Accessibility links

logo-print

كيف تشكر أميركا الله؟


وجبات مجانية يوفرها متطوعون في عيد الشكر في العاصمة واشنطن

وجبات مجانية يوفرها متطوعون في عيد الشكر في العاصمة واشنطن

في ذلك الصباح في واشنطن كانت درجة الحرارة تقارب الواحدة فوق الصفر.. وهو أمر معتاد في نهاية كل فصل خريف، حتى لو كان موسم الشتاء الطويل والبارد جدا لم يعلن قدومه الرسمي الكامل إلى ملامح المدينة.

في ذلك الصباح، احتشد آلاف من الأميركيين في "مربع الحربة" بقلب المدينة للمشاركة في ماراثون سنوي ينظمه متطوعون لجمع تبرعات لصالح المشردين الذين دفعت بهم ظروف الحياة على اختلاف أسبابها إلى البقاء بعيدا عن عائلاتهم والانفراد بأنفسهم في مواجهة أقدارهم وحيدين في شوارع العاصمة الفيدرالية وغيرها من المدن الأميركية.

مبادرة الماراثون هذه ينظمها متطوعون في مناسبة عيد الشكر الذي يصادف آخر خميس من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام. وتقوم فكرته على استقطاب أكبر عدد من المشاركين على أن يلتزم كل مشارك بدفع مبلغ مالي هو إسهامه في هذه الحملة الخيرية. لذلك تحرص العائلات على المشاركة بكامل أفرادها وحتى كلابها في الماراثون، لأنه كلما زاد عدد المشاركين كلما سمح لهم بدفع مبالغ أكبر للتبرع في هذا اليوم الذي يرى فيه سكان واشنطن واحدا من أجمل أيام السنة على مدارها.

عند الساعة التاسعة في ذلك الصباح أعلن المنظمون أن المبلغ الإجمالي الذي استطاعوا تحصيله حتى تلك اللحظة فاق النصف مليون دولار وهو مبلغ كاف لسداد مصاريف العيد لكل الذين يحتاجون إلى مساعدة في المدينة وإدخال السعادة إلى قلوبهم وملئها فرحا وبهجة.

أطلقت صفارة البداية للسباق وانخرط الجميع في رحلة تمتد من ساحة الحرية عبورا بشارع " بنسلفانيا" هذا الذي يتوسط البيت الأبيض ومبنى الكونغرس، وهو الشارع الذي يسير فيه عادة كل رئيس جديد في مناسبة أداء قسم التنصيب ليحيي الجماهير التي تقف على جانبيه، وهو يترجل ماشيا على قدميه.

ذلك هو المعبر ذاته الذي يقطعه المشاركون في ماراثون عيد الشكر السنوي بالعاصمة واشنطن في هذا الصباح وفي كل صباح كهذا من كل عام.

أندس وسط المتسابقين وأكرر سؤالي لهم حتى وهم منشغلون بتحية "توم فيرغسون" الرجل الذي أرتدى زي الديك الرومي ووقف على طرف طريق السباق.

أستوقف أنفاسهم اللاهثة للحظات وأكرر سؤالي لكل وجه: لماذا أنتم هنا اليوم؟

الكلمات ذاتها تتكرر على ألسنتهم... هذا شكل من أشكال التعبير لشكرنا لله فيما أعطانا أياه من نعم كثيرة في الحياة، ولذلك نحن هنا لإظهار تعاطفنا الكبير مع كل من يعانون من أية ضوائق في الحياة،ونريد أن نقول من خلال هذه المشاركة إننا نشاركهم المشاعر ونقدم لهم ما استطاعت أيدينا أن تطوله من أشكال المساعدة في هذا اليوم المبارك.

هذه هي العبارات التي كررها توم، وقالتها "ليز مايك" الأم لثلاثة أطفال والآتية من ولاية ميريلاند المجاورة، والتي قطعت في سبيل حضورها في هذا التوقيت الصباحي مسافة الساعتين سياقة بأطفالها، وإلى جانبها مشاركات أخريات وآخرون جاءوا من ولايات بعيدة، خاصة منهم الطلبة الجامعيون الحريصون على المشاركة السنوية في هذا السباق.

متطوعون من نوع آخر انتشروا على جادة الطريق وعبر مسافة السباق لتقديم السوائل اللازمة لمساعدة المتسابقين على تحمل أعباء المسافة الطويلة والمرهقة في أرجاء المدينة.

في ذلك اليوم البارد لم يكن هذا هو المشهد الوحيد الدافئ في ربوع واشنطن.. في الجهة الشرقية منها كان هناك وجه لآخر لمتطوعين كانوا يومها يرسمون لوحة إنسانية هي الأخرى واحدة من آيات إبداع الإنسان في ملاحم عطائه وتجليات بهائه.

ألف من المتطوعين انخرطوا ومنذ ثلاثة أيام كاملة سابقة لعيد الشكر في إعداد 15 ألف وجبة لكل الذين تقطعت بهم الدروب وتعذر عليه أن يكونوا بين عائلاتهم في هذا اليوم المبارك.

طلب مني كبير الطباخين "جافر توم" الذي يأتي متطوعا إلى هذا المكان منذ 20 سنة كاملة الحضور عند الساعة السابعة صباحا إلى مطبخه الواسع لتصوير الجزء الأول من كيفيات إعداد وجبة الديك الرومي وملحقاتها الكاملة والتي هي في العادة سيدة المائدة الأميركية في هذه المناسبة.

عند الموعد كان "جافر" يفتح الباب في وجهي وابتسامة عريضة تملأ محياه وعبارات الترحيب لا تفوته وهو يقودني إلى داخل مطبخه مرفوقا بوجوه تتنوع وتتوزع بين كافة مكونات المجتمع الأميركي بين بيض وسود وأصول أخرى آتية من كافة جهات العالم.

أخذ يجهز ديوكه الكثيرة بوضع البهارت اللازمة للمناسبة ويضعها في الفرن والآخرون من حوله يساعدونه في تحضير ملحقات الوجبة..

كان لافتا لي أن التقي بعائلات كاملة تبدأ من الجدة وتنتهي بالحفيد وهي تختار أن تشارك في التطوع على أن تتقاسم هذه المناسبة بكل مشاعرها المزدحمة في بيوتها.

في الصالة المجاورة للمطبخ مشهد آخر من الجمال يرسم في تلك اللوحة الإنسانية نساء متطوعات يعملن على تزيين القاعة بالديكورات المعروفة عن المناسبة، وفريق آخر يضع ترتيبات استقبال القادمين وإشعار جميع الحاضرين إلى هنا بأنهم سيقضون وقتا رائعا مكتنزا بالمشاعر العميقة والتأكيد لهم أن بقية المدينة هي هنا اليوم لتشاركهم الإحساس بالانتماء إلى الحقيقة الإنسانية الواحدة والجامعة لكافة الناس حتى وإن اختلفت ألوانهم وأصولهم وقصصهم في الحياة.

تقول لي هذه الحسناء التي تتوسط المائدة كواحدة من مضيفات الاستقبال، طبيبة الإنسان "ميشالي كولن"، إنها جعلت من يومها للتطوع بالكامل في مقر جمعة البعثة المركزية الأميركية وتقديم كثير من الطاقة الإيجابية لكل الذين سيحضرون إلى هنا، وتجد في ذلك أجمل أشكال التعبير منها عن الامتنان للخالق وللتواصل مع خلقه في ساعات الصفاء هذه.

"ميشالي" لم تكن وحدها في هذا المسعى النبيل بل كانت برفقة والدتها الطبيبة المتقاعدة التي تقول إنها توزع الآن أغلب أوقاتها بين مساعدة أحفادها والتطوع في أماكن عديدة تحقيقا لرغبتها الدائمة في مساعدة الآخرين.

جلس ضيوف المائدة إلى طاولات الأكل، وشرع المتطوعون في خدمتهم ودارت أطباق وجبة عيد الشكر في كل المكان مرفقة بقطع الحلوى وكلمات الثناء المتبادلة بين الجميع في جو كان الشكر فيه هو القيمة التي حرص جميع الحضور على إظهارها في هذه المناسبة.

قسم المتطوعون طعامهم علىفترتي الغداء والعشاء فيما بادر آخرون بنقل الوجبات الجاهزة في سياراتهم الخاصة لتوزيعها على كثيرين في أجزاء متفرقة من المدينة الذين تعذر عليهم الحضور إلى مقر الجمعية لأسباب عدة.

لم يكن ذلك اليوم لينتهي حتى كانت الابتسامة قد علت كثيرا من الوجوه التي كانت تخبئ أحزانها الدفينة في أعماقها ولا تريد البوح بها كما استطاع كثيرون من الحضور إلى الطاولة اعتناق إيمان جديد بأنفسهم وبقدرتهم على بدء مرحلة جديدة في الحياة من خلال لحظة حانية جمعتهم بآخرين جددوا إيمانهم بالقدرة على التغيير والتوجه إلى بداية رحلة مختلفة في مسار الحياة.

في لحظة كنت أودع فيها بيتر وجورج وليندا وزاها.. هذه الطالبة الجامعية الإندونيسية التي تأتي من جزيرة "جاوا" إلى "واشنطن" لدراسة الطب في جامعة "جورج تاون" تستوقفني لتقول لي: ما أجمل واشنطن في هذا اليوم.. هي مدينة جميلة في كل يوم من أيام السنة لكنها في هذا اليوم تحديدا تبدو مدينة أجمل من كل أيامها الأخرى.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG