Accessibility links

logo-print

هل يستطيع الأمن اللبناني السيطرة على تداعيات الصراع السوري؟


حاجز للجيش اللبناني في عرسال، أرشيف

حاجز للجيش اللبناني في عرسال، أرشيف



تلقي الأزمة السورية بظلالها على لبنان الذي يعاني انقساما واضحا بين مجموعات تساند المعارضة السورية المسلحة وأخرى تدعم النظام، رغم التزام الحكومة اللبنانية "الهش" بسياسة النأي بالنفس.

وخلال هذا الأسبوع، تعرض لبنان لهزة ناجمة عن تداعيات النزاع السوري الذي دخل عامه الثالث الأسبوع الماضي.

فقد نفذ الطيران الحربي السوري أول غارة جوية له على منطقة عرسال في البقاع الشمالي على الحدود اللبنانية السورية لجهة الشرق. جدير ذكره أن عرسال تقطنها أغلبية سنية مؤيدة للمسلحين المعارضين الذين يقاتلون للإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد.
لبنان استطاع بعد مرور عامين على النزاع في سورية البقاء خارج إطار العنف

غارة سورية غير مسبوقة

وأطلقت الطائرات السورية أربعة صواريخ على منطقة غير مأهولة بعد أيام من تحذير دمشق من أنها قد تضرب مسلحين سوريين عبروا هذه الحدود، داعية الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ التدابير اللازمة.

وفي ظل التخوف من انتقال الصراع العسكري في سورية إلى لبنان، تبرز التساؤلات حول دور الجيش والقوات الأمنية اللبنانية لدرء هذا الخطر.

وكان رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي قد بحث مع قائد الجيش العماد جان قهوجي التدابير التي يتخذها الجيش على الحدود مع سورية لمنع تسلل المسلحين وعمليات تهريب الأسلحة"، مشيرا إلى أن "الحكومة اللبنانية تولي الوضع على الحدود اللبنانية السورية العناية القصوى".

ووصفت واشنطن هذه الغارة بأنها "انتهاك كبير للسيادة اللبنانية تتحمل سورية مسؤوليتها".

وبسبب تداعيات الأزمة السورية على الأوضاع الأمنية والاستقرار في لبنان، حذر قائد الجيش من أن لبنان يمر "بأخطر استحقاق أمني منذ ثماني سنوات"، مناشدا السياسيين ورجال الدين اللبنانيين أن يتحملوا مسؤولياتهم من أجل وضع حد لكل من يساهم بالتحريض ضد الآخر في لبنان.

صورة من معهد أسبن للندوة التي جمعت عددا من المحللين الأمنيين، ويبدو نيرغيزيان وكال

صورة من معهد أسبن للندوة التي جمعت عددا من المحللين الأمنيين، ويبدو نيرغيزيان وكال

"فتح لاند 2.0"

الحديث عن السياسة الدفاعية اللبنانية وكيفية تطبيق الجيش والقوى الأمنية لإستراتيجية تحد من تزايد حظوظ انتقال الصراع من سورية إلى لبنان، هي مثار جدل داخلي لبناني، بحسب الباحث أرام نيرغيزيان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، الذي أكد أن أزمة دمشق سرّعت النقاش في موضوع الأمن القومي في لبنان.

وقال نيرغيزيان، في مداخلة في معهد "أسبن" في العاصمة الأميركية واشنطن، إن لبنان استطاع بعد مرور عامين على بدء حركة الاحتجاجات في سورية البقاء خارج إطار العنف، رغم وجود مساحتين جغرافيتين غير ممسوكتين أمنيا في الجنوب والشمال.

وقال نيرغيزيان إن الحدود الشمالية للبنان هي بمثابة "فتح لاند 2.0"، لافتا بذلك إلى مصطلح استخدم للإشارة إلى الأراضي التي كانت تسيطر عليها حركة فتح الفلسطينية في جنوب لبنان قبل عام 1982 والتي كانت خارجة عن سيطرة الدولة اللبنانية، ودعيت "فتح لاند".

ولفت نيرغيزيان إلى أن انتشار الجيش على الأراضي اللبنانية هو دائما موضوع جدال وصراع داخلي بأبعاد إقليمية.

اللاعبون الآخرون

فالجيش اللبناني ليس القوة الوحيدة في لبنان، بل هو يتساكن مع حزب الله ذو النفوذ السياسي والعسكري الكبير على الساحة المحلية.
لم يعد حزب الله الفريق المسلح الوحيد الخارج عن سيطرة الدولة.. بل هناك لاعبين آخرين في لبنان
وبحسب نيرغيزيان، لم يعد حزب الله الفريق المسلح الوحيد الخارج عن سيطرة الدولة.. بل هناك لاعبين آخرين في شمال لبنان منطقة البقاع الشمالي المعروفة بمنطقة الهرمل "حيث يوجد صراع جلي سني شيعي للسيطرة على هذه المنطقة".

وشدد نيرغيزيان على أن منطقة البقاع الشمالي مرشحة لتكون مركزا للتوتر وعدم الاستقرار بسبب إمكانية التنافس السنية الشيعية فيها، إضافة إلى قربها من الحدود مع سورية ما يعكس تأثيرها على الصراع السوري.

مركز استراتيجي

يصعب التقليل من درجة تأثير التغييرات في المنطقة عموما وسورية خصوصا على توازن القوى والاستقرار في لبنان، بحسب ما لفت إليه الباحث كولن كال من مركز الأمن الأميركي الجديد وأستاذ الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون.

وقال كال إن دور سورية الإقليمي المحوري بالنسبة إلى حزب الله وتأثير تداعيات تغيير النظام على وضعه في لبنان كبير، مشيرا إلى أن دمشق كانت على مدى سنوات مركزا استراتيجيا موثوقا للمال والسلاح الإيراني العابر إلى الحزب.

وتوقع كال أن يشعر حزب الله مستقبلا بالضعف، وقال "نحن لا نعرف ما هو اتجاه المستقبل ولكن ما من شك في أن قياديي حزب الله يشعرون بقلق من الأحداث في سورية، لذلك تتزايد التقارير حول إرسال المقاتلين للقتال إلى جانب قوات النظام".

وتأثير الأزمة السورية على لبنان لا ينحصر بحزب الله والعامل السني، بل يتعداه إلى موضوع تدفق اللاجئين السوريين إلى هذا البلد.

وقد حذر كال من أن موضوع تدفق أكثر من "300 ألف لاجئ إلى بلد يبلغ عدد سكانه حولي أربعة ملايين نسمة"، والسكن في مدن وبلدات "هشة مقسومة طائفيا"، ما هي إلا مسألة وقت قبل أن يرخي بظلاله الوضع المحلي.

بناء الجيش

هذه الأحداث التي يعيشها لبنان تنعكس مباشرة على الوضع السياسي والأمني فيه، "في ظل عدم قدرة الجيش اللبناني على بسط سيادته على كامل البلاد، رغم المساعدات اللوجيستية التي تلقاه لاسيما من الولايات المتحدة"، بحسب كال.
إن تأثير تداعيات تغيير النظام السوري، في حال حصوله، على وضع حزب الله في لبنان كبير

ولفت كال إلى أن واحدة من التحديات الكبيرة التي واجهتها واشنطن خلال مساعدتها في بناء الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية هي أن بناء قوة الجيش كانت تسير بموازاة مضاعفة حزب الله لقوته.

ودعا كال واشنطن، التي تركز سياستها على الوضع في سورية وإيران، إلى ألا تنسى أهمية لبنان "لأن ذلك سيؤدي إلى مشاكل كبيرة".

وثمّن كال دور الجيش اللبناني الناشط على جبهة مكافحة الإرهاب، لافتا إلى أن أحد تأثيرات حرب سورية تكمن في "احتمال تشكيل مجموعات جهادية في لبنان، ليست بالضرورة تابعة لتنظيم القاعدة ولكنها تتشارك مع هذا التنظيم فكريا".

تماسك الجيش

ولكن ما المطلوب من المؤسسة العسكرية اللبنانية؟

قال كال إنه لا بد من التأكد من أن الجيش اللبناني لا يزال يقوم بدوره كقوة تهدئة على الصعيد الداخلي، خصوصا عند وقوع اشتباكات بين "السنة والشيعة" كي لا يخرج الأمر عن السيطرة، مشددا على أن الجيش اللبناني يجب أن يكون كرجل الإطفاء الذي يندفع في كل اتجاه لوأد الفتن الطائفية وتهدئة الوضع في البلاد.

بدوره، اعتبر نيرغيزيان أن الجيش اللبناني بفضل المساعدات الأميركية أصبحت لديه قوات خاصة ووحدات من النخبة ذات مستوى إقليمي، غير أنه دعا الطبقة السياسية اللبنانية إلى تحديد المصالح الوطنية بوضوح.

ولفت إلى أن انقسام النقاش حول سياسة لبنان الخارجية، دفع الجيش والقوات الأمنية اللبنانية إلى انتهاج "سياسة تقول: لا تفعل أي شيء لتفاقم الوضع، لكن حافظ على سلامة الأراضي اللبنانية".

استحقاقات إدارية

وفي وقت ليس للقوى العسكرية اللبنانية مكان على طاولة الحوار السياسي، تواجه هذه القوى تحديات من نوع آخر تتعلق بقياداتها. إذ مع بدء شهر أبريل/نيسان المقبل، يواجه السلك العسكري استحقاقا يتمثل بتقاعد عدد كبير من قادته.

وبحسب نيرغيزيان، فإن مغادرة هؤلاء القادة سيحدث تغييرا كبيرا في إستراتيجية القوات المسلحة اللبنانية، مشيرا إلى أن البعض يطرح حل التمديد لهؤلاء.

ورغم أن "التمديد لجيل من الضباط، يمكن أن يكون مفيدا في بعض النواحي"، كما قال نيرغيزيان، إلا أنه يمكن أيضا أن "يكون جزءا من المشكلة، لجهة عدم ترفيع عناصر جديدة تعطي دفعا جديدا للمؤسسة".

ولكن ما هي إلا مسألة وقت قبل أن تؤثر كل هذه الأحداث المركبة على الوضع المحلي، السياسي والعسكري، في لبنان، حسبما يرى مراقبون.
  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG