Accessibility links

عيون دمعت.. القصة الكاملة لخطاب أوباما في مسجد بالتيمور


أوباما في مسجد "بالتيمور"

أوباما في مسجد "بالتيمور"

ذلك الأربعاء من شباط/ فبراير من العام الحالي سيظل عالقا في ذاكرة طالبة الطب بجامعة "ميريلاند" صباح مختار إلى الأبد، بل ربما سيكون قطعا هو الحدث الذي سيطبع مسار حياتها بالكامل. كيف لا وهي التي اختارها المسلمون الأميركيون في مسجد "بالتيمور" لتقديم الرئيس بارك أوباما في زيارته الأولى لمركز إسلامي منذ توليه الرئاسة في أميركا قبل سبع سنوات من هذه الزيارة.

صباح التي أبدعت وهي تقدم قصتها الشخصية بقرارها ارتداء الحجاب وهي تدخل المدرسة العليا وكيف تعامل الأميركيون حينذاك، جيرانا في محيطها الاجتماعي، وزملاء في محيطها المدرسي، قالت إنهم جميعا رحبوا بخطوتها هذه بل أنهم وصفوا خمارها بالجميل بلونه الأبيض الذي يغطي رأسها، لكنها أضافت إلى ذلك أنها فخورة في كل حالات حياتها وبكل قراراتها وهي الأفريقية الأميركية المسلمة المحجبة. وهو الفخر الذي لقي استحسانا واسعا من الحضور وهم يطلقون التصفيق القوي في القاعة التي كان لحظتها الرئيس أوباما أحد المستمعين إلى كلمة مواطنته المسلمة.

لم يدم الوقت طويلا ليرتقي الرئيس المنصة ويقول خطابه الذي انتظره مواطنوه المسلمون بشغف ملحوظ وهم الذين يعيشون وضعا لافتا في أعقاب اعتداءات باريس وكاليفورنيا، وهو وضع يعيشه المسلمون في أميركا وفي الدول الغربية كافة، وجعل منهم في صدارة الحديث اليومي إعلاميا وسياسيا.

أوباما اختار أن يتحدث بمشاعر الأبوة وهو يعتلي المنصة أولا عندما صفق لكلمة مواطنته اليافعة وأثنى على كلمتها الراقية والمزدحمة المعاني بل أنه طالب من القاعة رأيها في أدائها، وقال إنه أداء رائع حقا بل إن الرئيس لم يتوقف عند هذه اللحظة بل امتد كرمه إلى لحظة إنسانية أكثر عمقا وتدفقا وهو يطلب من والدة الطالبة صباح لتقف ليوجه لها التحية على حسن تربيتها وتعليمها لخلفها وأمام جميع الحضور.

بالتأكيد أن هذه الأم وهي تختار الهجرة إلى أميركا مضطرة هربا من موطنها الأصلي الصومال الغارق في حروبه المتجددة وأزمات الحياة اليومية لم تكن تحلم بأن تقف ابنتها موقف الشرف هذا ولم تكن تتوقع يوما أن يكون الثناء على جهدها في التربية لأطفالها وتضحيات أمومتها من الرئيس باراك أوباما شخصيا وفي مشهد كهذا.

صباح ووالدتها لم يكونا هما فقط موضوع التكريم في خطاب الرئيس أوباما بل كل المسلمين الأميركيين كانوا موضع احتفاء من الرجل، وهو يقول إن هذا التوقيت الكثير القلق الذي يعيشه المسلمون الأميركيون وهم يتشاركون القلق مع بقية الأميركيين خوفا من أية أعمال إرهابية محتملة الحدوث، هم وبالإضافة إلى ذلك يعيشون قلقا آخر والمتمثل في بعض الناس الذي يستهدفونهم نتيجة عدم المعرفة بهم أو نتيجة تلك الصورة النمطية التي يرسمها الإعلام والأفلام، وهم لا يتحدثون عن الإسلام والمسلمين سوى في أعقاب أعمال إرهابية.

لكن الرئيس يريد لهذه الصورة أن تعدل ويقول لماذا لا نتحدث عن إسهامات المسلمين الأميركيين العظيمة في الحياة العامة الأميركية وهم الذي يؤدون خدمات عظيمة لبلادهم وخدماتهم لا تقتصر فقط على جاليتهم بل إنها خدمات شاملة للأميركيين كافة ومن الأعراق كافة ومنهم من فاز بجوائز نوبل العالمية وأطباء ومهندسون وأكاديميون لامعون وسياسيون يخدمون الأمة.

أوباما لم يقف عند هذا الحد بل طلب من الحضور من المسلمين الأميركيين الحضور إلى القاعة والذين يخدمون أمتهم في قوات الأمن والجيش بالوقوف لتتم تحية جهودهم وإسهامهم في حماية الأمة الأميركية من الأخطار المحتملة كافة، ويقول إن من بين المسلمين الأميركيين من يدافعون عن قيم الأمة في ساحات بعيدة من العالم ومنهم من يرقدون في سلام بالمقبرة الوطنية بمنطقة أرلينغتون.

وهنا وجد الرئيس الفرصة المناسبة ليثير قصة البطلة الأميركية في رياضة المبارزة بالسيف ابتهاج محمد، والتي ستمثل بلادها الولايات المتحدة في الألعاب الأولمبية بالبرازيل وبحجابها، والتي طلب منها هي أيضا أن تقف لتكريمها بين الحضور ويطالبها علنا بأن تحضر الدهب لبلادها خاصة وأنها تتفضل وتفخر دائما بأن تجعل من خمارها بألوان العلم الأميركي.

لماذا لا تجد قصص هذا الإسهام العظيم من المسلمين الأميركيين مساحتها في حديث الإعلام؟ يتساءل الرئيس ويقول إن هناك دائما مساحة لقول هذه الحقائق العظيمة في حياة هذه الجالية التي يعود تاريخها إلى زمن قديم في الحياة الأميركية.

الإسلام جزء من تاريخ أميركا

يعود أوباما إلى ذلك التاريخ العميق من حياة الأميركيين وهو يستشهد ببعض المقاطع التي أوردها الآباء المؤسسون عن المسلمين الأميركيين بالإشارة إليهم باسم المحمديين كما ورد في كتاباتهم ومذكراتهم، بل إن بعضهم كان يحتفظ في مكبته الشخصية بنسج من القرآن الكريم، فالإسلام مكون أساسي في رحلة وجهد الأمة الأميركية في سبيل تكريس قيم المساواة بين كافة مكونات المجتمع الأميركي العرقية وحرية ممارسة الأديان للأميركيين كافة.

لذلك يجد الرئيس أن التوقيت مناسب ليقول واحدا من استخلاصاته، والذي مفاده بأن المسلمين الأميركيين لا يسمعون في غالب الأحيان الكلمات التي يستحقونها، وهي كلمات الشكر لما قدموه ويقدمونه من إسهام في حياتهم اليومية ويستعيد جزءا من حديثه إلى أحد مواطنيه الذين التقوا به في قاعة مجاورة لقاعة الصلاة بمسجد بالتيمور وهو يقول سيدي الرئيس انظر إلى أسلوب حياتنا، إننا أميركيون بالكامل من خلال الخدمات التي يقدمها هؤلاء المتطوعون من أبناء الجالية في مركزهم من تعليم أبنائهم للمنهاج التعليمي الحكومي ورعاية طبية وتعليم لغة الأوطان الأصلية، إضافة إلى جلسات الحوار التي تجمع المسلمين بأقرانهم من أتباع الديانات السماوية في مسعى يقرب بين الناس جميعا ولا يفرق بينهم وهو ما بنى عليه الرئيس أوباما أيضا في خطابة عندما يقول إننا جميعا من خلق الله ولكن العادة جرت بين أتباع الديانات أنهم يبحثون عما يفرقهم أكثر مما ينظرون إلى ما هو جامع بينهم وهو أكبر بكثير من ذلك الذي يفرقهم، مستشهدا بتلك الآية من القرآن التي تقول "إن خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، مطالبا الجميع بالحديث عن أديانهم، ليس بحثا عن مزيد من أسباب التفرقة بل أملا في بناء مزيد من جسور التواصل بين الأميركيين من مختلف الأديان.

يقول الرئيس إن الأمة الأميركية جسد واحد وإن كان هناك أي جزء من هذا الجسد عرضة للتهديد أو التخويف فبقية الجسد جميعها مهددة، وعلى الجميع أن يتحدوا رفضا لذلك، وفي هذا إشارة كافية إلى تلك الخطابات السياسية التي عنت فيما تعنيه مواطنيه من هذه الجالية.

عاد الرئيس ليستحضر رسائل عديدة وصلته من مواطنيه المسلمين، كذلك الطفل المسلم من ولاية تكساس، "14 عاما"، الذي كتب لرئيسه ويقول له "إننا لا نريد سوى أن نعيش في سلام" أو تلك الأم التي كتبت إليه من "أوهايو" وهي تعبر لرئيسها عن خوفها على مستقبل أبنائها من خطر التمييز ضدهم بسبب ديانتهم في مستق مشوارهم التعليمي والمهني والحياتي بصورة عامة. وهنا تتحرك مشاعر الأبوة في كلمات الرئيس مرة أخرى ليرد على ذلك بقوله إنه يرفض مشاعر الاختلاف لدى أي طفل أميركي لأنه أب لطفلتين، وهو يعي ذلك جيدا، مشددا على أن الخوف لا يجب أن يمس حياة مواطنيه من أية طائفة كانوا ومن أي دين أو عرق.

هنا يقول أوباما لليافعين من أبناء الجالية لا تسمحوا لأي كان بأن يغالطكم، فأنتم مواطنون أميركيون أولا وإن مستقبلكم هنا وحياتكم هنا وهذه أمتكم وإن كان هناك مكان في العالم يتسع لأحلامكم، فلن يكون هناك أفضل من بلدكم أميركا، حتى لو كانت هناك بعض الصعوبات تعترض طريقكم في سبيل تحقيق ذلك لكن هذه البلاد وحدها تفتح مكمن الفرصة أمام جميع أبنائها، وتلك هي رسالة أمل حملها الرئيس معه لمواطنيه المسلمين في هذه الزيارة التاريخية.

تاريخ حدث في ذلك الأربعاء في بالتيمور، وفي ذلك المركز الإسلامي الذي تحول بمرور الزمن بعد 35 عاما منذ تأسيسه إلى واحد من أنشط المراكز في مدن الساحلالشرقي بعد إقدام مجموعة من الجامعيين على إنشائه كمكان للصلاة يجتمع فيه المسلمون لأداء صلواتهم وإحياء مناسباتهم الدينية والاجتماعية، قبل أن ينمو ويتحول إلى مكان جامع للجالية ويقدم خدمات في اختصاصات عديدة تتجاوز أتباع الديانة الإسلامية إلى غيرهم من الأميركيين.

هذا المسار في رحلة المركز وصفه أوباما بأنه مسار يشبه كل قصة أميركية أخرى في أي مكان من الولايات المتحدة.

في ذلك الصباح البارد وأنا اتحدث إلى أبناء الجالية رفقة مصوري جيم نوريس في المركز وهم يستعدون لاستقبال رئيسهم ويضعون اللمسات الأخيرة على المكان ليكون جاهزا لاستقبال الضيف الكبير، كان طلبة مدرسة الرحمة اليافعين منشغلين جدا وهم يخطون على جدارية إعلانات المدرسة عند مدخلها بوضع كلمة الترحيب "مرحبا السيد الرئيس أوباما" فيما انهمك الآباء المتطوعون في ترتيب قاعة الصلاة التي سيلقي فيها الرئيس خطابه على مواطنيه.

وأنا أسأل اليافعين من أبناء الجالية عن مشاعرهم في هذا اليوم.. قالوا إنهم يجدون في هذه الزيارة التفاتة عظيمة من رئيسهم باراك أوباما إليهم وإلى جهود آبائهم وأمهاتهم في سبيل تعليمهم والجعل منهم مواطنين صالحين، وأكثر من ذلك أنهم يأملون في أن تؤدي هذه الزيارة إلى تحقيق تواصل وتفاهم أفضل بين أتباع الديانات كافة في المجتمع الأميركي.

وسط أحداث الزيارة وكلمات ومعاني الخطاب لن يفوتني الإشارة إلى ذلك البريق الذي ملأ أكثر من عين بين الحضور فخرا واعتزازا في بعض الأحيان وفرحا وابتهاجا في أحيان أخرى، لكن أكثر ما كان لافتا تلك الأم وهي تحمل رضيعها الحديث الولادة بين يديها لتقول "إني أشعر بعد هذا الخطاب أني أكثر تجذرا في هذه الأرض وبأمل أكبر في مستقبل أفضل لأبنائي هؤلاء".

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG