Accessibility links

ماذا خسر السودان برحيل قرنق؟


رابح فيلالي خلال زيارة لجنوب السودان

رابح فيلالي خلال زيارة لجنوب السودان

كان هنا في واشنطن.. في ساعة متأخرة من ذلك المساء يخبرني أحد مساعدي الراحل جون قرنق هنا في العاصمة الأميركية أن الزعيم الجنوبي ونائب رئيس السودان يزور أميركا لأول مرة بصفة رئيس حكومة الجنوب ونائبا للرئيس عمر البشير.

في اللحظة إياها كنت أحمل ابنتي الوليدة إلى فراش نومها بعد حمامها. وفي هذه السيرة إشارة إلى مصادفة تاريخية في حياتي الخاصة كون ابنتي هذه ولدت وأخذتني على حين غفلة من مفاوضات نيفاشا للسلام، وعدت مسرعا على متن أول طائرة متاحة في نيروبي.

نظرت عميقا في ابتسامة طفلتي التي تصادف ميلادها مع ميلاد دولة جنوب السودان، وجدت في عينيها شعاع متصل من الفرح بالآتي وقلت في نفسي "قرنق في واشنطن.. هذه المرة بصفة رجل الدولة ورئيس الحكومة في الجنوب ونائب الرئيس لكامل السودان.. كم تتغير المواقع في رحلة التاريخ".

قرنق الذي قضى جزءا من حياته في أميركا طالبا في جامعة "أيوا" واختار عن قصد دراسة الفلاحة وتنمية الإنتاج الزراعي وفي تفكيره مستقبل الجنوب الفلاحي، خاصة وأن هذا الجنوب يرقد على محيط متحرك وواسع من تربة تعد هي الأكثر خصوبة في العالم.

في ردي السريع على مساعد قرنق.. قلت أتمنى أن تكون لنا فرصة اللقاء والحديث إلى الرجل خلال هذه الزيارة وتسجيل انطباعاته عن زيارة يُستقبل فيها بصفة رسمية وليس بصفة زعيم التمرد الجنوبي الذي يبحث عن كافة أشكال الدعم له ولأنصاره في الجنوب بين الأميركيين.

في تلك الأثناء كان رجل آخر في مبنى وزارة الخارجية الأميركية يجمع أوراقه ويغادر المبنى إنه رابح فيلالي خلال لقاء مع وزير الخارجية الأميركي السابق كولين باول

رابح فيلالي خلال لقاء مع وزير الخارجية الأميركي السابق كولين باول

كولن باول، صاحب العلاقة المتميزة بقرنق وصاحب الدور العميق في ترسيخ اتفاق السلام بين الشماليين والجنوبين، لكنه الدور الذي يغيب عن الحديث إعلاميا لأسباب لا يتسع المقام هنا لذكرها.

أبلغت مديري في المحطة عن وجود قرنق في واشنطن وفرصتنا في الانفراد بمقابلة خاصة بنا وتم الترتيب مع الأصدقاء في مكتب الحركة الشعبية لتحرير السودان على هذا الأساس.

عندما كنت أدخل فندق الماريوت على جادة 14 Street كانت موظفة الاستقبال تحمل ورقة في يديها وأنا أبلغها بموعد المقابلة مع قرنق، سارعت إلى تسليمي المكتوب عليها اعتذار الرجل عن المقابلة وأنه مضطر للذهاب سريعا إلى مبنى الخارجية لمقابلة طارئة قبل العودة سريعا إلى نيروبي ومن هناك إلى جوبا ثم إلى الخرطوم، المقر الجديد للزعيم الجنوبي.

كانت الفرصة الأخيرة لإمكانية إجراء لقاء أخير مع الرجل.

كالعادة دائما يتكرم علي القيادي في الحركة الشعبية ياسر عرمان ليقول لي إن الجنوبيين محاصرون حاليا بأزمة تسليح الجيش الجنوبي وهم يرجون مساعدة الولايات المتحدة في ذلك خاصة أن واشنطن كانت أكبر الراعين لاتفاق السلام وأكثر الملتزمين برسم ملامح الحياة في الجنوب السوداني.

عاد قرنق إلى نيروبي وعدت أنا بخيبة الإعلامي الذي كان يأمل أن يتقاطع مرة أخرى مع التاريخ في واشنطن بالحديث إلى قرنق في هذه الزياة الأولى إلى العاصمة الأميركية، والتي شاء لها القدر أن تكون الأخيرة للرجل.

وصل قرنق إلى الخرطوم وحدثت واحدة من لحظات التاريخ الفارقة في حياة السودانيين. هذا الرجل الذي قضى خصومه في الشمال نصف قرن من الزمن في نعته بأسوأ الأوصاف، وجد ملايين الشماليين في الشوارع انتظارا لقدومه ووجد بين الأجيال الجديدة من السودانيين آلافا آخرين يحملون صورته وشعاره الذي رافقه في حرب الجنوب شعار السودان الجديد.

كان في ذلك جرس الإنذار المدوي في الخرطوم، جرس يقول إن رجل الحرب في الجنوب هو وحده من يملك ملامح المستقبل بين الشركاء في الشمال.

في ذلك الاستقبال الذي وضع جانبا سنوات من الحرب الطويلة، ووضع جانبا عملا دعائيا معاديا للرجل ومشروعه في الجنوب، ولدت حسابات جديدة في الخرطوم.

دخل الرجل الغريم حتى البارحة وما قبله إلى القصر الرئاسي شريكا في الحكم ونائبا للرئيس وزعيما للجنوب وقائدا جديدا للأمة السودانية ومجيبا على الكثير من أسئلة الطموحات الساكنة في قلوب كافة السودانيين ببناء دولة جديدة تتسع لكافة السودان بكل أطيافه وألوانه.

في القلب الخرطوم تعيش لحظات التاريخ الجديدة وفي حياتها كثير من القلق والحسابات في واحدة منها تلك العلاقة الغامضة بين قيادات الجنوب والشمال وذلك الشك الذي يلازمها وذلك الإحساس بالفاصل الحضاري والعرقي الذي يساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين دوما.

ولأن الفجوة بهذا الاتساع، حرص قرنق في فترة إقامته القصيرة في الخرطوم أن يتحرك بحذر، وأن يكون محاطا دوما برفاق الخنادق وليس بوجوه الفنادق الجديدة على اعتبار أن قرنق اختار حتى اللحظة الإقامة في واحد من فنادق العاصمة الخرطوم عوضا عن أحد القصور الرئاسية التي شاء القدر ألا يقيم في أي منها.

غادر قرنق في صمت إلى الجارة أوغندا.. هناك كان على موعد في مزرعة رئيس الدولة المجاورة للجنوب والشريكة في ذاكرة الحرب وحلم السودان الجديد، وعاد الرجل ليلا في الطائرة العمودية للرئيس الجار في اتجاه جوبا.

في طريق العودة تلك، تقول الرواية الرسمية إن عاصفة فاجأت طائرة قرنق ومرافقيه وأخدت الجميع إلى حتفهم الأخير.

كان العالم سعيدا بمنجز السلام في الجنوب وكان رحيل قرنق بمثابة الجحيم الذي فتح في وجه العالم من جديد بإثارة المزيد من القلق إزاء مستقبل السودان، ومستقبل اتفاق السلام فيه خاصة أن هذا البلد الأوسع في القارة الإفريقية حينذاك فتح على نفسة جبهة صراع جديدة في الغرب باندلاع أزمة دارفور.

ومات قرنق. وبموته سقط السودان في حفر الفراغ التاريخية بين الشمال والجنوب وبات واضحا أن شجاعة الرجال لا تملك القدرة للاتجاه إلى المستقبل من غير النظر وراء، وإلى تراكمات الماضي وبات واضحا أن الغرماء في الشمال والجنوب لا يملكون نية أخرى غير انتظار مهلة الخمس سنوات التي حددها اتفاق نيفاشا لترسيم الاستقلال النهائي لجنوب السودان عن شماله وبالتالي ميلاد الدولة الأحدث في القارة السمراء.

خسر الجنوب في موت قرنق تلك الزعامة التي تملك القدرة على توحيد القبائل على تفرقها، وخسر الجنوبيون ذلك القائد الذي كان ينجح دوما في تقديم قضيتهم والتعبير عن طموحهم إلى كل العالم بالطريقة الناجحة وبالأسلوب الحكيم دوما، وخسروا فيه ذلك الرجل الذي يضع الرجال في مواقعهم التي لا تسمح لهم بالطموح خارجها، وخسروا الرجل الذي يجيد فن الانتقال السريع من استعمال رصاص البندقية إلى استعمال فن الدبلوماسية.

وخسر السودان في قرنق ذلك الرجل الذي يملك رؤية المستقبل وروح الأمة الواحدة ورؤية المهندس الذي كان قادرا على أن يجعل من السودان تلك الأمة التي تحقق أول تجربة للدولة القائمة على عنصر التعدد والتنوع في إطار من الوحدة القومية مع الإيمان بالقيم المعاصرة في بناء الإنسان والدولة.

وخسرت إفريقيا في قرنق ذلك الرجل الذي كان بإمكانه أن يجعل من السودان ذلك البلد الذي يؤمن غداء القارة من خلال تربة السودان، ويؤسس لمشروع دولة متصالحة تماما كمال فعل الراحل نيلسون مانديلا في الجنوب.

خسر الجميع في موت قرنق ولم يربح سوى أولئك الذين أرادوه أن يكون غائبا عن كل المشهد أو تمنوا ذلك على الأقل. وسواء قتلوه أو تمنوا موته، فقد كان لهم الذي أرادوه وخسر السودان من بعد الجميع تلك الفرصة التي لا تحدث كثيرا في تاريخ الأمم والشعوب بالفقز إلى المستقبل بشجاعة عدم النظر إلى الماضي الحزين والدامي.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG