Accessibility links

استعدت ذاكرة الراحل الروائي الجزائري الكبير الطاهر وطار وأنا أضع عنوانا لمقالي هذامن خلال واحدة من روائع هذا الراحل والتي سماها "العشق والموت في الزمن الحراشي" .

استعدت ذلك وأنا أفكر في قصة زميلي المصور البريطاني الذي رافقني كثيرا في تغطيات أفغانستان ولأكثر من محطة واحدة "ستيفن بي ".

ستيفن والملقب اختصار بستيف، واحد من الناس الذين يشعرونك بروعة الحياة في أجمل تجلياتها. أولئك الناس الذين يدفعون بكل الذين يملكون ولا يملكون في سبيل ما يؤمنون به، وهي للأمانة قوة روحية هائلة يتمتع بها أصحابها وتجعلهم يصنعون اختلافهم في الحياة حيثما عبروا وهم يترحلون.

وصلنا كابل في ذلك الشتاء البارد كالعادة دوما في هذه المدينة كمجوعة من الصحافيين الأجانب الحاضرين لتغطية واحدة من حروب هذه البلاد التي لا تعرف الطريق إلى السلام إلا فيما ندر من تاريخها الطويل.

انخرطنا في أعمالنا وفي ركضنا المتواصل في كل اتجاه، وكل يطارد قصته الصحافية في أطراف أفغانستان وكان علينا جميعا أن نبحث عن مأوى يجمعنا في مكان يتوسط العاصمة ويحقق لنا الحد الأدنى من شروط الأمان كما نتصوره ولو أنه لا أمان لأحد في زمن الحروب.

في تلك الفيلا التي اخترناها جماعة للإقامة والحياةفيها طيلة فترة تغطيتنا للحرب في بلاد الأفغان والتي تعود لعائلة أفغانية على جانب واضح من الثراء والراحة البادية للعيان.

هذه العائلة ، وتحت ضغط ظروف الحرب، قررت تحويل الجزء الغربي من بنايتها المحاطة بجدار اسمنتي واسع وحديقة مترامية الأطراف إلى ما يسمى في كابل ببيوت الضيافة وهو نوع من البيوت تتحول إلى فنادق تقدم كافة الخدمات المطلوبة للأجانب القادمين إلى المدينة في ظل الغياب الكامل للفنادق في كابل. إن وجد بعضها فهو يتعافى لتوه من آثار الخراب الذي أصاب كل أطراف المدينة.

واحدة من علامات الاختلاف في حياة هذه العائلة أن القائم بإدارة شؤون المقيمين هي واحدة من بنات العائلة التي تتحدث الانجليزية بيسر محسوس، إضافة إلى أن جمالها لم يكن لتخطئه العين لأي من المقيمين في بيتنا الأفغاني المؤقت الجديد.

جميعنا احتفظ في نفسه بهذه الملاحظة عن الاختلاف الذي يحدث داخل أسوار هذه الفيلا الفاخرة والتي يحيط بها رجال مسلحون على مدار الساعة، لكن ستيف كان يطيب له في نهاية كل عشية أن يقضي وقتا أطول متحدثا إلى فاتنة كابل كما أتفقنا على تسميتها في شؤون عدة تبدأ من لندن ولا تنتهي عند شؤون ويوميات الحياة في قندهار وبقية أطراف أفغانستان الواسعة.

بات الأمر لافتا لكل المقيمين وبات واضحا أن ستيف يستعجل العودة إلى الفيلا بعد نهاية أعمال تصويره في أطراف المدينة وأن تلك الأفغانية وجدت في زرقة عيون ستيف ما يحقق لها رغبتها في اكتشاف عوالم يتحدث عنها هذا الرجل القادم من مدينة يلفها الضباب في أغلب فترات العام كما يفعل البرد هنا في كابل .

امتدت أيام اقامتنا في كابل وأخد منا التعب كثيرا. أنهكنا ذلك الشوق إلى أطفالنا البعيدين في العواصم المتفرقة لكن ستيف طاب له مقامه ولمعت في ذهنه فكرة كانت تبدو للوهلة الأولى أنها مجنونة فعلا بحسابات الممكن وغير الممكن والمنطق في خيارات الحياة.

على طاولة عشائنا التي لا يتنازل فيها ستيف وجايك الصديقان المقربان من لندن عن ضوء شمعة وقليل من الموسيقى بعد ماراثون الركض اليومي في جبال أفغانستان، قال العاشق البريطاني إنه يفكر جديا في الارتباط بهذه الجميلة الأفغانية وإنه فاتحها على عجل في الموضوع لكن المفاجأة عقدت لسانها وكانت ترى في الأمر أكثر من مستحيل واحد: لن تستطيع مغادرة عائلتها في أفغانستان، والاختلاف الديني وعوامل أخرى تطبع هذا الحب بأكثر من حالة تعقيد واحدة.

أعلن ستيف الحب في زمن هو للحرب والموت في أفغانستان، وفسر هذه الحالة التي تعتريه بكونه وجد أخيرا القصة التي تحدث الإثارة في حياته وتحرك قلبه وهو الذي اختار لفترة طويلة من الزمن أن يتفرغ لتربية طفلته الوحيدة بعد فشل تجربة زواجه الأولى. وتفرغ بعدها لأسفاره العديدة في أطراف العالم كمصور لقناة البي بي سي في أجزاء مختلفة من العالم.

نظر صديقنا المشترك جايك، الذي يعيش هو أيضا وضعا عائليا معقدا بسبب مرض ولده الوحيد وحاجته الدائمة لرعاية طبية على مدار السنة، في عيني صديقه متأملا ومتسائلا إن كان بإمكان صديقه تنفيذ الذي يدور في تفكيره حاليا. لم يتردد في أن يواجهه بأسئلة كثيرة عن العقبات الكثيرة التي سوف تحول دون تحقيق رغبته في الارتباط بهذه الأفغانية التي لا يختلف أحد هنا في الفيلا على جدارتها بالتقدير لطيبتها وكياسة آداب الضيافة عندها.

إنها تفعل كل ذلك ليس بسبب مسؤوليتها على خدمة الزبائن، إنها تفعل ذلك على أنه جزء من فطرتها وجزء من ثقافة الأفغان في إكرام ضيوفهم كما تفضل هي أن تقول عن نفسها.

بنهاية فترة تغطياتنا واستعدادنا للعودة إلى ديارنا، كان ستيف قد تخلص من كل مخاوفه وأعلن رغبته في الارتباط رسميا بفتاة أحلامه الأفغانية، فيما سعت هي من جانبها في ترتيب موعد مع والدها في الجهة الشرقية هذه المرة من فيلا العائلة.

بدا الأمر وكأنه حسم بالكامل في تفكير شريكي العلاقة، وبات حديث ستيف على طاولة العشاء أن مستقبله وحياته القادمة ستكون هنا في كابل وليس هناك في لندن.

انتهى كل شيء في تفكير الرجل بل إنه لا يتردد في إسماع صديقه وشريكه جايك في كل مناسبة أن هذه الرحلة ستكون الرحلة الأخيرة له مع محطته التلفزيونية، وأنه سيعود إلى لندن لترتيب خروجه من المحطة وإخبار صبيته بقراره ومباشرة إجراءات نقل أمواله من لندن وبدء حياة جديدة في العاصمة الأفغانية بدلا من العاصمة البريطانية.

تعطل كل الكلام أمام إرادة ستيف المعلنة. كان علينا أن نبارك له هذه الخطة فيما بدا واضحا أن قدر الرجل ارتسم في منحى مختلف تماما عن كل الذي يمكن أن نتصوره في تفكيرنا نحن الشركاء في رحلة المهنة والبحث عن الأخبار في أطراف العالم.

تركت كابل وكان هذا كل الذي أدركته من قصة العشق في الزمن الأفغاني، لأعود إليها في مناسبة أخرى ومرة اخرى وكالعادة كان صديقي جايك في انتظاري في مطار العاصمة الأفغانية وأساله أين ستكون إقامتنا هذه المرة؟

ابتسم جايك في هدوء وقال:

يا عزيزي هذه المرة ستقيم عند صديقنا ستيف.

بالله عليك ما ذا فعل هذا المجنون؟

كانت الإجابة معقودة بملامح الدهشة في عيوني وجايك يقول لي:

ذهب ستيف إلى لندن وقدم استقالته لمحطة البي بي سي، وسحب مدخراته المالية وعاد إلى كابل وتزوج المرأة الأفغانية واشترى الفيلا التي كان يقيم فيها زعيم تنظيم القاعدة وحول جناحها الغربي إلى فندق يستقبل فيها زملاء ه وأصدقاءه من المراسلين الغربيين الذين يصلون أفغانستان.

إنه يعيش بصفة دائمة هنا في كابل ولا يفكر على الإطلاق في العودة للحياة في لندن، وأن كل الذي يلزمه هناك، إضافة الى ذاكرته الشخصية، هو تلك الزيارات المتقطعة التي يقوم بها بين الحين والآخر للاطمئنان على طفلته.

وصلنا إلى بيت الضيافة الذي بات الآن ملكية لصديقنا ستيف، لتستقبلنا المضيفة الأفغانية بلباسها التقليدي الذي يلازمها دائما وبشعرها المكشوف على خلاف أغلب الأفغانيات هذه المرة بصفة المديرة للبيت الجديدة والزوجة للزميل والصديق ستيف. اختلفت هذا المساء كلمات الترحيب عندها وهي تقول لنا مرحبا بكم في بيتنا أنا وزوجي ستيف.

نظرت في عيون جايك الرجل الذي لا ينقصه الذكاء لأقول في نفسي وأنا أرد على التحية بأحسن منها كما تقول أعرافنا.

وحده الحب يقدر على صناعة معجزات كهذه في الحياة حتى لو كان الزمن من حوله هو للحرب والموت في أفغانستان.

وبالعودة إلى رواية الراحل الكبير الطاهر وطار سيكون من الأفضل القول إنه العشق والموت في الزمن الأفغاني.

يقول لي ستيف مازحا: أمران يجعلان الحياة دوما جميلة الأكل الطيب وهل هناك أطيب من أكل الأفغان والمرأة الجميلة وأنت ترى بعينيك كم جميلة زوجتي الأفغانية.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG