Accessibility links

logo-print

رمضان في أميركا.. إطلالة من الشرفة الأخرى


رئيسة منظمة "كتف لكتف" كاثرين أرسبورن متحدثة لمراسل الحرة في واشنطن

رئيسة منظمة "كتف لكتف" كاثرين أرسبورن متحدثة لمراسل الحرة في واشنطن

هنا لا توجد كسرة أمي و لا رائحة بنها منتشرة في أرجاء البيت ولا حتى ذلك السيل الهادر من صلوات وأذكار أبي التي كانت لا تنقطع خلال الشهر الفضيل.

هذه ذاكرة تماما كما تقيم في قلبي هي أيضا مقيمة في قلوب ملايين المسلمين في الولايات المتحدة خلال شهر الصيام، وهذا الافتقاد لتلك الديار البعيدة لا يغادر ذاكرة ولا قلبا بكل تأكيد لكن هناك تعويض آخر ومن نوع آخر هنا في هذه الديار.

عندما ينشغل العالم بأخبار التفرقة بين سكانه على أسس الطائفة والعرق واللون والانتماء الطبقي في أسوأ أنواع التمييز بين الناس، يأتي رمضان ليعيد بناء الصورة ويشكل مشهدا خاصا به في أميركا كشهر مقدس في حياة الأميركيين المسلمين ويشاركهم الآخرون من الأعراق والأديان الأخرى اللقاء والتلاقي عند معاني الشهر الكريمة وخصوصيته الروحية، والأكثر من ذلك اللقاء على معاني إنسانية سامية يتقاسمها الكثير من الناس ويحاولون جاهدين البناء عليها في بناء أواصر محبة وتواصل وتعارف بين الناس جميعا.

قبل سنوات قليلة كتب لي شرف التعرف إلى الناشطة الاجتماعية والحقوقية كاثرين أرسبورن التي ترأس منظمة "كتف لكتف" بواشنطن. كان ذلك اللقاء الأول عندما كنت بصدد إجراء مقابلات صحفية عن قرار منظمة مسلمي أميركا الشمالية باعتماد الحساب الفلكي لبداية الصيام بدلا من الاعتماد على رؤية الهلال في الأقطار الإسلامية لإعلان بدء شهر الصيام للمسلمين في أميركا.

في تلك المناسبة، أثار انتباهي وجود كاثرين في المقر نفسه مقاسمة مع موظفي المنظمة الإسلامية، ولا يفصل بين الشريكين سوى جدار من حطب وذي سمك ضعيف.

وعندما بادرتها بالسؤال ماذا تفعلين هنا وما هو دورك؟ ابتسمت في خجل كما هي العادة عندها دوما، وقالت إنها هنا لتحقيق التوازن في هذا العالم كما تتمناه طبعا وفي تفاصيل كلامها إضافة أخرى تقول من خلالها أن العادة جرت أن تطالب المجتمعات الغربية من باريس إلى واشنطن المجتمعات الإسلامية بالدفاع عن حقوق الأقليات عندها.

ولذلك، قررت أنا وشركائي من خلال هذه المنظمة أن نكون صوتا معينا للتقارب بين المسلمين الأميركيين وكافة شركائهم في المواطنة وحرية الاعتقاد في المجتمع الأميركي.

منذ ذلك العهد، تسجل كاثرين حضورها الدائم في كل مناسبات التقارب الروحي بين أتباع الديانات المختلفة في العاصمة واشنطن، وتسجل حضورا مزدوجا واحدا باسمها الشخصي كمواطنة أميركية تؤمن بقيمة التعايش وتدعو إليه، وآخر بصفتها رئيسة لهذه المنظمة التي اختارت لنفسها أهدافا هي في غاية السمو والنبل لتحقيقها ليس فقط في واشنطن، ولكن في المدن الأميركية كافة، بل وفي بقية العالم.

إلا أن رمضان هذا العام كان مناسبة اختارتها كاثرين والشركاء في منظمتها الحقوقية لإطلاق فكرة جديدة على المشهد في العاصمة واشنطن.

تقول هذه الناشطة إن العادة جرت في كل عام من شهر الصيام أن يدعو المسلمون في منطقة واشنطن الكبرى أقرانهم المسيحيين واليهود إلى موائد إفطارهم وتلك بكل تأكيد عادة حميدة تلقى كل الترحاب والمحبة والتقدير من طرف الجميع هنا في العاصمة الأميركية، لكنها في مطلع العام الحالي قررت إطلاق فكرتها الجديدة وذلك من خلال الطلب من كنائس واشنطن دعوة المسلمين للإفطار على موائدها في شهر الصيام.

الفكرة وجدها كثيرون في غاية الجمال والجميع يرحبون بها حيث لم ينتظر المتحمسون لتنفيذها كثيرا لتحقيقها في أكبر كنائس واشنطن في اليوم الثاني من شهر الصيام.

كان المساء ناعما خارج مبنى الكنيسة والشوارع استعادت شيئا من هدوئها بعد يوم مزدحم بحركة السيارات وبالضجيج المتعالي كما هي العادة دوما، عندما بدأ مسلمون يتوافدون إلى مبنى الكنيسة استعدادا لموعدي صلاة المغرب والإفطار.

المشهد متسام في روحانيته وهذا التلاقي يحدث في المكان وما يحققه من معان، ولأن الهدف كان هو مد جسور تعارف ومحبة بين الحضور إلى هذا العشاء الذي سيقيم في ذاكرة الحضور اليه ولبقية العمر، عمد المنظمون إلى فتح نقاش بين شباب أميركيين مسلمين والحضور من خلال جلسة حوار في القاعة الرئيسية للكنيسة ويديرها رئيس مجلس حوار الأديان عن الطائفة اليهودية "جيري سيرونا".

اكتمل المشهد.. فالمستضيف صاحب المائدة منظمات مسيحية ناشطة في مجال حوار الأديان والضيوف على المائدة هم المسلمون، ومنظمو الجلسة الحوارية هم يهود رموز للجالية في العاصمة الأميركية.

"لا يمكن للمشهد أن يكون أجمل من هذا"، تقول منى طالبة بجامعة جورج واشنطن والآتية من الهند لقضاء سنوات دراستها هنا بواشنطن.

استعرض خمسة شباب مسلمين تجاربهم عن الصيام في أميركا، خاصة في تلك المراحل الباكرة من حياتهم وفي مراحل الدراسة الثانوية من أعمارهم، وكيف كان هذا السلوك يلقى الكثير من الاستفسار والترحيب بين زملائهم وجيرانهم.

عندما كان الحديث يدور فوق المنصة، كانت القاعة المجاورة تحقق معنى متسام هو الآخر في الجمال ومجموعة من المتطوعين من كل الطوائف يسابقون الزمن لتحضير مائدة الإفطار الجماعي في جو من التناغم والمحبة والتسامح وكل يسعى لتقديمه أفضل أشكال المساعدة التي يتصور أنه يستطيع تقديمها للآخرين.

في قاعة أخرى مجاورة، كان الصائمون يتوضؤون استعدادا لإقامة صلاة المغرب قبل أن يرفع الآذان ويصمت الجميع في أرجاء الكنيسة وينخرط الصائمون في صلاتهم.

وقف الجميع في طابور الانتظار لأخد وجبة العشاء، فيما قالت المستضيفة كاثرين في هدوء راجية من الحضور فسح المجال أولا للصائمين.

لم يكن هذا هو المشهد الوحيد الذي زين هذا المساء الروحاني في الكنيسة بل سعى المنظمون إلى إضافة لمسة أخرى من الجمال إليه، وهي اللمسة التي ستزيد المساء بعدا في جماله وعمقا في معناه.

شيء من الموسيقى ربما كان مهما لإشاعة مزيد من الروح في مساء أراده أصحابه لتغذية الأرواح من خلال ذلك العرض الموسيقي الذي تشارك فيه وقدمه الثنائي الموسيقي علاء شحام ومايكل أوسش.

الأول فلسطيني من مواليد رام الله وفنان موسيقي انتقل للدراسة والحياة هناك في أميركا، أما الآخر فهو يهودي من مواليد نيويورك والتقى الاثنان على مشروع فني يبحثان من خلاله على كل ما هو مشترك بين خلفيتهما الاجتماعية والثقافية وقدما عروضهما في أغلب الولايات الأميركية ومدن عدة في جهات مختلفة من العالم، كما تبادلا الزيارات العائلية وهاهما يصنعان المعنى الجميل على مائدة إفطار المسيحيين التي دعي إليها المسلمون في منطقة واشنطن الكبرى.

"كانت ليلة من سلام ومعناه الجميل بتلاوة وأذكار ومائدة طعام وموسيقى نغني للمحبة والسلام".. قالت أميركية من أصل أندونيسي بلباسها التقليدي وهي تجمع صغارها وتغادر مبنى الكنيسة بصحبة زوجها في ساعة متأخرة من ليلة واشنطن تلك.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG