Accessibility links

logo-print

من مانديلا إلى أوباما.. قدر إنسان وحكاية قارة


تمثال نيلسون مانديلا، رمز النضال ضد نظام الفصل العنصري

تمثال نيلسون مانديلا، رمز النضال ضد نظام الفصل العنصري


عندما أتامل صورة الوداع في ملامح نيلسون مانديلا.. أستعيد فيها رحلتي الطويلة كمراسل لحروب إفريقيا.. في كل تلك الرحلة الطويلة جدا كان من الصعب علي وعلى الآخرين إيجاد بقعة ضوء يمكن استخلاصها من واقع قارة اختارت لها الطبيعة أن تكون سمراء واختار لها أبناؤها أن تكون أخبارها دائما سوداء.

في ذلك الزخم الداكن يطل ذلك النور المختلف من أقاصي جنوب القارة.. إنّه "ماديبا".. أحد أبناء القارة البسطاء والعظماء يعيد صياغة تاريخ المكان وكل الإنسان في كل القارة ومن وراء ذلك.. إعادة صياغة معنى جديد للإنسان وفي كل العالم.

اختلاف ماديبا كان المحبة عوضا من الكراهية والسلام بدلا عن الحرب والصلاة بدلا من الرشاشة والإخاء بدلا عن التفرقة العنصرية وأكثر من ذلك المستقبل أولى من الماضي ومن كل الذي حدث ومن كل الحسابات والأحقاد الشخصية.

ماديبا.. أعاد رسم خريطة القيم في القارة، ولفت العقول إلى حقيقة غابت عن جميع الأفارقة في تاريخهم الحديث، إن السلم وحده يحقق ما تعجز عنه كل الحروب.. نجح ماديبا في كل الذي حلم به وعاد في تواضع أسطوري إلى حياته الأولى والبسيطة كأحد أبناء القبيلة البسطاء. لم يكن الرجل بصدد تحقيق مطامح شخصية ولا رغبة في زعامة أبدية بل كان الرجل أكبر من ذلك حامل قضية إنسان ووطن وقارة بأكملها.

خيوط النور التي انطلقت من أصابع ماديبا لتجوب العالم.. غيرت كثيرا في هذا العالم الكبير.. على مقربة من فجيعة الرجل الإفريقي في زنزانة استمرت إقامته فيها لأكثر من ربع قرن من الزمن.. ترتفع صيحة موازية هنا في شوارع واشنطن، صيحة من رجل آخر تعود جذوره إلى تلك القارة السمراء.. مارتن لوثر كينغ.

يغرف الرجل من نفس المعين ويطلق صيحة الحلم ويقول إن الإيمان بالحرية في الإنسان لا يمكن أن يحدث على جرعات.. الحرية قضية كلية إما أن تأخذ بالجملة أو تترك بالجملة. وعلى نفس الإيقاع يرتفع صوت ماديبا في جوهانسبورغ ليقول للعالم إن القبول بإهانة إنسان واحد فيه تعارض للإيمان الأصيل بقيمة الحرية.

في كلا الحالتين، المحور في الإنسان هو قيم كونية، حرية وعدالة ومساواة بين البشر، لأنه لا إنسان اختار لونا لنفسه لا في إفريقيا ولا وفي أوروبا ولا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

غادر زنزانته ماديبا بعد حين من الدهر وارتفعت إلى السماء روح كينغ في عملية اغتيال صادمة، لكن حلم إفريقيا في زمن أفضل لم يتوقف ولم يتغير.

قطع ماديبا النصف الثاني من الطريق وحقق معادلة المصالحة المستحيلة بين أبناء وطنه وعاد بعد رئاسة أولى وأخيرة إلى قريته ليحقق معنى آخر لكنه أكثر قداسة، إنه معنى ذلك الرجل الذي يقف في وجهه العالم وينجح في تغيير العالم لكن العالم يفشل في تغيير الرجل.

أوباما خلال زيارته زنزانة مانديلا في عام 2006

أوباما خلال زيارته زنزانة مانديلا في عام 2006

في ساعة الحقيقة تلك، يقف شاب يتأمل المشهد في زاوية من مدينة شيكاغو.. هو أيضا تعود جذوره إلى إفريقيا، حالم وطامح لكن مشكلته في بشرته السوداء. يقول هذا الشاب إن لحظة خروج ماديبا من سجنه.. لحظة حررته من كل خوفه وأحيت في روحه الإيمان بأنه لا مستحيل تحت السماء.

إنه باراك أوباما.. رجل جاء من أقصى شيكاغو يسعى ليغير تاريخ أميركا ويحق المعنى الذي يغيب عن الذكر دوما عندما نقول إفريقيا.. هذه القارة التي أنتجت أسوأ الحروب وأطول النزاعات، تقدم للعالم أعظم النماذج للمحبة والسماحة والسلام برحلة تبدأ بنيلسون مانديلا وتعبر على مارتن لوثر كينغ وتقف عند لحظة التتويج فيها بباراك أوباما.

وداعا ماديبا.. شكرا إفريقيا.

الفيديو التالي الذي أعده رابح فيلالي لقناة "الحرة" يسلط الضوء على مشوار تصالح أعراق أميركا.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG