Accessibility links

logo-print

الربيع العربي وخريف الأردن.. حركة إصلاحية أم ثورة مصطنعة؟


متظاهرون في العاصمة الأردنية عمان

متظاهرون في العاصمة الأردنية عمان

فيرا سركيس



أصبحت التظاهرات المطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي جزءا يوميا من الحياة العامة في الأردن، لا سيما بعد انطلاق ثورات ما بات يعرف بـ"الربيع العربي".

وخلافا لثورات قامت في دول مجاورة طالب فيها المتظاهرون بإنهاء أنظمة دكتاتورية لا تحظى بشعبية، تركزت الاحتجاجات في الأردن منذ انطلاق شرارتها الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 2011، على مطالب الإصلاح، والقضاء على الفساد، وإجراء انتخابات عادلة، وتحسين ظروف المعيشة في المملكة.

وفي ظل عدم تمكن السلطات من استيعاب الحراك الشعبي حتى الآن، يكاد لا يمر أسبوع في الأردن دون مظاهرة احتجاجية.

وتزيد الاعتراضات على قانون الانتخابات من وتيرة الاحتجاجات. فمع اقتراب موعد إجراء الاستحقاق الانتخابي، يلوح الأخوان المسلمون وقوى يسارية بالمقاطعة إذا ما نظمت هذه الانتخابات على أساس قانون "الصوت الواحد" المطبق حاليا.

يقول علي أبو السكر النائب السابق ورئيس مجلس الشورى في حزب (جبهة العمل الإسلامي)، إن الحراك الموجود على الأرض هو حراك سلمي لقوى سياسية ومجتمعية حريصة على انجاز إصلاح حقيقي.

واعتبر أبو السكر في اتصال مع موقع "راديو سوا" أن موقف الحكومة وردها على تلك المطالب سيحدد ما أذا كانت تلك المظاهرات ستستمر في الشارع أم لا.

ويتوافق رأي القوى اليسارية مع هذا الموقف، حيث يقول أمين عام حزب (الوحدة الشعبية) اليساري الدكتور سعيد دياب، إن الاحتجاجات الشعبية والشبابية تجري أسبوعيا من اجل تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي، مشيرا إلى أن السلطة لم تستجب حتى اللحظة لمطالب الإصلاح، بل تعاملت معها بشكل غير ديموقراطي عندما أقدمت على اعتقال بعض الشباب في مدن الطفيلة والكرك وعمان في الآونة الأخيرة.

وأعتبر أن طريقة تعامل السلطة مع القضية تدل على عدم استعدادها للمضي قدما في عملية الإصلاح السياسي، الأمر الذي يعني أن الشباب سيستمرون في الحراك الشعبي.

واتهم الدكتور دياب بعض مؤسسات السلطة الحاكمة التي أسماها بـ"قوى الشد العكسي"، بعرقلة وتعطيل جهود الاستجابة لمطالب الحراك الشبابي والشعبي بالإصلاح. ويرى أن هذه القوى تخشى من أن المضي قدما في عملية الإصلاح يعني أن التغيير في النخب السياسية سيحدث تغييرا في مؤسسات الدولة.


ورد وزير الإعلام الأردني السابق صالح القلاب على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بعدم تلبية مطالب المتظاهرين، بالتذكير أن الإصلاحات بدأت في الأردن عام 1989، حين كانت المنطقة لا تعرف بعد أي شيء عن الإصلاحات.

وأوضح أن الأردن فتح في حينها الباب أمام حرية الأحزاب وحرية الصحافة والانتخابات العامة، مشيرا إلى أن الإصلاحات شملت إنشاء المحكمة الدستورية ولجنة خاصة للإشراف على الانتخابات، كما أن القضاء أصبح مستقلا بالكامل عن الحكومة. أما من حيث حرية التعبير والصحافة، فيؤكد القلاب أنها موجودة، على الرغم من إبداء ملاحظات عليها.

وأضاف القلاب أن الحكومة والجهات المعنية تتعامل مع المظاهرات على أساس أن من حق أي مواطن أن يتظاهر وأن يطالب بحقوق وإصلاحات، ولفت إلى أن الاحتجاجات الشعبية لم تشهد منذ انطلاقها سقوط قطرة دم واحدة. وقال إن التظاهرات ستبقى حقا للشعب الأردني سواء كانت في أطار "الربيع العربي" أو في حال أصبح هذا الربيع خريفا، على حد وصفه.

المطالب وتلبيتها

ويحدد حزب (جبهة العمل الإسلامي) مطالب الاحتجاجات في عدة محاور، يتعلق الأول بإجراء إصلاحات دستورية قائمة على تفعيل المبدأ الدستوري بأن الشعب مصدر السلطات، حيث تتشكل الحكومة على أساس الأغلبية البرلمانية.

ويشير أبو السكر إلى أن المطلب الثاني هو عدم التهويل على المجلس النيابي المنتخب من قبل مجلس معين، في إشارة إلى مجلس الأعيان الذي تعينه السلطة التنفيذية، كما هو الحال الآن. ويقول إن مطالب إجراء تعديلات على الدستور تشمل أيضا تعديل قانون الانتخابات للابتعاد عن مبدأ قانون "الصوت الواحد" القائم حاليا والذي قسّم العشيرة الواحدة.

أما المطلب الثالث، فيدعو إلى محاربة حقيقية للفساد والحد من تدخلات أجهزة الأمن في إدارة شؤون الحياة المدنية.

وبالنسبة للمطالب الاجتماعية وتحسين ظروف المعيشة، أوضح أبو السكر أن المطالب متداخلة مع بعضها، فيخدم الإصلاح السياسي أوضاع الاقتصاد وبالتالي المجتمع. وأكد أنه عندما تكون هناك محاربة "حقيقة للفساد نحن على قناعة أن الواقع المعيشي سيتحسن. نحن لا نطالب بإرهاق الدولة ماديا لكن نطالب بتحقيق الشفافية والنزاهة".

ثورة أم كذبة

ويتجنب المتظاهرون تسويق شعارات تصور احتجاجاتهم على أنها "ثورة" ضد النظام. ويتهم أبو السكر بعض مؤسسات حكومة بتسويق ذلك لثني الأردنيين وتخويفهم من مواصلة مطالبهم الإصلاحية.

ويصف طرح شعار الثورة "بالكذبة الكبيرة"، ويقول إن الشعب الأردني بعيد تماما عن التطلع إلى موضوع الثورة، لافتا إلى أن الشعب لم يرفع على مدى سنة وتسعة أشهر حجرا ولم يستخدم العنف البتة خلال الاحتجاجات.

من جانبه، يؤكد صالح القلاب أن الشعب الأردني لا يريد تغيير النظام. وقال "في الحقيقة لا يوجد حتى الآن من يطرح تغيير النظام على الإطلاق، بمن فيهم "الإخوان المسلمون".

وأكد أن النظام والشعب والحكومة كلهم يريدون الإصلاح رغم اختلاف المفاهيم.



الانتخابات النيابية

على خط مواز، بدأ العد العكسي لاستحقاق سياسي جديد مع إعلان العاهل الأردني انه سيحل البرلمان قبل نهاية السنة وأن الانتخابات النيابية ستجري في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، مخيرا الاخوان بين البقاء في الشارع أو دخول البرلمان.

ويتوقع القلاب أن يتجاوز عدد المسجلين للانتخابات في الأيام المقبلة مليوني ناخب، وقال إن الذين سجلوا للانتخابات حتى اليوم هم بحدود مليون ونصف، مشيرا إلى أن من لهم حق الاقتراع هم ثلاثة ملايين تقريبا بمن فيهم المقيمون في الخارج.

إلا أن الاخوان يصرون على المقاطعة رغم دعوة الملك عبد الله الثاني لهم بإعادة حساباتهم والمشاركة. وفي هذا السياق يقول أبو السكر إن هذه الدعوة "كأنها دعوة للقبول بالواقع الفاسد الموجود وبعدم الإصلاح".

وفي ظل الظروف والمعطيات الحالية، يشكك أبو السكر بإمكانية أجراء الانتخابات في موعدها، عازيا ذلك إلى جو من عدم الثقة الخانق وغياب التوافق الشعبي في الأردن.

ويضيف "نحن نرى أنه ليس من المصلحة أن تجري الانتخابات في هذا الوقت بالذات لأن الظروف غير مهيأة. ونأمل أن يتم تقدير هذا الواقع من قبل النظام وأن يتم التعامل معه بما يخدم المصلحة الوطنية".

في المقابل، يقول وزير الإعلام السابق صالح القلاب إن المجال لا يزال مفتوحا أمام الاخوان للمشاركة في الانتخابات وأن السلطات ترغب بمشاركتهم، لكن "إذا هم لا يريدون ذلك فهذا لا يعني أن الحياة الديموقراطية والحياة السياسية في الأردن تتعطل"، لافتا إلى أنها ليست المرة الأولى التي يقاطع فيها الأخوان الانتخابات.

كما يذكر أن حركة الإخوان المسلمين كانت قد اشتركت في الانتخابات على أساس الصوت الواحد عامي 1993 و2007، إضافة إلى مقاطعتهم.

وتتفق بعض القوى اليسارية مع موقف الاخوان في هذا الصدد، حيث يرى أمين عام حزب الوحدة الشعبية اليساري الدكتور سعيد دياب إلى أن إجراء الانتخابات على أساس قانون "الصوت الواحد" يعني استمرارا للأزمة العامة التي تعيشها البلاد، ويرى أن الحكومة لا تريد أن تنتج برلمانا له طابع تمثيلي واسع أو قادر على أن يؤسس لإصلاحات ديموقراطية في المستقبل.

ويضيف دياب أن "اتجاها شعبيا واسعا يسود من حيث عدم المشاركة في العملية الانتخابية بسبب عدم ثقته الكاملة بكل هذه العملية وعدم ثقته بالأساس القانوني المتمثل بقانون "الصوت الواحد". الأمر الذي سيضعف من العملية الانتخابية وبالتالي يشكل قوة ضغط على صناع القرار في توجهاتهم في كيفية التعاطي مع الواقع المحلي".

ويصف صالح القلاب التهديدات بمقاطعة الانتخابات بأنها ترد على "حالة كاريكاتورية لوضع لا يعبر عن الحالة الحقيقية أو إنه نوع من المكابرة"، وفق تعبيره.

في ظل الاتجاه العام السائد في الأردن، يبدو أن التظاهرات ستستمر في الشارع وسط احتمال مقاطعة سياسية للعملية الانتخابية. ويقول النائب السابق أبو السكر "نحن مستمرون في ممارستنا السياسية القانونية السلمية إلى أن تتحقق هذه المطالب. بالإضافة إلى ذلك، لن نشارك في انتخابات نعطيها شرعية ولنكون ديكور تجميل لها من دون أن تكون شفافة".
  • 16x9 Image

    فيرا سركيس

    خريجة كلية الإعلام والصحافة في الجامعة اللبنانية - لبنان، وعملت مراسلة ومحللة في الشؤون المحلية والإقليمية والدولية في عدد من الصحف والمجلات السياسية اللبنانية.

XS
SM
MD
LG