Accessibility links

مذكرات صحافية: السفير كريستوفر ستيفنز كما عرفته


السفير الأميركي الراحل كريستوفر ستيفنز

السفير الأميركي الراحل كريستوفر ستيفنز

مانا ربيع
ترجمة: مروان صادق

أدت احتجاجات غاضبة في مدينة بنغازي الليبية إلى مقتل السفير الأميركي في طرابلس جون كريستوفر ستيفنز وثلاثة من موظفي القنصلية. الحادث سلط الضوء على حياة السفير كشخص له عائلة وأصدقاء، بعيدا عن السياسة. مانا ربيع، صحافية تعمل في قسم اللغة الفارسية في إذاعة صوت أميركا تتناول تجربتها وعلاقتها الشخصية مع السفير ستيفنز في هذا المقال.

كان مساء يوم جمعة ما في مايو/أيار الماضي، آخر مرة التقيت فيها بالسفير الأميركي لدى ليبيا جون كريستوفر ستيفنز الذي كان يهم بشد الرحال لتسلم منصبه الجديد في طرابلس.

دخل شقتي الصغيرة في العاصمة واشنطن مرتديا سروالا من الجينز وحذاء رياضيا وقميصا بسيطا، وقد حمل بين يديه كيس فستق وزجاجة شامبانيا. حياني وهو يعتذر عن مظهره، قائلا إنه أكمل للتو دورة تدريبية إلزامية للدفاع عن النفس في الحالات الطارئة، وذلك ضمن استعدادات تسلمه منصبه الجديد في طرابلس.

أربكتني حقيقة أنها قد تكون المرة الأخيرة التي أرى فيها صديقي لفترة طويلة، لدرجة أنني لم استوعب ملاحظته تلك بشكل كامل، ودخلنا غرفة الجلوس ونحن نتحدث عن قطع الأثاث الجديدة في منزلي.

لم نتطرق إلى موضوع سفره مجددا إلا بعد أن جلسنا وفتح كريس، مسترخيا على الأريكة، كيس الفستق، ثم قال إنه تدرب وبعض زملائه الذين سيرافقونه إلى ليبيا على سبل التعامل مع الأوضاع في حال تعرض موكبهم إلى هجوم أو عملية اختطاف أو أي عمل معاد.

وأضاف أنه تعلم أيضا كيفية قيادة السيارة إلى الخلف بسرعة كبيرة وطرق السيطرة عليها من مقعد المسافر الأمامي إذا ما فقد السائق السيطرة، فضلا عن كيفية استخدام المسدسات.

سألته بكل سذاجة، "بالتأكيد هم لا يتوقعون من سفير أن يكون في موقف كهذا؟"، رد كريس بالقول إنه لا يمكن إزالة التهديدات في هذا الصدد بالكامل، لكن بالإمكان تقليصها.

وأشار إلى أن "10 في المئة فقط ممن يتعرضون لمواقف كهذه يخرجون منها أحياء"، وأن الهدف من الدورة أن تكون أنت من ضمن تلك النسبة المئوية.

ذلك الحوار يطاردني الآن، لكن في حينها، كان كريس في مزاج جيد ويتحدث عن عوامل الخطورة تلك فيما ارتسمت ابتسامة على وجهه وصوت المغنية الجزائرية سعاد ماسي، التي كان يحب صوتها، يطرب أسماعنا.

شعرت في الحديث معه أن المهارات الجديدة التي تعلمها في الدورة أعادته إلى صباه وأثارت ولعا بشأن قيادة السيارات في ذلك اليوم، أو ربما لم يكن يرغب بإثارة القلق حول مهمته القادمة. لكن، بالتأكيد، أثار الموضوع قلقي في حينها، لكن كريس أكد لي أنه سيتنقل بصحبة حراس شخصيين. ولم نتطرق إلى الموضوع بعدها.

واصلنا جلستنا، وانتقلنا من الحديث عن طبيعة عمله لنتحدث عن عملي (فأنا صحافية) وعن بعض الأصدقاء. بعد مرور ساعتين، قال كريس إن لديه مباراة تنس مع السفير الليبي في واشنطن في الصباح الباكر، فودعته أمام باب شقتي وقلت له مع السلامة وإلى اللقاء، لكن كانت تلك بالطبع، المرة الأخيرة التي أراه فيها.

تعرفت على كريس ستيفنز في صيف عام 2010، عندما خرجنا معا في موعد غرامي (دون أن يعرف أحدهما الآخر). كان الرابط الأولي بيننا هو إيران، فقد عمل كريس في قسم الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية، وأنا ولدت في طهران.

لم نخرج بعدها في مواعيد غرامية لأن عمل كريس في مجال الخدمة الخارجية يعني أنه سيكون دائم السفر، وهو ما دفعني إلى الابتعاد عن فكرة الارتباط به. فطفولتي التي اتسمت بالتنقل من مدينة إلى أخرى، جعلتني أرغب بالاستقرار في مكان واحد. رغم ذلك، فقد طورنا علاقتنا لتكون علاقة ودية، تحولت في وقت لاحق إلى علاقة صداقة دافئة.

لم نكن نتطرق إلى العمل عندما كنا نلتقي، فأحاديثنا كانت دوما تتناول قصصا من أسفارنا وعائلاتنا.

واحدة من الصفات التي أعجبتني في كريس، هي علاقته القوية بأفراد أسرته. فقد قال لي في إحدى المرات إن أسرته تجمع عدة طاولات لتشكل صفا واحدا يتسع لثلاثين شخصا لتناول البط في المناسبات. وهو، رغم طلاق والديه وزواجهما من شخصين آخرين، لم أسمعه مطلقا ينطق بكلمة زوج أمي، بل كان دائما يشير إليه بصفة أبي.

في الحقيقة، هذا الأمر خلق لدي نوعا من الالتباس، لأن كريس لم يوضح من هم أقرباؤه من حيث صلة الدم أو أولئك الذين أصبحوا أقرباء عن طريق الزواج، وبدوا وكأنهم وحدة متناغمة. أطرح هذا الموضوع لأني اعترفت له في إحدى المرات أن عائلته المتآلفة والمسالمة تتناقض تماما مع عائلتي التي تعاني في بعض الأحيان علاقات متقلبة.

بدا لي، أن كريس ترعرع في بيئة مسالمة. بيئة حافظ عليها حتى بعد نضوجه واستغلها في عمله، حيث أصبح، كما نعرف الآن، "صانعا للسلام".

قبل أن يتم تعيينه على رأس البعثة الأميركية لدى المعارضة الليبية، قال لي كريس إنه تم ترشيحه لتولي منصب دبلوماسي جديد سيكون الأرفع في حياته المهنية. وعندما سألته بعد مرور نحو شهر، قال لي إنه لم يحصل على المنصب، لكنه على ما يرام رغم ذلك.

وأضاف خلال حفل لموسيقى الجاز "أنا مرتاح في مكاني الحالي"، وراض عن البقاء في واشنطن في هذه المرحلة.

كان واثقا من أن مسار حياته سيقوده إلى موقع أفضل، موقع تمثل بترؤسه البعثة الأميركية ومن ثم سفيرا للولايات المتحدة في طرابلس.

بعد مرور ستة أسابيع على توليه المنصب، بعث كريس برسالة طويلة إلى أفراد أسرته وأصدقائه من ليبيا، عرض فيها انطباعاته حول المشهد السياسي هناك، وبعض التفاصيل الطريفة حول الأوضاع الحياتية للعاملين معه.

لفتت انتباهي جملة أعجبتني جدا: "رغم تلك التحديات، فإن باستطاعتي الركض يوميا في حينا الريفي تقريبا والمحاط بمزارع الماعز وبساتين الزيتون والعنب."

صديقي كريس ستيفز، مات يعمل ما يحب، من أجل أناس كانوا قريبين من نبضه، في مكان يشبه، بالنسبة لي على الأقل، الجنة نفسها.

تغمده الله بواسع رحمته
XS
SM
MD
LG