Accessibility links

logo-print

هكذا احتفل عرب أميركيون بيوم الخدمة العامة


عرب أميركيون شباب يزرعون في يوم الخدمة العامة

عرب أميركيون شباب يزرعون في يوم الخدمة العامة

في كبد السماء في ذلك الصباح ارتسمت الشمس متصدرة وأمدت المكان بحرارة أضافت لمستها الدافئة جمالا لقلوب الحاضرين إلى المزرعة الحكومية الوحيدة من نوعها في الضاحية الشرقية من واشنطن.

هم عشرات من أبناء العرب الأميركيين ومن أجيال مختلفة قرروا الخروج في هذا اليوم التطوعي الخيري الذي يصادف السادس عشر من شهر أيار/مايو من ربيع كل عام والمخصص للجالية العربية الأميركية للخدمة العامة، في إشارة إلى اندماج عرب أميركا في الحياة العامة للمجتمع الأميركي وانخراطهم في أنواع عدة من أعمال الخير ليس فقط في العاصمة الفدرالية واشنطن ولكن عبر أنحاء الولايات الأميركية الخمسين.

شادي وكارولين ووسيم ثلاثة من الجيل الثاني من عائلات عربية هاجرت إلى أميركا قبل عشرات السنين، واستقرت في واشنطن وما جاورها من ولايات الساحل الشرقي.

الشبان الثلاث تعلموا في مدارس حكومية وتخرجوا من جامعات أميركية في جهات مختلفة من البلاد، وهم الآن ينعمون بثمرات كفاحهم العلمي ونجاحهم الوظيفي في مؤسسات رائدة في واشنطن.

ثلاثتهم يرغب اليوم في أن يرد بعضا من ذلك الجميل الذي بفضله بعد أن حققوا طموحاتهم العالية في المؤسسات التي يعملون لها وفي الحياة الأفضل لهم ولعائلاتهم.

كانت هذه هي الإجابات التي تكررت على لسان الشباب الثلاث وأنا أسألهم عن الدافع الذي حركهم وشجعهم على الخروج في ساعة مبكرة في يوم عطلتهم الأسبوعية والحضور إلى هذه المزرعة مع عشرات آخرين من أبناء الجالية لتنظيم والمساهمة في هذا العمل الخيري التطوعي.

ذلك العمل الذي أقامه عرب أميركا في واشنطن يتمثل في زراعة عدة أنواع من الخضروات في هذه المزرعة وسقيها، قبل أن تترك لفترة من الزمن على أن تنضج وتجهز ليتم توزيعها لاحقا على العائلات المحتاجة لمساعدات غذائية وأخرى تعجز عن توفير خضروات طازجة لأطفالها.

للعام الحادي عشر على التوالي ينخرط آلاف العرب الأميركيين في أعمال خيرية في هذا اليوم المخصص لهم للخدمة العامة في أعمال تطوعية شتى.

ويحرص بعضهم على إطعام المحتاجين من الناس للإيواء والغذاء وآخرون ينضمون إلى مجموعات التطوع في أعمال بناء البيوت لمن تعرضت بيوتهم للضرر الجزئي أو الكلي جراء العواصف والكوارث الطبيعية والحرائق، فيما يعمل آخرون على زيارة الحدائق العامة والحظائر ويعملون على تنظيفها، لجعل المترددين عليها ينعمون بجمالها وهدوئها.

هنا في واشنطن قرر أبناء الجالية أن يلتقوا كل عام في هذه المزرعة لزراعتها عند موسم الربيع، على أن يتم جمع ما توفر من خضروات في مرحلة لاحقة لتقوم منظمات خيرية ناشطة في الجهة الشرقية من واشنطن بتوزيع هذه المواد.

ويحضر هذا التجمع العرب الأميركيون على اختلاف أعمارهم، إذ يحضر الأجداد من ذلك الجيل المهاجر الأول إلى الولايات المتحدة، والآباء من مواليد المهجر وبعض الأحفاد الصغار الذين يجدون متعة خاصة وهم يتعاملون مع التراب مباشرة.

يقول "وسيم مرديني" المولود من أبوين سوريين إنه يعيش حالة من "السعادة الحقيقية" وهو يقضي هذا الوقت الممتع بعيدا عن التزاماته الوظيفية اليومية وعمل المكاتب لاستعادة تلك العلاقة الرائعة التي كانت تجمع بين أجداده والأرض في ذلك الشرق البعيد.

وسيم يقول لي أيضا إنه يجد في المناسبة فرصة للتلاقي مع آخرين من أبناء جذوره الاجتماعية والثقافية في هذا الفضاء، خاصة وأن الهدف هو على هذه الدرجة من السمو والانسانية في معناه من خلال الاهتمام بالآخرين وتقديم المساعدة لهم، وإشعارهم بأنهم جزء من تفكيرنا اليومي حتى وإن كانت الحياة تأخذ كل منا في اتجاه مختلف كل صباح جديد.

تتوالى المشاهد بين عرب ولدوا في أميركا واختاروا الزراعة لإعلان محبتهم للإنسان وللمكان وآخرين أتوها زائرين من ذلك الشرق البعيد ولكنهم وجدوا في المناسبة فرصة لاستعادة محبتهم للأرض وتكريس فعل الخير في نفوسهم فكان هذا التلاقي في الفكرة والنشاط والهدف السامي.

واحد من تلك المشاهد التي طبعت المكان بحالة من الجمال العميقة واللافتة هي تلك اللمسة الحانية التي نشرها الأطفال في نفوس الحاضرين وهم يحاولون أن يضعوا بذرة في أرض طيبة على أمل أن تعم الأرض خضرة أولا قبل أن يعمر قلوب آخرين فرحا بالحصول على ما هم بحاجة اليه من أياد اختارت الكرم والمحبة علاقة بالآخرين.

انتهى ذلك اليوم الجميل الذي قضيته بين عرب أميركا وهم يختارون الزرع هوية لهم وعنوانا لانخراطهم الإيجابي في وطن أعطاهم الكثير من الفرص وإنجاح" يوم العرب الأميركيين للخدمة العامة".

ما أجمل أن يكون الانسان في خدمة العامة من الناس من حوله والخدمة هنا شملت الأرض والإنسان في وقت واحد.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG