص عشق المجنون".

هل ترانا نملك طوعية الحرف التي تسمح لنا بأن نقول أجمل من هذا، ونحن نتحدث عن الناي لكن ما أردت الأخذ به من هذا المقطع الذي أسعد قلبي وأنا أتقاطع معه بالشراكة مع الصديق الإعلامي عبد المنعم، هذا المتصوف العاشق بامتياز لكتابات الرومي جميعها، استدرج تفكيري إلى ذلك المعنى الكبير الذي سعي إليه وعمل لأجله عشرات الموسيقيين هنا في واشنطن ذوي الأصول والثقافات المختلفة، لكنهم وبإرادة خالصة اختاروا وقرروا أن يجعلوا من الموسيقى أداة لصناعة السلام في هذا العالم، ورأوا أنه لا توجد وسيلة يمكن أن تتجاوز حدود اللغة وفوارق العرق واختلاف الثقافات والأذواق أفضل من العزف على اختلاف ألوانه وطبوعه ومعانيه.

قبل عشرين عاما، التقى موسيقيون من أصول مختلفة في أحد كنائس واشنطن وأطلقوا مبادرة فنية بمقاصد إنسانية سامية جدا، أسموها "أصدقاء في وئام" المفتاح فيها التنوع العرقي والفني بين أعضائها وأداتها لتحقيق غايات أصحابها هي بالدرجة الأولى الوصول إلى كتابة نصوص شعرية مشتركة فيما بينهم، والاجتهاد جماعة في تلحينها وغنائها على كافة مسارح ومراكز مدن ومدارس وجامعات منطقة واشنطن الكبرى.

عندما وصلتني الدعوة لحضور الحفل الختامي للمجموعة العام الحالي 2016 بالمدرسة العليا بفيينا بشمال فرجينيا، كان الصيف قد مكن لخطوه في أيام المدينة الساحلية، وكان الحضور من الناس في ذلك المساء في تطلع كبير لسماع إبداع المجموعة، واتضح لي لاحقا أني الضيف الوحيد الجديد بين الجمهور الواسع داخل القاعة، لأن بقية الحاضرين سبق لهم وأن استمعوا إلى إبداع هذه المجموعة في مناسبات عديدة سابقة، بل إن أغلبهم تشكل هذه المجموعة من المبدعين جزءا عميقا من ذاكرته الشخصية الفنية وحتى العائلية في بعض حالا ت بعض الحضور.

على خشبة ذلك المسرح كان لافتا ذلك الاندماج بين الرجل السبعيني ديفيد نورث قائد الفرقة الموسيقية والعازف الحاضر في نشأتها وصانع تاريخها والمغني الذي لا يغادر الخشبة حتى يعود إليها، والرجل الذي يصر دوما على ارتداء بدلته السوداء المميزة بربطة عنق أرادها أن تتشكل من نوتات البيانو تلك الآلة التي تملأ حياته بل سيكون من الإنصاف القول أنها هي حياته.

الأغنية التي قدمها الرجل مصحوبا بأربعين منشد يقفون من ورائه وفرقة موسيقية متنوعة الملامح بين عناصر مشكليها، تتحدث عن الدعاء لله أن يتحقق السلام بين الناس وفي كل مكان من العالم، وما احوج العالم في جميع أطرافه إلى هذا الدعاء وإلى هذا المعنى في هذه المرحلة من تاريخ الإنسان.

في لحظات وبصعود تدريجي لإيقاع الاغنية، نجح ديفيد في أن يأخذ القاعة بكاملها إلى مقام ارتفاعه الروحي في تلك اللحظات المكثفة المعنى والإبداع، وهم يرددون من خلفه ذلك الابتهال العميق بأن يكون السلام هو ما يعيش به وعليه كل الناس وفي كل مكان .

حالة من الروحانية ملأت قاعة المسرح تلك والحضور على اختلاف أديانهم وأعراقهم وهم يتوجهون إلى الله في تضرع عالي الأصوات بأن يتحقق السلام لكل بني الإنسان في العالم .

لم أنتظر طويلا وديفيد يحاول جاهدا أن يجمع أنفاسه المتقطعة بعد عرض موسيقي وغنائي، استمر لساعتين من الزمن لأقتحم عليه هدوئه وصمته، وأتوجه إليه بأسئلتي ذون أن أنسى أن أعبر عن إعجابي بما يقدمه من جهد فوق الخشبة ومن وراء الستار في مواعيد أسبوعية، تجمع بينه وبين شركائه للتدرب بشكل مستمر وعلى مدار السنة قصد التحضير لهذه الحفلات التي يقيمونها في كل أطراف المدينة .

ديفيد يقول لي أنها الموسيقى وأنه الاحتفال بالتنوع، ويوضح أكثر أننا قد نختلف في مفردات تعبيرنا، ونحتاج إلى جهود جبارة لنعرف لغات العالم المختلفة، وقد يكون الامر غير متاح لنا على الإطلاق أن نحيط بكل لغات العالم معرفة وحديثا، لكن هناك طريق أقصر وأيسر يمكنه أن يجمع بيننا جميعا على اختلافاتنا الكبيرة ثقافيا وحضاريا وحسيا، إنه طريق الموسيقى الذي يملك القدرة على جعل هذا المستحيل ممكنا بل سهلا ومتاحا لأن يحقق بيننا هذا التقارب.

لأن الموسيقى لا تتحدث إلى المعلن فينا أنها تخاطب العمق فينا جميعا، لذلك تجدنا هنا في هذه الفرقة نأتي من خلفيات مختلفة ونتحدث لغات عدة، لكننا جميعا نلتقي من حول هذا الجوهر السامي الذي يؤلف بين قلوبنا جميعا إلا اللحن والكلمة الشاعرة.

وأنا أشكر ديفيد على تقديمه البديع لفرقته الموسيقية و غاياتها السامية لنشر هذا المعنى، لم يفتني أن أخبره أنه بإجاباته تلك قطع الطريق علي لطرح المزيد من الأسئلة واكتفيت بالاعتذار منه قبل أن أنقل أسئلتي إلى واحدة من شركائه في هذا العمل.

تلك المرأة اللاتينية الأصول التي لا تتنازل عن أناقتها اللافتة في مثل هذه المناسبات، وعن ابتسامة تغمر وجهها باستمرار "لورا أوتيز" أكرر نفس سؤالي لها وهي الشريكة في الفكرة والمعنى منذ عهدها الأول، ولاتزال وفية لخطواتها للعقد الثاني على التوالي، بل تقول لي إنها تجد في الوقت الحاضر متسعا أكثر من الزمن لتعطي الفرقة الموسيقية مزيدا من جهدها ومزيدا من إبداعها بعد فراغها من تربية أطفالها.

السيدة أوتيز وصلت أميركا مهاجرة من وطنها الأم المكسيك، لكنها لم تكتف بتحقيق طموحاتها الوظيفية والعائلية فقط، بل أضافت إلى تلك النجاحات هذه الإضافة النوعية من خلال الانخراط في هذا الجهد الفني، وتقول عن ذلك أنها وجدت في هذا الجهد الفني والإنساني أفضل صور التعبير عن امتنانها لهذه الأرض التي غمرتها محبة وسلاما.

ولأن الفرقة الموسيقية تقوم على التنوع بل وتحتفل به، كانت محطتي الثالثة في سلسلة لقاءاتي مع رموزها مع الأميركية من أصل ياباني "ميشيكو ياكوياما "عازفة ومغنية يابانية هادئة في ملامحها وصوتها ال الذي ناعم أخذ القاعة بكاملها إلى حالة من السكينة تماما كما فعلت موسيقاها في الحضور.

قليلة الكلمات في إجاباتها هذه المرأة لكنها كانت عند الهدف وهي تقول لي لا أحد بإمكانه أن يجعل منا جميعا سعداء معا في لحظة واحدة كما نحن في هذا المساء كما تفعل الموسيقى فينا وبيننا هنا .

انتهى ذلك الحفل في ذلك المساء الصيفي الحار وغادرت قاعة المسرح لأصطدم بمشهد آخر عند خروجي من هناك، والناس يتزاحمون لأجل الحصول على المجموعة الغنائية الجديدة التي قدمتها الفرقة الموسيقية، وتماما مثلما هي الفرقة متنوعة في تشكيلها كان الراغبون في الحصول عن نسخة من أعمالها متنوعون عرقيا وثقافيا وعمريا.

يحدث كل ذلك في الوقت الذي كان فيه ديفيد كينت منشغلا بترتيب آلاته الموسيقية والحصول على كأس ماء يعوض به طاقته تلك التي أظهرها راقصا ومغنيا على خشبة المسرح حتى وإن كان العمر قد أخده إلى ما بعد السبعين عاما وقليل.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

Facebook Forum

XS
SM
MD
LG